عزيزباكوش
الحوار المتمدن-العدد: 2986 - 2010 / 4 / 25 - 23:29
المحور:
الصحافة والاعلام
كشف مبعوث جريدة الاتحاد الاشتراكي المغربية إلى دوار تيجمة وسبع ارواضي محمد رامي عن حقائق اجتماعية صادمة في مغرب الألفية الثالثة . وجاء في تحقيق نشرته الجريدة في صفحتين الجمعة الماضي أنه و بعد أقل من 40 كلم من بولمان في اتجاه إقليم صفرو، وبالضبط في المنطقة التابعة لنفوذ الجماعة القروية لعنوصر، تعيش أزيد من 280 أسرة بكل من دوار سبع رواضي ودوار تيجمة أقصى درجات التهميش والحرمان." وبهذا الانفراد المتمثل في زيارة عائلات تعيش حياة «العصر الحجري» تكون جريدة الاتحاد الاشتراكي قد كشفت زيف ادعاءات الخطاب الرسمي و تهافتات مخططات التنمية البشرية بإبرازها معاناة 280 عائلة تعيش حياة ما قبل التاريخ. زيارة مثل هذه الدواوير احتاجت من الصحفي رامي خمس ساعات مشيا على الأقدام عبر مسالك صخرية صعبة للوصول . كي يجد الصحفي المستقصي نفسه أمام تجمعات توحي للزائر بأنه عاد للحياة في العصور الحجرية. ونقل محمد رامي رئيس قسم المجتمع بالجريدة شهادات حية عن معاناة أسر في عهد شعار التنمية البشرية، شهادات صادمة لأناس ولدوا وترعرعوا هنا وأنجبوا أطفالا، تحدثوا الى الصحفي بعفوية تامة. مؤكدا أن الأمر يتعلق بأناس يعيشون منذ أزيد من خمسين سنة تحت أكوام من الحجارة تعلوها الأكياس البلاستيكية، يشربون مياه الأمطار، يقتاتون من الشعير المدقوق ويحضرون الخبز منه وأن البعض من هؤلاء لايعرف إلا الله وبوغابة الذي يزورهم مرة كل سنة ليأخذ ضريبة السكن والرعي، ويتمثل وفق ماجاء في ذات التحقيق " خروف عن كل أسرة بحسب ماصرح للصحفي مجموعة من السكان، علما أنه لم يسبق لأي مسؤول كان، أن زار المنطقة."
العودة إلى العصور الحجرية..و توغل الصحفي رامي رفقة زميل له في الجبل، «الطريق » إلى قلب «سبع رواضي وتيجمة» وهي عبارة عن ممرات حجرية منبسطة، تطول الساعات لاختراق فضائها الفضاء العذري، حيث لاشيء يوحي بأن في نهاية الطريق هناك أثر للحياة. ونقل الصحفي الاستقصائي محمد رامي وصفا دقيقا للحالة الاجتماعية كما نقل تصريحا ادلى به كهل في الخمسينيات من عمره، عن معاناة طالت لسنوات وسنوات. استضافه في مسكنه البسيط والذي هو ليس في الأصل سوى تجويف أكوام أحجار مصطفة وموضوعة الواحدة فوق الأخرى بانتظام. في أقصى المسكن أكوام أفرشة بالية وبالقرب منها أدوات طبخ بدائية، لا وجود لمنافذ للتهوية هنا، ظلام دامس في الداخل « أعيش مع والدتي هنا منذ مايقارب الخمسين سنة، وكما ترى بعينيك، حياة كلها حرمان ومعاناة، والدتي فقدت بصرها وعاجزة عن الحركة، أحيانا تقضي أسابيع لاتبارح فراشها، نقتات من لاشيء، صراحة لا أعرف كيف نتدبر أمرنا، (كانعيشو مع لجواد!)..»
