خالد عبد القادر احمد
الحوار المتمدن-العدد: 3039 - 2010 / 6 / 19 - 16:12
المحور:
القضية الفلسطينية
في مقال سابق, وجدنا ان ازمة النضال الفلسطيني اخذت صورة تراجع المناورة القيادية الفلسطيينة عن هدف التحرر القومي الفلسطيني الكامل من المشروع الاستعماري الاحلالي الصهيوني وقبولها مبدأ تقاسم فلسطين معه. والذي يعني عمليا انحيازها للحفاظ على مصالحها الاثنية والطبقية كتحالف اسلامي مسيحي, وانطواء كل القوى الفلسطينية السياسية الرسمية والفصائلية في هذا النهج. وكذبنا ادعائهم المحافظة على الثابت الوطني الفلسطيني, الذي يتجسد عمليا في وجود القومية الفلسطينية الحديثة, وبينا ان سبب ذلك يعود اصلا لعدم وجود دلالة ثقافية في وعيهم وادراكهم تحدد معنى الثابت الوطني لخلوه من صورة علمية شاملة لمسار التطور التاريخي الحضاري الفلسطيني, يحدد ما هو الثابت الوطني.
وبينا ان صورة تاريخ فلسطين في وعي وادراك هؤلاء لا تعدو كونها رصفا من ترتيب زمني تاريخي لوقائع تقلبات السيطرة الاجنبية المتعددة المصادر على فلسطين وتقلبات تبعية فلسطين لهذه السيطرة الاجنبية, كما بينا ان الدلالة الثقافية لوعيهم وادراكهم تحمل اجابة على الاسئلة المتعلقة بتطور تشكيل المجتمع الفلسطيني تاريخيا من حالة القبيلة نقية العرق واحدية الثقافة, الى مجتمع اثني عرقي متعدد الثقافات, والطبقات الى ان وصل الى موضوعيا لمستوى الظاهرة القومية الحديثة ذي الدلالة الثقافية المتخلفة التي تمثل مرحلة ما قبل الراسمالية في مسار تطوره الحضاري الخاص.
في هذا المقال سنحاول تحديد صورة معرفية تحدد المدخل التاريخي لانتقال المجتمع الفلسطيني من المرحلة البدائية ذات التشكيل القبلي نقي العرق عديم الانتاج واشكال الملكية والفرز الاجتماعي, الى المجتمع الذي يحوي على تناقضات كل هذه المسائل. وتشكل في حياته مسار الصراع الديموقراطي من حيث كونه مسار تطور انماط انتاج يستتبعه عادة تغير اسس التشكيل الاجتماعي وبناءه الحقوقي, في ظل اطار عملية وحدة تفاعل مستقرة نتيجتها الانصهار القومي شكلها الاعلى الظاهرة القومية الحديثة الراسمالية.
ففي القراءة الاثنية الكلاسيكية الاكاديمية لتاريخ فلسطين, تبدو دائما فلسطين وكانها( نطاق جغرافي) في انتظار من يشغله من ( الغزاة الوافدين), لذلك ينشغل صراع الاثنية في مجال علوم التاريخ في محاولة تحديد الى اي من هذه الاعراق تعود (ملكية فلسطين) باعتبارها نتيجة لحالة ( اسبقية وضع يد), لذلك يجري تفسير الكشف الاركيولوجي للاثار التاريخية بانه دليل يؤكد الحق الاثني في هذا التملك.
