أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - سعدي يوسف - يومياتٌ عراقيةٌ - 2















المزيد.....

يومياتٌ عراقيةٌ - 2


سعدي يوسف

الحوار المتمدن-العدد: 899 - 2004 / 7 / 19 - 06:52
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


كتابة : باترِك كوكبورْن Patrick Cockburn
ترجمة وإعداد: سـعـــدي يــوسـف

من الـمُغري النظر إلى تسليم السلطة من الولايات المتحدة إلى الحكومة العراقية الإنتقالية في الثامن والعشرين من حزيران ، باعتباره كذبةً فاضحةً . القلائل الذين حضروا مراسيم تسليم السيادة قانونياً كان عليهم المرور عبر أربع نقاط تفتيش أميركية . رئيس الوزراء الجديد إياد علاّوي ، اشتغل ســنينَ في خدمة الـMI6 ( البريطاني ) والـCIA ، وهو باقٍ في السلطة بسبب 138 ألف جنديّ أميركي . وزراء الحكومة الجديدة يسكنون داراتٍ فاخرةً داخل منطقة آمنة . والكثير منهم قضى معظم حياته خارج العراق .
مثول صدام حسين وزمرة جلاّديه أمام القضاء يتّسِـمُ باصطناعٍ مماثلٍ – لم تخفف منه الرقابة الأميركية التي حذفت مشاهد صدام حسين مغلولاً مع أصحابه الأحد عشر . حاول الرقباءُ حذف ادِّعاء صدام حسين بأن " بوش هو المجرم الحقيقي " فأخفقوا لسبب بسيط هو أنهم يجهلون كيف تعمل الأجهزة الصوتية . لم ينكر الأميركيون حقيقة أنهم يديرون المحاكمة ، وأن المشاهِدين المقصودين ليسوا عراقيين . المراسلون الأجانب الوحيدون الذين سُمِح لهم بالدخول ومتابعة جلسة الإستماع كانوا أميركيين ، كما أن موعد الجلسة رُتِّبَ ليكون مع موعد تلفزيون الفطور الأميركي . لو استطاع جورج بوش التظاهرَ لمدة أربعة شهور بأن العراق كان تحت السيطرة فلسوف يعاد انتخابه . وإن ملأت الكوارثُ العراقيةُ الصفحات الأولى فقد يخســر . في نيسان قُـتِلَ 125 جندياً : البيت الأبيض يريد أن يُظهِـر للناخبين أن الخسائر البشرية في طريقها إلى انخفاض .
تعيين علاّوي نفسه هو بحد ذاته دليلٌ على مدى تحوُّلِ الموازين ضد الولايات المتحدة . قبل اثني عشر شهراً كان نائب الملَك ، بول بريمر ، يتحدث بحبورٍ عن الإستمرار في الإحتلال عامينِ مقبلينِ . كان أول ما فعله حين مجيئه إلى العراق حلّ الجيش والأمن . فُكِكَتْ
آلةُ الدولة . وبدا أن الحكم الإمبريالي المباشر هو الأنسب للولايات المتحدة . وأُرسلَ الجمهوريون الشبّــان ليحكموا العراق شأنهم شأن النبلاء البريطانيين الشبّــان الذين أُرسِــلوا لينهبوا الهند في القرن الثامن عشـــر . تقدمَ شابٌّ جمهوريّ يبلغ من العمر أربعاً وعشرين سنةً ، إلى البيت الأبيض ، يطلب العمل هناك ، فأُرسِــلَ بدلاً من ذلك إلى العراق ليفتحَ بورصة بغداد . ظلت البورصة مغلقةً . وفي بداية الأمر لم يكن لمنظمة مروَّضةٍ مثل مجلس الحكم سوى دورٍ استشاري .
داخل المنطقة الخضراء ، الجيب الأميركي ذي الحراسة المشددة ، في قلب بغداد ، كان بريمر والضباط الأميركيون منقطعين عمّـا كان يجري على الأرض . كان الجنرالون الأميركيون في إيجازاتهم الصحافية يتحدثون عن انخفاض العمليات العدائية . صرتُ أتساءلُ كيف؟ كان هناك بين 15 إلى 16 هجوماً ضد الجنود الأميركيين يومياً ، وبدا لي أنني كنت أشهدُ رُبعَ هذه الهجمات في الأقل وأنا أجوب بغداد . ثم أخبرني الجنود الأميركيون الميدانيون أنهم لم يعودوا يبلغون عن الهجمات إن لم يكن فيها خسائر في الأرواح . إنها مضايقاتٌ مكتبية ، والآمرون يريدون أن يسمعوا أن المقاومة تتلاشـــى .