الماء عملة نادرة. ويعتبر نذرة الماء مشكلا حقيقيا هنا بدوار تيجمه بالإضافة إلى افتقاد وصعوبة المسالك الطرقية ، أما غير ذلك فلايهم، قد يضطر السكان إلى أكل أي شيء ، ولجلب الماء يتوجه الكهل نحو بركة على مقربة من كوخه حاملا قنينة فارغة، يملؤها من مياه الأمطار ويشرع في الشرب.أما الرجال الأقوياء البنية فيضطرون إلى قطع مسافة 20 كيلمترا للتزود بالماء خلال فصل الصيف وفترات الجفاف. أما خلال الأيام الماطرة، فتقوم الساكنة بشرب مياه الأمطار ليس عبر«المطافي» المتعارف عليها، بل من خلال البرك التي يتجمع فيها الماء. ولعل الزائر للمنطقة يصدم لدرجة تهميش هؤلاء البشر الذين انقطعوا عن العالم الخارجي بشكل كامل، حيث لا حديث هنا عن التمدرس ولا عن التغطية الصحية، لكن نسبة الوفيات بين الأطفال والنساء الحوامل تبلغ أعلى المستويات، وأكبر دليل على ذلك المقبرة الجماعية للأطفال هناك.استمر السيد اعزيزي في سرد معاناته لمبعوث الجريدة لدرجة اقترب من الإجهاش بالبكاء، ملتمسا منه نقل أوضاعه وأوضاع المآت من مواطنيه إلى الملك والى العالم الخارجي والذي انعزلوا عنه كرها لا طوعا. ولم تقف الطبيعة الصخرية للمنطقة في ثني رامي عن القيام بمهمته فتوجه إلى العمق مسافة 16 كيلمترا احتاجت منه أزيد من خمس ساعات لاجتيازها. حتى كاد أن يبلغ منه العياء درجة كبيرة، فتوقف لأخذ قسط من الراحة أكثر من مرة، وفي منبسط جبلي، صادف بركة مائية كبيرة من مخلفات الأمطار المتساقطة الليلة الماضية، إنها احتياطي مائي بامتياز بالنسبة للسكان هنا، على الأقل سيوفر لهم ما سيستهلكونه طيلة أسبوع كامل. ولأن الماء هنا عملة نادرة، فأن السكان سيعملون على الاقتصاد فيه وادخاره تحسبا للآتي من الأيام، فشرب الماء ليس في متناول الجميع، «شريب الماء بالعبار هنا» كما يصرح أحد الساكنة . ومع اقتراب الرحلة من الانتهاء تبدو المنطقة مجموعة من المساكن المتناثرة هنا وهناك، يخيل للزائر وهو يبتعد عنها أنه عاد لسنوات غابرة وموغلة في التاريخ، كل من صادفهم رامي من الأهالي البسطاء دعوه الى اكواخهم واستقبلوه بكل البساطة والعفوية وتمنوه تبليغ رسائلهم التي لا تقبل التاجيل . اعزيزي رقية بنت اعلي، نفس الحكاية، نفس المعاناة، حدثته بلغة أمازيغية فكان لا بد من مترجم قالت: «ضعنا هنا، ولدنا وترعرعنا وخلفنا ونحن نعاني لا ماء لا كهرباء لأمور عيش، ماتت عنزاتي السبعة بعد أن انهار عليها جدار الزريبة، نطلب من المسؤولين الالتفات إلى حالنا، نطلب منكم مساعدتنا...». واستمرت في سرد تفاصيل دقيقة عن حياتها: «... لنا الله، لنا الله، لنا الله...». لكن أقوى لحظات التحقيق هو تصريح للطفلة رقية عزيزي تم نقله بامانة" «ليس هناك ماء للشرب، البرد قارس هنا، لا أعرف المدرسة وليس هناك إلا رعي الغنم...» التحقيق خلص الى رسم صورة كئيبة عن منطقة لم تعرف العهد الجديد بعد ، حيث لا وجود لمدارس، لامكان للتربية والتعليم، الأطفال لايعرفون الكتابة ولا القراءة، منذ الصغر يتوجهون للرعي. وهي فواجع تجبرنا علة استحضار الحديث الدائر عن البرنامج الاستعجالي للنهوض بالمنظومة التربية من حيث تعميم التعليم وإدماج العالم القروي، الذي يبدو انه بعيد كل البعد عن دوار تيجمة وسبع ارواضي ..ذلك العالم الحجري الطبيعي الصعب والصادم بكل المقاييس.
#عزيزباكوش (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