فرغم ان التاريخ الاركيولوجي لفلسطين يثبت ان ( الحضور الانساني فيها) اقدم بالاف السنين من بدء حدوث الغزوات الاجنبية لها, فان هذه الحقيقة لا تعني للمؤرخ الاثني شيئا ذي قيمة علمية, وهو بكل وقاحة يعتبر ان الاكتشاف الاركيولوجي الفلسطيني وافد من حضارة اخرى, دون ان يثبت وجود ( اصل اركيولوجي حضاري ) خارج فلسطين لهذا المكتشف حمله معه الغازي الى فلسطين حين غزاها واستقر بها. فهو ببغاء تردد ( العروبة الكنعانية ) للاكتشاف الاركيولوجي, او( العبرانية الاسرائيلية) له. فالمهم في كل الاحوال ان لا يكون اركيولوجيا فلسطينية؟
انه لا يستنكف عن القول ان مستوى التطور الحضاري كما يثبته قدم التاريخ الاركيولوجي الفلسطيني, سابق على التطور الحضاري خارجها, يجسد ذلك بصورة خاصة تاريخ اركيولوجيا تطور البناء وهندسته, الذي وصل مستوى بناء ( المدن ) وابتدأ حل مشاكلها الحياتية, وطور مفاهيم وتقنية الحفاظ على امنها. ولا يقوده ذلك الى استنتاج ان مستوى التطور الحضاري هاجر من ( داخل) فلسطين الى ( خارجها) فترك اسهامه الخاص في تطورها حضاريا؟ وهو امر حدث لسبب وجود الصراع العرقي في فلسطين واضطرار بعض الاعراق لمغادرتها جراء الهزيمة العسكرية؟ فهو اذا كان لا يقرأ ما عاين شخصيا مشاهدته من الوقائع, فكيف له ان يفسر بصورة صحيحة وقائع حدثت قبل الاف السنين؟
لقد اعادت نتائج هزيمة 1948م التي لحقت بالمجتمع الفلسطيني على صورة تهجير وتشريد, شخصنة تجربة نقل الخبرة الحضارية الفلسطينية الانتاجية والحياتية من ( داخل ) فلسطين الى( خارجها) بصورة حية امامه, لكن العمى الثقافي الاثني خاصة في مستواه الديني, يمنعه من رؤية ذلك. والمشكلة ان هذا العمى يصيب الرؤية الثقافية الفلسطينية نفسها؟ التي تستسلم للمقولة ( الاستعمارية) وتؤيدها بكل حماسة؟ فهل يستطيع ( قوميونا العرب) في فلسطين من متدينين وليبراليين ويسارين وشيوعين تقديم تفسير لذلك؟
ان المدخل لفهم علاقة فلسطين بالصراع العالمي, يبدأ من تحديد اهمية موقع فلسطين الجغرافي بالنسبة للظاهرة الاستعمارية العالمية, لكنه اذا اقتصر على تلمس جانب غزوها فحسب فانه يكون رؤية وحيدة الجانب, تهمل حقيقة وجود حالة استقرار انساني تاريخي في فلسطين, شكل الصراع بينهما الرافعة التي سرعت وتائر خروج الظاهرة الانسانية الفلسطينية من المراحل البدائية شبه الحيوانية الاولى عديمة الملكية وعديمة الانتاج ذات التشكيل القبلي نقي العرق, الهائم في حركة تنقل موسمية خلف تنوع موسمية مناطق الانتاج الطبيعي وموسمية هجرة الحيوان الغارق في صراع مستمر مع شبيهه من القبائل على هذه المناطق,
فقد انعكس في الوعي والادراك الفلسطيني صراعه مع الطبيعة على صورة دلالة ثقافية انتاجية ذات اطر ثلاثة يتعلق اولها بتدجين الحيوان حيث اجتاز بها الحاجة الى صيده, وتراجعت ممارسة الصيد الى صيد الحيوان ( الضار) بصورة اساسية وصيد الحيوان النافع الذي لم يتم تدجينه بعد, لكن الصيد لم يعد اساس الصراع مع الحيوان. اما الاطار الثاني فقد كان في مجال الزراعة وفي هذا المجال تجاوز الانسان الفلسطيني الحاجة الى التنقل الموسمي المستمر خلف تنوع موسمية المناطق في الانتاج حيث تشكلت عنده دلالة ثقافية حول كيفية اعادة الاستنبات الثمري المحدد النوع, واخيرا الصيد البحري الذي استدعاه الى الاستقرار على شاطيء البحر المتوسط واكتشاف التقنية اللازمة لممارسة عملية الصيد هذه.