في تشرين ثاني كان من المستحيل إخفاء الأخبار السيئة . كنتُ في موقف السيارات المترب في الفلوجة ، غربيّ بغداد ، حين سمعنا أن طائرة هليكوبتر ضخمة من طراز شينوك قد أُسقِطتْ . انطلقنا عابرينَ جسرَ حديد عتيقاً على الفرات لنشاهد الحطام . وفي طريقنا رأينا سيارةً محترقة كانت أصيبت بصاروخ ؛ المقاولون الأميركيون داخلها كانوا قُـتِـلوا . في الجانب البعيد من الضفة كان المزارعون يتداولون بأيديهم قطعاً معدنية معوجّــة من حطام الهليكوبتر : ستة عشر جندياً قُـتِــلوا . بعد تلك الحادثة بزمن قليل بدأ البيت الأبيض يخطط لتخفيف الحكم الإمبريالي الكامل ، وإقامة حكومة مؤقتة .
لقد خلق الأميركيون لأنفسهم مشكلاتٍ غير ضرورية . السياسة العراقية تدور حول العلائق بين الطوائف الرئيسة الثلاث : المسلمين السنّـة العرب ، الشيعة العرب ، والأكراد . بريمر بحلِّـه الجيشَ واضطهاده أعضاء حزب البعث أبعَـدَ السنّـة الذين يشكلون عشرين بالمائة من السكان . كان يمكن للأميركيين الإستغناء عن تأييد السنّــة لو كانوا مستعدين لمنح الشيعة الذين يشكلون ستين بالمائة من السكّـان ، السلطة . أمّـا الأكراد ( 20% من السكان ) فهم في الركن الأميركي منذ الآن .
لكن الولايات المتحدة ، لا تريد ، حقّـاً ، أن يشاركها أحدٌ السلطة .
بريمر ، وسلطة التحالف المؤقتة ، لم يكن يبدو أنهم يرون قوتهم السياسية تتضاءل شهراً بعد شهرٍ .
في نيسان اتخذت الولايات المتحدة قرارَينِ مدمِّــرَينِ قادا في آنٍ إلى مواجهاتٍ مع السنّـة والشيعة .
أربعة مقاولين أميركيين للأمن الشخصي كانوا قُـتِـلوا ، وأُحرقتْ جثثهم ، وعُـلِّقت من جسرٍ في الفلوجة . مشاة البحرية طوّقوا البلدة وحاصروها سريعاً . قُـتِلَ ستمائة من أهالي البلدة . وفي وقتٍ غير ملائمٍ تماماً قرر بريمر ملاحقة مقتدى الصدر ، رجل الدين الشابّ الراديكالي الذي استُـشهِـدَ أبوه زمن صدام حسين ، سنة 1999 . مغامرتا بريمر الإثنتان كانتا خائبتين . مشاة البحرية لم يجرؤوا على اقتحام الفلوجة خوفاً من انتفاضة سنّـيةٍ عامّــة . الصدر تراجعَ إلىالمدينتين الشيعيتين المقدستين ، الكوفة والنجف ، لكن الولايات المتحدة لم تستطع إرسال دباباتها إلى العتبات الشيعية المقدسة . وفي الفلوجة والنجف ، كلتيهما ، اضطرَّ الجنود الأميركيون إلى الإنسحاب .
كانت السلطة تتسرّب من بين أيدي الولايات المتحدة قبل تسليمها ، اسميّـاً ، إلى علاّوي .
بعد عامٍ من إعلان بوش انتهاء العمليات الرئيسة ، صار للمتمردين عاصمتهم في الفلوجة . . في نيسان وقعتُ في كمينٍ نُصِبَ لسيارات صهاريج البترول الأميركية عند أبو غرَيب . لم يُرِد القادة العسكريون الأميركيون الإعترافَ بأنهم فقدوا السيطرة على الطريق فظلوا يرسلون قوافلهم عليه . في أوائل حزيران صار الطريق المؤدي إلى المطار ، القاعدة الأميركية الرئيسة في بغداد ، غير آمنٍ .
أربعة حراس أمنٍ كانوا يسكنون طابقين أعلى مني في فندق الحمرا ، قُتِـلوا ، وهم متجهون إلى المطار ، بنيران رجالٍ مسلحين بالرشاشات وقواذف القنابل . غالباً ما كنت أسافر مع دان ويليامز من الواشنطن بوست ، الذي كاد يُقتَــلُ على الطريق بين الفلوجة وأبو غرَيب ، حين هاجمَ سيارتَــه ، مسلّحون في سيارة أخرى ، بصليات كلاشينكوفات قريبة . ولم ينقذه إلا كون سيارته مصفّحةً ، ذات زجاجٍ ضد الرصاص ، واستمرار السيارة في الإنطلاق بالرغم من تعطل إطارَي عجلتيها الخلفيتين .
