عبد العزيز الحيدر
الحوار المتمدن-العدد: 2951 - 2010 / 3 / 21 - 19:23
المحور:
الادارة و الاقتصاد
المجتمع ,أي مجتمع عبارة عن بنية وبناء قائم على هيكلية اجتما—اقتصادية ,وهذا الهيكل مرتكز على أعمدة وركائز اقتصادية أو بالأحرى إنتاجية ويقرر شكلها نمط الإنتاج السائد أو أنماط الإنتاج المتداخلة في مراحل النمو والتطور المختلفة للمجتمع حسب مرحلة التطور التاريخي وحسب توقف أو استمرار النمو في نمط أو آخر آو في النمطية العامة السائدة استنادا إلى عاملي الجغرافية حيث المناخ والتضاريس وتوزع المياه والموقع الإقليمي والثروات الأولية الخام إلى آخر هذه العوامل ثم العامل التاريخي الخاص بالمجتمع والذي شكلته حركة المجتمع في تاريخه الخاص من تحولات السلطة وتغيرات الدساتير والحروب الاهليه والإقليمية والمطامع الدولية وصراع الطبقات الاجتماعية التي يتشكل منها المجتمع. وهذا الهيكل يترابط بجملة من الأوتاد تعرف بالبناءات الفوقية, وهي علاقات الإنتاج أي علاقات السوق. والعادات والتقاليد وغايات واهداف الإنتاج وتطور وسائل الإنتاج ذاتها , أساليب التربية والتعليم واخيرا تطورات الفنون الآداب والعلوم ومدا استجابتها لحركات المجتمع الداخلية والحركات من خارج المجتمع طرق الحكم واستلام السلطة وتشكيلات الحكومة أي الإدارات العامة للمجتمع وأنماط تشكل الخلية الأساس العائلة .إن هذه العوامل وهذا التشكل البنائي هو مجمل التاريخ الخاص بالمجتمع وهو المحكم الأساس في حاضره. وبنظرة سريعة إلى المجتمع العراقي ,حيث تشكلت الدولة العراقية الحديثة في العقد الثاني من القرن الماضي ,نرى أن نمط الإنتاج الذي كان سائدا منذ ذلك التاريخ لغاية سقوط بغداد في 2003 هو نمط تغييب الإنتاج أساسا.فالعمود الفقري لانتاج الدخل القومي هو ريع الأرض فقط أي إنتاج وتسويق النفط بالدرجة الأساس وبمطلقيه وتليها بعض النتاج الهزيل في الموارد الأخرى وبما لا يتناسب على الإطلاق بدور النفط في تشكيل الدخل القومي والأرض مصدر الدخل الأساس في أساسه هو ملك للدولة وبالتالي فان الحكومة هي الحائزة الأولى والأخيرة للثروة ومن هنا هذا الصراع المرير على استلام الحكم ,ويتسرب جزء منه بطريقة أو أخرى إلى القطاع الخاص أو ما يعرف بهذه التسمية في حين يصرف الجزء الأكبر من الميزانية على الخدمات المختلفة وجزء كبير تتم سرقته من قبل أجهزة ألا داره أي الحكومة والسلطة كما كان الحال في العهد الملكي ثم في عهد الحكم الدكتاتوري حيث يتم تسريب السيولة في الميزانية على مشاريع غير نافعة ولا يمكن المسائلة فيها عن حجم الاستثمار أو اوجه الصرف كما في الصرف في حالة الحروب المستمرة والصرف من اجل تثبيت أركان الحكم من خلال تشكيل الاجهزه الامنيه والقمعية ومن خلال الصرف على هذه الوجوه كانت الميزانيات السنوية الضخمة تتسرب بشكل غير شرعي أو عادل إلى قطاعات نفعيه ووصوليه خارج الدولة وخارج الملك العام بالاضافه إلى الرشاوى والعمولات والمخصصات الخاصة والجزء المتبقي من الميزانية كان يصرف في معظمه على التجارة في بلد