سعد طارق الشيخ جاسم الربيعي
الحوار المتمدن-العدد: 3194 - 2010 / 11 / 23 - 13:42
المحور:
الادارة و الاقتصاد
دراسة التحول إلى الاقتصاد الإستراتيجي يتجاوز حدود الدول والقارات ويعود السبب في ذلك الى كونه إستراتيجيا في المقام الأول ويحتاج الى مديات حرة تتواشج مع اقتصاديات عالمية متماثلة، وله تكميلية سياسية ومنظومة امن قومي واستخدام امثل لإمكانيات العراق الاقتصادية وعلاقات دولية متشعبة وواسعة، ومن المؤكد ان الاقتصاديين والسياسيين العراقيين على دراية بشروط التحوّل الى الاقتصاد الإستراتيجي.
ومعلوم ان محاولات وضع أسس البناء الإستراتيجي للاقتصاد العراقي قد بدأت بعد انبثاق الجمهورية العراقية الاولى عام 1958 متمثلة بالمجلس الأعلى للاعمار غير انها فشلت ، ومن حسن الطالع لم يكتب لها الاستمرار والنجاح على الرغم من توفر المرتكزات المادية من الأموال والخامات الاولية ووسائل الانتاج والقوى المنتجة ، وذلك لكون الأسس القاعدية لأسس البناء ارتكزت على الرؤية الاشتراكية تماشيا مع التبشير بالاشتراكية في ذلك الحين ، ومن اهم أسباب فشلها القفز على الحلقات التكميلية لأسس البناء الاقتصادي وحرق المراحل الحضرية للتحول الاجتماعي ، واقحام محفزات وأمصال منشطة جيء بها من المنتج المعلب للحرث في ارض الغير، ولو كتب لها التأسيس افتراضا لأصاب الاقتصاد العراقي ما أصاب الاقتصاديات الاشتراكية من انهيار كلي ، اما اليوم وقد ادخل على النظام الاقتصادي العالمي انماط وتقنيات تحقق السلم وتؤمن التعاون بين الدول المختلفة ، وإمكانية ابرام الاتفاقيات بعيدا عن الأحلاف العسكرية ومحاور الاستقطاب السياسية والتهديد بالحروب وسباق التسلح مع سهولة تلاقح الخبرات ، وعملقة مستويات الإنتاج الواسع ، ومناقلة الصناعات والمواد الوسطية والتكميلية عبر نظام مواصلات واتصالات عالمي فاعل ، ويأتي هذا في وقت انتهاج سياسة اقتصادية استثمارية في العراق تلامس وتماحك الاقتصاد الحر الذي يوفر فرص سن قوانين الاشراف والرقابة وتوفير السلع الخدمية واستخدام عقلاني للثروة الوطنية واستكمال التحول الحضري للمجتمع العراقي بعد تقادم العهد على اقتصاد التبادل السلعي الزراعي مع اقامة نظام سياسي ديمقراطي تدعمه مؤسسات دستورية ، وإلى جانب ذلك توقعات ببلوغ التحولات السياسية منطقة لا بأس بها من الرشد والعقلنة مع ظهور الملامح المشجعة للاستقرار لا سيما الاجواء التي سوف توفرها نتائج الانتخابات العامة المقبلة.
والمعروف ان بناء اقتصاد إستراتيجي يدفع بالبلدان الطموحة الى خلق بدائل اقتصادية تشكل ضمانة للتحول وحماية وصيانة للاقتصاد الوطني من تقلبات الأسواق والاضطرار الى سبل التغيير المفاجئ لمصادر الدخل القومي جراء حدوث الكوارث البيئية والطبيعية والتقلبات السياسية، وتشكل منظومة البدائل الاقتصادية في عصرنا هما مقلقا للدول والحكومات، بل ان البحث عن البدائل بلغ في العقود الاخيرة مرحلة الأزمات وراح يلقي بظلاله المربك على حركة المال العالمي وانتاج الازمات وتصديرها. ويختزن العراق بدائل عملاقة تقع في مقدمتها الصناعات البتروكيميائية التي تضمن استمرار الحاجة العالمية للخامات النفطية ومنتجاتها الضرورة، ويرشح العراق كواحد من اكثر البلدان النفطية حظوظا لهذه الصناعات الإستراتيجية وذلك لتوفر المواد الأساسية للصناعات البتروكيميائية ورخصها الشديد ونعنى بها الكبريت والغاز وخام النفط وهي مواد متوفرة ورخيصة.