الإنتحاريون ، والسيارات المفخخة ، والهجمات بالصواريخ ، شـلّتْ بغداد . القواعد الأميركية صارت تُحمى بتحصينات أكثر ظهوراً . جسر 14 تموز على نهر دجلة الـمؤدي إلى المنطقة الخضراء أُغلِقَ بأكياس الرمل والأسلاك الشائكة ، وعُـلِّقت لوحةٌ تقول : لا تدخلْ ، وإلاّ أُطلِقَ عليكَ الرصاص .
الجنود الأميركيون في بغداد مغرَمون بإطلاق النار ، وحريصون على أن يعرف العراقيون ذلك .
على امتداد المدينة ، الشوارع تغلَق ، لتعزل أحياناً أحياءَ كاملةً ، بالكتل الكونكريتية المقصود بها حماية المباني التي تؤوي جنوداً أميركيين ، وأجانبَ ، وشرطة عراقيين ، وموظفين عراقيين .
قبل عشرين عاماً ، اعتدتُ أن أغشى المطاعمَ المفتوحة على امتداد شارع أبو نواس ، وأتناول " السمك المسقوف " ، سمك نهر دجلة
المشويّ على نار الأعواد . المطاعم تضررت كثيراً ، أيام الحملة الإيمانية لصدام حسين ، التي حظرت تناول الكحول في الأماكن العامة. بعد سقوط صدام كان أصحاب المطاعم يأملون في عودة الزبائن . شارع أبو نواس ، هذه الأيام ، مهجورٌ حتى في عز النهار ،
ومستخدَمٌ عادةً من قِـبَل السيارات العسكرية . لا يمكن دخول الشارع إلا من مدخلٍ واحدٍ ، وهناك نقطة تفتيش تتولى حماية فندقَي فلسطين وشيراتون ، الغاصَّينِ ، كليهما ، بالأجانب العارفين أن أبو نواس خطرٌ جداً عليهم .
تحدثتُ مع شهاب العبيدي ، صاحب مطعم " شط العرب " على ضفة نهر دجلة . سمكٌ أسودُ يسبح في بُركةٍ مزيّنةٍ بالكاشي الأزرق
( النهر ملوّثٌ الآن ، والأسماك مصدرها المزارع ) . قال شهاب إن العمل ليس جيداً . ثلاثة أرباع الزبائن اعتادوا القدوم في المساء ، أمّـا الآن ، فعليه أن يغلق في الساعة السادسة عصراً ، لأن الليل غير آمنٍ . مرةً ظل المطعم مفتوحاً لأن مائدة كانت عامرةً بأناسٍ يستمتعون بوقتهم ، ويقول شهاب : " وعندما قدمتُ لهم قائمة الحساب ، ضحكوا ، وأخرجوا مسدساتهم ، وشرعوا يطلقون النار نحو السقف ومن خلال النوافذ " ، وأشارَ إلى ثقوب رصاصٍ عدةٍ .
الأجانب في بغداد والمدن الأخرى ، جميعاً ، يسكنون المنطقة الخضراء ، أو مناطق خضراء أخرى مماثلة . الكتل الكونكريتية والأسلاك الشائكة والحراس ، تملأ كل مكان ، وفي كل اتجاه . وأنا لم أعد أحمل آلة تصوير في بغداد ، لأن أي شخص يلتقط صوراً فوتوغرافية هو موضع شكٍّ في أنه يقوم بعمل استطلاعٍ من أجل عملية هجومية . أحد أعضاء فريقٍ سينمائي فرنسي حديث الوصول ، متوقفٍ في اختناق مروريٍّ ، التقط صوراً لحاجزٍ كونكريتي ضخمٍ يحمي الشارع المؤدي إلى فندق بغداد الذي هو ، كما يعتقد العراقيون ، مقر
الـCIA . الحراس العراقيون اعتقلوا أعضاءَ الفريق فوراً ، وأبقوهم خلف القضبان ليلتين .
فندق بغداد قريبٌ من شارع صدّام ، أحد شرايين المدينة الرئيسة .
قبل أسابيع قليلة ، ضُـيِّـقَ الشارع من أربعة مسارب إلى مسربين اثنين في القسم القريب من الفندق . والآن ، هناك اختناقٌ مروريّ دائم ، كما أن ثلاثين دكاناً في محيط الفندق مهددةٌ بالإغلاق . قال نديم ( ناظم ؟ ) الحسيني ، وهو جالسٌ خارج دكانه الفارغ: "شُغلي كله انتهى تماماً . في البداية انتهى 30% إلى 40% حين أقاموا الحاجز الكونكريتي ، و انتهى 100% حين أغلقوا الشارع "
