نضال نعيسة
كاتب وإعلامي سوري ومقدم برامج سابق خارج سوريا(سوريا ممنوع من العمل)..
(Nedal Naisseh)
الحوار المتمدن-العدد: 3155 - 2010 / 10 / 15 - 10:50
المحور:
الصحافة والاعلام
بالرعم مما يبدو من نمطية تميز بعض مفاصل الإعلام السورية وذلك لجهة الأسماء المزمنة التي تربعت على عرشه وترفض إن تنزاح أو تتحرك وكأنها القدر المكتوب بعينه، إضافة إلى ترهل عام في بعض من أجزائه الأخرى، وناهيك عما يقال عن نقص في فاعلية مواكبة الحدث ومتابعته وفق الآليات الإعلامية الحديثة كوجود مراسلين في موقع الحدث والاتصال والنقل المباشر بالأقمار الصناعية فساعات البث في هذا النطاق هي ما ترفع من تقييم أي إعلام في العالم اليوم، وما يبدو من عدم قدرة واضحة عن استقطاب أكبر لعدد وقدر أكبر من الجمهور السوري وبغض النظر عن الجمهور الإقليمي والعالمي، ولن نتحدث عن غياب النجومية لدى بعض من رموز هذا الإعلام المزمنين وعدم قدرة هذا الإعلام على "تفريخ" تخريج وصنع النجوم الإعلام والأسماء الإعلامية السورية الكبيرة والمميزة التي ولدت جميعها خارج رحم إعلامنا السوري، ولن نتكلم عن الخطابية والمباشرة فتلك قصة أخرى حيث أصبحت هذه من "مرحومات" وذكريات الإعلام العالمي العصري والحديث، والأهم من هذا وذاك البيروقراطية التي تضرب أرجاء أدائه بعض الشيء في عمل يتطلب الديناميكية والحركية والمبادرة والإبداع "والفرفشة" وإظهار روح الشارع والإنسان السوري البسيط، واتسام إعلامنا الوطني بقدر كبير من الجدية والاتزان و"الوقار" الذي يبدو ثقيلاً، أحياناً، على دم وقلب المتابع وقد يكون معذوراً ها هنا، كونه يعكس، إلى حد كبير، طبيعة الدور السياسي والدبلوماسي الإقليمي السوري في المنطقة الذي يتطلب الظهور بهذا المظهر الجدي الوقور والمتزن جداً، نقول بالرغم من هذا كله فإن جانباً هاماً جداً، قد لا يثير فضول البعض واهتمامهم بات يميز إعلامنا الوطني السوري، ألا وهو غياب الطابع الديني ومظاهر الدروشة والأسلمة وخطب الجمعة ونقل الآذان، وقطع المسلسلات والبرامج المسلية لبث صوت شيخ يذكرنا بواجباتنا الدينية التي لا تحتاج "لمذكر"، على الأقل بالنسبة لمؤمن تقي، وتستدعي في كثير من الأحيان، بسبب إقحامها وفجاجتها تذمر ورفض حتى ذاك المؤمن التقي .
وبالفعل من يتابع الفضاء الإعلامي العربي الرسمي، وأشدد على الرسمي، ولن أتكلم على فوضى الإعلام الخاص، فتلك أكبر من جرائم وكوارث إعلامية وإنسانية جماعية وتلوث وتسمم بيئي وفكري وثقافي يشبه الوباء والجائحات، تعود بالإنسان إلى مراحل الفوضى والمشاعات البدائية وينطبق على هذا الإعلاف في هذه الحال قول " كل من إيدو ألو"، هذا الإعلام العربي، بقضه وقضيضه، بعجره وبجره، يبدو كسيمفونية تعزف ملاحم دينية موجهة مركزياً، وليست لوجه الله في غالب الأحيان، وكأن الجميع في كرنفال ديني، وعرس صوفي وطقوس دائمة من التضرع والعبادة والقعود والسجود. إذ يبدو اليوم أن لا هم لما يسمى بوسائل الإعلام العربية سوى إظهار مظاهر الدروشة والتأسلم والطقوس الشعائرية والتدين لدى هذه الشعوب بعد أن عجزت عن القيام بأي فعل حضاري عليه القيمة، وتعمد تلك الوسائل على قطع برامجها بين فينة وأخرى لتقديم الآذان، وبث خطبة الجمعة حيث توقف كافة البرامج التعليمية والتثقيفية والتوعوية والصحية والإرشادية وحتى الترفيهية، وهي برأينا أهم بكثير من البرامج الدينية وخطب الجمعة التي لا تأتي بجديد وباتت تجتر ذاتها، لا بل باتت تشكل تهديداً للأمن الوطني في كثير مما يسمى بالعالم العربي والإسلامي بسبب دأبها على التحريض الديني وبث الفرقة والتشرذم والانقسام بين جموع العرب والمسلمين قبل غيرهم. ناهيك عن استقدام الكثير من السحرة والمشعوذين والخزعبلاتيين وممن يسمون برجال الدين لتفسير الأحلام، والاستفتاء والإفتاء، وبيان حكم الدين، وموقف الشرع، فيما إذا أرادت سيدة أن تطهو لأطفالها "رز بحليب"، أو إذا كانت تريد أن تقيم عيد ميلاد لطفلها الوحيد، وتقصي وتبيان فيما إذا كان أي من السلف الصالح قد فعل هذا الشيء أم لا؟ والأدهى والأدق رقبة من هذا وذاك، كما يقال، والتي تستدعي إطلاق صيحات "ألواه ألواه" السورية، هو برامج تفسير الأحلام حيث يتكفل الشيخ المشعوذ الدعي بالدخول إلى العقول الباطنة للمتصلين، والتنبؤ بالغيب، وهذا لوحده كفر بواح، ومعرفة مستقبلهم ومتى ستتزوج هذه ومتى سيأتي عريس لتلك العنوس المعنسة والشمطاء المـُعـَجـِزّة، علماً بأن تفسير الأحلام هو علم فرويدي خالص معقد خاص وقائم بذاته ولا يستطيع أي كان من أن "يفتي" فيه ويتكلم عته، إلا بروفيسورات اجتازوا مراحل علمية طويلة، وبعد دراسة معمقة لسلوك ونفسية وتاريخ طالب التفسير الشخصي ورد ذلك إلى طفولته، ونشأته، وأمور أخرى ترتبط كلها بما يخطر، وبما لا يخطر على بال هؤلاء المشعوذين والسحرة والخزعبلاتيين الذين يطلقون كلامهم و"تنبؤاتهم الغيبية" على عواهنه، واللعب بمشاعر وعواطف وآمال الناس، ودغدتها هكذا، من غير "إحم ولا دستور"، ومن دون حساب، وذات اليمين وذات الشمال. ناهيكم عن حجم الضخ والتعبئة والحشو والتحريض والتكفير واللعب على أوتار طائفية والعزف عليها، حتى فيما يسمى بمحطات رائدة و"كبيرة" في الإعلام العربي الممول رسمياً. ولا يكتفي هذا الإعلام بتلك النقائص والموبقات والمعاصي الوطنية والإنسانية بل يقدم أولئك السحرة والمشعوذين "وخرابين البيوت" والتكفيريين بمظاهر من الورع والتقوى والتجميل ونسج الأساطير حولهم.
هذا بتكثيف واختزال بسيط وسريع هو واقع وحال، معظم، إن لم نقل كل وجل ما يسمى بـ"الإعلام العربي" والرسمي منه تحديداً.
وللحقيقة والتاريخ تغيب كل، أو معظم، هذه المظاهر المزعجة عن الإعلام الرسمي السوري، وأكفل لأي متابع للإعلام الرسمي السوري عدم تعرضه لأي من مظاهر قطع البرامج وهو يتابع برنامجاً تلفزينياً ممتمعاً. ولا أعتقد أن الأمر محض صدفة بحتة، بقدر ما هو سياسة مرسومة وواعية، وذكية ومهنية، وتدرك ما هي فاعلة، وإلى أين تسير وسط أشواك وألغام ومطبات ذاك الكم من التخبط والفوضى والعبث الإعلامي الرسمي العربي وبدائيته وتخلفه ودروشته، وهذه واحدة تحسب للإعلام السوري، وليس ضده، في مناخات الهيمنة الظلامية على فضاء المنطقة بما يشبه التحدي، والرفض، والنأي بالنفس عن تلك الممارسات الإعلامية العربية الرسمية المتدروشة الفجة والتي لا ترتقي بحال لأي شكل من أشكال الحداثة، والعصرنة، والمصلحة الوطنية العامة، وهو وجه علماني سوري يكاد يكون شبه الوحيد والمعدوم تقريباً فيما يسمى بالفضاء الإعلامي الرسمي العربي، الذي يبدو بتوحد وانسجام في سياساته تلك. ولعمري، هذه السياسة والريادة الإعلامية السورية المميزة في هذا المجال، تحديداً، وهو الأهم في هذه المناخات العربية التعبوية، تستحق أن نرفع لها القبعات، وهي كفيلة، أن تمحو ما تقدم، وما تأخر من "ذنوب"، وأخطاء، وربما خطايا، إعلامنا السوري الوطني، ونرجو له استمرار هذه الريادة وهذا التميز والارتقاء والنأي بالنفس عن إعلام رسمي عربي، بات أقرب إلى الدعاية ومنظمات الدعوة الإسلامية من أي عمل مهني إعلامي حقيقي وراقي.
نعم يحق للإعلام الرسمي السوري أن يرقع رأسه ويعتز بريادته وتميزه وتفرده، في هذا الجانب، أمام "سلفية" وماضوية وتخلف ودروشة ما يسمى بالإعلام العربي.
#نضال_نعيسة (هاشتاغ)
Nedal_Naisseh#
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