ان مهمة الاكتشاف الاركيولوجي الفلسطيني هنا هو في تحديد الى اي من هذه الاطر انتقل مبكرا المجتمع الفلسطيني عن الاطر الاخرى, يساعده في ذلك تحديد تفاوت تاريخ قدم اولوية البناء المديني, لانه في هذا التحديد سيتمكن من تحديد نمط الانتاج الرئيسي الذي سيطر في المجتمع الفلسطيني ونظم في اطار سيطرته وسيادته موقع انماط الانتاج الاخرى, ولكن في كل الاحوال فان لنا ان نرى الولادة التاريخية المبكرة ( للظاهرة الديموغرافية الفلسطينية ذات الانتاجية الهادفة المستقرة) وتقدمها على ولادة الظاهرات الديموغرافية الاقليمية الاخرى. الامر الذي لم ينهي صراعها مع هذه الظاهرات الانسانية بل فاقم من عدوانيتها ضد الظاهرة الفلسطينية؟
ان ظاهرة الصراع الانساني لم تبدا من مطلب توسيع وتعزيز ( الملكية) بل بهدف الاستيلاء على ( المنتج), فمنشأها التاريخي هو الصراع بين القبائل من اجل الاستيلاء على ( الانتاج الثمري الطبيعي) لمنطقة جغرافية ما, وتحول تاليا الى هدف الاستيلاء على ( مردود عملية الانتاج الانسانية) وحتى هذا المستوى لم يكن الصراع قد انشأ بعد الظاهرة الاستعمارية, فهذه نشأت تاليا حين اصبح الهدف هو السيطرة المستقرة الاستيطانية على ( كامل ديموغرافية الظاهرة الانسانية وكامل تكوين ومردود عملية انتاجها) ومن ثم اكتفت الظاهرة الاستعمارية بفرض التبعية وتوظيف (كامل الظاهرة الجيوقومية وقدراتها الاقتصادية السياسية) لصالح تفوقها في الصراع العالمي.
لقد كانت فلسطين بحكم لوجستية موقعها الجغرافي في قلب الية الصراع هذه في كل مراحلها, التاريخية, اما كيف انعكست هذا الصراع العالمي في الوضع الفلسطيني فقد اخذ الصور التالية:
الصورة الاولى هي صورة تقلب اصول الحضور الانساني في فلسطين دون الاستقرار بها, حيث كانت الاستفادة من انتاجها الثمري والهجرة الحيوانية هي التي تحدد مقدار تواجد هذه الاصول بها والصراع بينها, واستمر ذلك الى حين ابرزت تخوم التواجد العرقي المحيط بفلسطين حجم حركة التنقل الممكنة في اطار الجغرافيا الفلسطينية, ودعتها الى الالتفات لمسالة الانتاج الهادف المستقر, التي بموجبها تبلورت الديموغرافية الفلسطينية تاريخيا
الصورة الثانية هي صورة تطور عملية الانتاج الهادف ( وهي بالمناسبة عملية انتاج ذات تقسيم عمل نمطي انتاجيا وقبلي انسانيا) في الظاهرة الديموغرافية الفلسطينية, وادخلت قبائل هذه الظاهرة في صراع بيني داخلي الى جانب الصراع مع الظاهرات الديموغرافية الاقليمية الاخرى, الامر الذي عرضها للهزيمة امام الغزاة اللذين كانوا يكتفون باديء الامر بالاستيلاء على المنتج الفلسطيني ومن ثم انتقلوا الى الاستقرار في فلسطين من وضع الانتصار على قبائلها واخضاعها لسيطرتها, لتنتهي بذلك مرحلة البدائية الفلسطينية ذات التشكيل القبلي نقي العرق ولتبدا المرحلة التالية مرحلة الاثنية عرقيا وطبقيا
#خالد_عبد_القادر_احمد (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