لِصقَ المكان ، كان الزبائن الدائمون في مقهى زهير طعمة ( لستُ متأكداً من دقّة الإسم _ المترجِم ) ، لا يزالون يأتون ليدخنوا الأرجيلة ويلعبوا الدومنة . يقول الرجل: " أنا ، مثل الأميركيين ، لا أريد أن يقتلني تفجيرٌ . لكن الحل الحقيقي ، هو ، ببساطة ، أن يرحل الأميركيون الذين يسكنون الفندق " .
لا الإنتحاريون ، ولا الجيش الأميركي ، معْـنيّـونَ كثيراً بعدد العراقيين الذين يُـقتَــلون . مَـداخل المنطقة الخضراء لا تقدم أي حماية للعراقيين المصطفِّـين للحصول على عمل ، أو لتدقيق هويّـاتهم . وهكذا ، غالباً ما يكونون في دائرة التفجيرات .
في السابع عشر من أيّـار ، قتَـلَ انتحاريٌّ ، رئيسَ مجلس الحكم ( مجلس المحكومين ، بتعبيري – المترجِـم ) ، بينما كانت قافلة سياراته تنتظر دخول المنطقة الخضراء . أخبرَني وزيرٌ عراقيٌّ أن السيد سليم كان يمكن له أن يتفادى القتل لو أن الجنود الأميركيين في البوابة لم يؤخروا دخول الموكب بدعوى أن وثائق معينةً لم تكن مستكملةً . ثمّتَ نظريةٌ عراقيةٌ للمؤامرة ترى أن الإنتحاريين الأجانب
والولايات المتحدة يعملون معاً لمنع العراقِ استعادةَ استقلاله .
الإنتحاريون ، أضرّوا ، نوعاً ما ، بالمقاومة .
العراقيون متلهفون إلى عودة أمنٍ .
الموسرون ينتابهم خوفٌ عميمٌ من الإختطاف.
وخلال العام الماضي صار الإختطاف تجارةً محليةً ، مألوفةً ، حتى لقد أضيفَ مصطلحٌ جديدٌ إلى قاموس اللصوص العراقيين ؛ فالضحيةُ المختطَف صار اسمه : الـطِــلِــي ( يعني الخروف بالدارجة العراقية مع استخفافٍ معيّنٍ – المترجِم )
زرتُ قاسم سبتي ، وهو رسامٌ ونحّـاتٌ يملك معرضه الخاصّ ، لأستفسر منه عن معرضٍ مزمعٍ له عن التعذيب في أبو غرَيب .
لكن أول ما تحدّث عنه كان عن الإختطاف . قال : " كثيرٌ من أقاربي اختُطِــفوا . وأخشى أن أكون أنا التالي " . أشار إلى صاحبة معرضٍ آخر كانت دفعت للتوّ مبلغ مائة ألف دولار لاستعادة ابنها . رجل أعمالٍ يعيش في الأردن دفع ستين ألف دولار كي يستردّ صهره . الأطباء هدفٌ مفضّلٌ . عملياتٌ جراحيةٌ تؤجَّل لأن الجرّاحينَ فرّوا من البلاد . مالك مطعم شط العرب المتداعي اختفى
هارباً إلى سوريا بعد أن اختُطِفَ ابنه . سألتُ الرائد فاروق محمد ، مساعد آمر قوّة الاختطاف ، عن أفضل السبل لتفادي الاختطاف ، فقال ضاحكاً بين زملائه الضباط : " ســافِـرْ إلى الخارج ! " .
الإحساس بالتهديد ليس من نصيب الميسورين فقط . زُمَــرٌ من اللصوص تصعد وتنزل في حافلات شارع الرشيد بوسط المدينة وتسلب الركاب تحت تهديد السلاح أو السلاح الأبيض . علي عبد الجبار سائق حافلةٍ ، سُلِبَ ثلاثاً . قال : " في آخر مرة دخل اللصوص لأن الأبواب يجب أن تُفتَح بسبب الحرّ الشديد . اثنان منهم انتصبا للحراسة في الخلف بينما تحرك الإثنان الآخران في الحافلة مفتشين حقائب الناس ومستولين على النقود والحليّ " . عبد الجبّـار لم يجرؤ على أن يلتفتْ : اعتقدَ أن اللصوص سوف يقتلونه لو عرفوا أنه تعرّف عليهم . لم يذهب أحدٌ إلى الشرطة . " لم يناقش الركابُ الأمر حتى بين أنفسهم ، لأن هذا جزءٌ من الحياة اليومية في بغداد " . معظمهم ظنوا أنه متفقٌ مع العصابة .