ومن البدائل الاقتصادية استنباط مصادر للطاقة باستثمار الموارد النفطية في بناء منشآت نووية سلمية وكذلك بناء منظومات الطاقة الشمسية، ومن البدائل المهمة الاخرى النهوض بالانتاج الزراعي وتشجيع الاستثمار في استصلاح الأراضي واعمار وتطوير شبكة الري وبناء السدود الجديدة والانهر الصناعية ومنع تسلل المياه الى البحر ومنح أهمية قصوى لبناء سد استراتيجي وعملاق في اسفل شط العرب وانشاء منظومة للصناعات الغذائية وكذلك استثمار ثروات الكبريت والسليكات (الرمل الزجاجي) والفوسفات وغيرها.
ويتطلب تفعيل الاقتصاد الإستراتيجي تحديث واعمار الصناعات العراقية الثقيلة وتوفير المفاصل التكميلية للمعامل والمصانع الكبيرة مثل مصانع الحديد والصلب والسيارات والمعدات ومعامل الورق و والزجاج والتعليب والسكر والاسمدة والغزل والنسيج الحريري الصناعي الناعم والانسجة القطنية والصوفية وصناعة الاجهزة الكهربائية والاسمنت وصناعة المطاط (الاطارات) والادوية والالبان والالبسة الجاهزة والدراجات وغيرها من الصناعات التي تشكل المنظومة الاساسية للقاعدة الصناعية الإستراتيجية.
وتأتي الصناعة السياحية واحدة من اهم مصادر الدخل في العراق ، حيث تتوفر الأساسيات من المناخات والحواضر والمواقع التاريخية والموضوعية التي من شأنها ان تخلق نهضة سياحية حديثة وتخرجها من الهدر والسبات الطويل، وتعد الصناعات السياحية من ادوات التحول الى النمط الصناعي الإستراتيجي بسبب انهيار البنى الفوقية الشمولية والإيديولوجيات الواحدة التي انتهت مع انتهاء دور الاحزاب النمطية (الثورية) حيث تتطلب السياحة نبذ تهميش بعض المنشآت السياحية كالعتبات المقدسة لاسباب فكرية او طائفية او سياسية تعمل على حرمان الثقافات العراقية الفرعية من استحقاقاتها التي تختزن امكانيات حضارية وثقافية عظيمة .
ولا بد لنا ان نعرج على مفصل مهم يدعم مشروع التحول الإستراتيجي، وهي الافاق الجديدة امام القطاع الخاص الذي سيتبوأ الصدارة تدريجيا بعد ان يتحرر الاقتصاد العراقي من ارث الماضي ومن القيود المكبلة لانطلاقة حقيقية للاقتصاد الحر وتوظيف الخبرات والمهارات العراقية التي يتمتع بها رجال الصناعة لما لهم من باع طويل اثمر عن تأسيس قاعدة موثوق بها وتصلح ان تكون ارضية صلدة ينطلق منها القطاع مجددا ليسهم بقوة في دفع التحولات الاقتصادية نحو الآفاق الإستراتيجية.
وللموقع الإستراتيجي للعراق في المنطقة اهمية متعاظمة، حيث يوفر العراق حاليا جسرا مهما وآمنا ورخيصا وسريعا لنقل البضائع والسلع الخفيفة والمتوسطة بين بلدان عديدة في المنطقة حصل فيها رقي اقتصادي وثقافي وكثافة سكانية ومناطق آهلة جديدة كانت مغيبة بسبب الازمات السياسية السائدة حتى وقت قريب مثل مناطق جنوب تركيا وشمال العراق واجزاء شاسعة من البوادي، وقد تمكن العراق مؤخرا من تشغيل خطوط السكك الحديدية العراقية الإستراتيجية التي كانت معطلة، وبناء الموانئ الجديدة وتأهيل وأعمار المتداعي منها ومن المبهج ان نسمع بمحاولات لإحياء مشاريع الاستفادة من الملاحة النهرية .
والاهم من كل ذلك هو الإنسان العراقي المتمرن على استيعاب المكننة والتقنيات الجديدة والمؤهل حضاريا ونفسيا للأخذ بكل مبادرة تغييريه، وهو أداة وهدف البناء السلمي للعراق وصاحب المصلحة الأساسية والأولى بإرساء أسس التحول الى اقتصـاد إستراتيجي وبناء الدولة العراقية الحديثة وعلى ذلك فأن ممكنات التحول الاقتصادي العراقي الى آفاق إستراتيجية لها حظوظ عظيمة شريطة الالتزام بنمط الاقتصاد الحر وتقديم ضمانات موثوق بهـا لاستمرار التحولات الوطنية الأخرى وتجذير الديمـقراطية .
#سعد_طارق_الشيخ_جاسم_الربيعي (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