الكوارثُ والنتائج
ــــــــ
بعد كوارث العام الماضي صار الأميركيون يعرفون أنهم لا يستطيعون احتلال العراق ، حتى للمدى القصير ، بدون دعمٍ من حلفاء محليين . المشكلة هي أن معظم العراقيين يريدون من علاوي والحكومة الإنتقالية الخلاص من الإنتحاريين والخاطفين – وكذلك من الإحتلال الأميركي . لكن الولايات المتحدة لم تُبْـدِ أي إشارةٍ إلى أنها تخلّت عن خطّـتها في إبقاء العراق دولةً دائرةً في فلكها .
سيكون لهذه الدولة جيشٌ ضعيفٌ ، مكرّسٌ بالكامل ضد التمرّد . لن يكون للعراق دبابات ، أو طيران ، أو صواريخ ، أو مدفعية ،
ولسوف يشبه أحد بلدان أميركا اللاتينية في الستينيات ، بجيش وشرطة تتحكم فيهما واشنطن .
كانت هذه هي الرسالة التي جاء بها بول وولفوفيتز حين ظهر فجأةً في بغداد ، شهر حزيران ، برفقة كيفن تبِّتْ ، نائب السكرتير الدائم في وزارة الدفاع- تماماً ، قُبَـيلَ تسليم السلطة .
الولايات المتحدة سوف تسمح للعراق بالتسلُّح ، شريطةَ أن يكون ذلك ضد شعبه .
كانت الزيارة تتّـسـِمُ بالتكتُّـم .
تجنّب وولفوفيتز وحاشيته الأبنيةَ العالية .
حين زار المدينة قبل تسعة أشهرٍ أقامَ في فندق الرشيد ، وهو مبنىً عالٍ يحتلّ السماء . أفسدَ المقاوِمون على وولفوفيتز نومه بإطلاقهم عدة صواريخ على الطوابق العليا ، فقتلوا عقيداً أميركياً ، وجعلوا وولفوفيتز يهرول هابطاً السلّــمَ إلى زاويةٍ آمنةٍ . ( بالرغم من هذا كتب مزوِّرون أميركيون يرافقونه أن أوضاع الإحتلال تتحسّـن ، وأن قوى المقاومة تتراجع ) .
إنْ كان علاّوي يريد البقاء فعليه أن يقْـنِعَ العراقيين بأنه ليس دُمْــيةً أميركيةً . كما أن عليه أيضاً أن يقْنع الولايات المتحدة بالإنسحاب خلال سنةٍ ، بالرغم من أنه ، في الوقت الحاضر على الأقل ، معتمدٌ اعتماداً كاملاً على الجيش الأميركي . الصعوبة التي سيواجهها في الحالَينِ اتّضحتْ أوائل هذا الشهر ( تموز ) حين أعلن الناطقُ باسمه أن المقاوِمين الذين حاربوا الأميركيين قبل نقل السلطة يسري عليهم العفو العام لأن ما فعلوه يندرج تحت إطار المقاومة المشروعة .
عضوٌ كرديٌّ في الحكومة ، معروفٌ بعلائقه الأميركية الوثيقة ، وجدَ الأمرَ شنيعاً .
في الوقت نفسه ، يتفاوض علاّوي لإصدار عفوٍ عن الصدر ( مقتدى ) ، الزعيم الشيعي ، الذي كانت الولايات المتحدة تحاول قبل أسابيع قليلة ، القبضَ عليه أو قتله .
الصراع على العراق ، هو في بدايته فقط .
الشيعة يريدون انتخاباتٍ وسلطةً حقيقيةً .
السنّـة يريدون خروجَ الولايات المتحدة ، ولن يرضوا بالتهميش .
الأكراد يريدون حكماً ذاتياً أوسعَ مما يمكن للعراقيين العرب تقديمه : واقعُ الأمر أنهم يريدون وضعاً أقربَ إلى الإستقلال .
الإسلاميون يرون أن الولايات المتحدة قابلةٌ لأن تُهزَم في العراق ، مثل الإتحاد السوفييتي في أفغانستان .
والمقاوِمون الوطنيون لن يتوقفوا عن قتل الجنود الأميركيين .
لكن الأهمّ من ذلك كله ، هو أن الولايات المتحدة ليست مقتنعةً حتى الآن بأنها خسرت مقامرتَـها الكبرى في السيطرة على العراق ، البلد الذي صيّــرتْــه اختباراً لقوّتها باعتبارها السيد الإمبريالي الأوحد في العالم .
ــــــــــــ
* كتب باترِك كوكبورن المادة بتاريخ 5/7/2004 ، ونُشِرت في مجلة لندن للكتاب
London Review of Books - 22 July 2004



#سعدي_يوسف (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تجربـةٌ ناقـصـةٌ
- - أبو غْـرَيب - تحتَ ضوءٍ فرُويديّ
- زيارةُ سِـيـجمـونـد فْـرُويد Sigmond Freud
- لا جُـنـاحَ عليكَ
- زاويةٌ لـلـنـظــر
- الأســماء
- طريقُ الشِّـهابِ ، وصالح بِـشْـتـاوه
- دمٌ فاســـدٌ
- ثلاثةُ وجوهٍ منتفخةٍ غباءً
- كــمْ عدَنٍ ســوف ننســـى !
- الـمـتَـرَحِّـــلون
- ســاعاتُ جان جِـيْـنَـيه الأخيرة
- فَـراشاتُ الأنْــدِيز
- كلامٌ غيرُ مسؤولٍ …
- الجرذان تغادِرُ السفينةَ …
- عطلة الـمصارف
- غلامٌ سـعوديٌّ رئيساً لأرضِ السّوادِ
- بيـــن مَــوتَـينِ سلافو جيجيك يكتب عن أبو غْرَيب
- الليلةَ ، أُقَـــلِّـــدُ بازولــيني
- لا تقتلوا الشهرستاني !


المزيد.....




- خسائر وأضرار الغارة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت ...
- 10 سنوات تضاف لعمرك الافتراضي بـ5 خطوات فقط!
- عواقب التوتر طويل الأمد
- ضربة ترامب للنفط الروسي ستؤدي إلى أزمة تجارية عالمية
- تصعيد ربيعي
- وانغ يي، لم يأتِ للتحضير لزيارة شي جين بينغ فحسب
- -نيويورك تايمز- ترفع عن بايدن مسؤولية هزيمة أوكرانيا وتحمّله ...
- كييف تتسبب بإفلاس الغرب وتخسر ??أراضيها بسرعة
- الولايات المتحدة تطلق حربَ الرسوم الجمركية
- -الوطن-: مقتل 9 سوريين وإصابة آخرين في قصف إسرائيلي استهدف ر ...


المزيد.....

- الحزب الشيوعي العراقي.. رسائل وملاحظات / صباح كنجي
- التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية الاعتيادي ل ... / الحزب الشيوعي العراقي
- التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيو ... / الحزب الشيوعي العراقي
- المجتمع العراقي والدولة المركزية : الخيار الصعب والضرورة الت ... / ثامر عباس
- لمحات من عراق القرن العشرين - الكتاب 11 - 11 العهد الجمهوري ... / كاظم حبيب
- لمحات من عراق القرن العشرين - الكتاب 10 - 11- العهد الجمهوري ... / كاظم حبيب
- لمحات من عراق القرن العشرين - الكتاب 9 - 11 - العهد الجمهوري ... / كاظم حبيب
- لمحات من عراق القرن العشرين - الكتاب 7 - 11 / كاظم حبيب
- لمحات من عراق القرن العشرين - الكتاب 6 - 11 العراق في العهد ... / كاظم حبيب
- لمحات من عراق القرن العشرين - الكتاب 5 - 11 العهد الملكي 3 / كاظم حبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - سعدي يوسف - يومياتٌ عراقيةٌ - 2