يفتقد إلى الإنتاج الذي يمكنه أن يسد أي جزء يسير من متطلبات الحياة حيث الصناعة والزراعة تكاد تقترب من الصفر مما كان يمكن أن تكون عليه في حالة الاستغلال الصحيح للموارد وفي بلد يتوفر على إمكانيات مذهلة في مجال الزراعة من مياه وارض وأيدي عاملة وموارد مالية وعناصر أساسية لتوفير الأسمدة كما كان يمكن لهذه الزراعة أن تكون العمود الفقري لصناعة مزدهرة بتوفيرها المواد الأولية للصناعة وكان يمكن من خلال الاستغلال الصحيح للموارد النفطية إنشاء قاعدة عريضة للصناعة البتروكيمياوية عصب الصناعة الحديثة إلا إن كل ذلك لم يحصل وظل المجتمع العراقي القادر على العمل خارج دوائر الدولة مجتمعا معتمدا بالأساس على التجارة الداخلية والخارجية ,الجملة والمفرد وهو مجتمع ذو أخلاقيه نفعية وتمارس الأساليب الطفيلية بالعيش على ما يمكن الحصول علية بالطرق الوصولية والانتهازية الغير محترمة الجوهر على المال العام.
في ظل مجتمع هذا هو بناءه الهيكلي الاجتما- اقتصادي كان العامل التاريخي يسير معه في حركة دائبة من خلال خلق بؤر التوتر والحروب المحلية والإقليمية الطويلة النفس ثم الحروب ذات الطابع العالمي وفي ظل الأزمات المستمرة في كل مناحي الحياة مع تغييب مستمر للجهد الإنساني الخلاق والمبدع ,ولم يترك التاريخ المتشكل وفقا لهذه السياقات أي مجال للإنماء أو الأعمار أو التطور المدني أو الحضاري ,وبالمحصلة فان البناءات الفوقية للمجتمع كانت معطلة تماما ومفككة وأدت السياسة الدكتاتورية وسياسة الفكر الواحد والحزب القائد ثم الفرد الواحد إلى تفتيت بناء الأسرة العراقية وأصبح أفرادها يربون لا من قبلها باعتبارها المؤسسة الأساسية وانما من قبل أجهزة الدولة القمعية والدموية وأصبح هاجس الفرد العراقي البسيط و البسيط التفكير هو الحصول على اكبر قدر ممكن من النفع من العمل الحزبي المباشر أو من خلال المشاركة في الغزوات والحروب أي من خلال الارتزاق العسكري وأصبحت الرشوة والعمولات وبيع أجهزة الدولة ومعاملها ومصانعها وحقولها ومزارعها الهاجس الأساس للعمل الوظيفي في الدولة مع استبعاد كل الشرفاء ومن يشم منهم رائحة النزاهة والحرص شيئا مألوفا ومطلوبا واضطرت الغالبية الواعية إلى الهجرة والفرار من البلد حيث ما تمكنت فخلت البلاد من العلماء والفنانين والأدباء والمفكرين تقريبا وتعطلت الأدوار بالنسبة لمؤسسات التربية والتعليم والثقافة والفكر واصبحت وزارات الإعلام والتصنيع العسكري والدفاع وأجهزة الأمن والاستخبارات والمخابرات هي كل كيان الدولة وكل في خدمة السلطة البدوية التفكير والممارسة واصبحت العنصرية والطائفية والدكتاتورية الممجدة شعارات علنية للدولة كل ذلك ساهم في ارتداد حضاري ومدني لم يشهد التاريخ له مثيل في أي فترة من فتراته وهو ما قاد إلى كل الاضطراب وانعدام الأمن وممارسات السلب والنهب ثم الإرهاب وغياب لكل القيم والأخلاق التي لم يربى على ابسطها أجيال كاملة على مدا عقود وكل ذلك لاحظناه واضحا بعد انهيار الدكتاتورية ورفع يدها عن القرار والحكم ولكن من قبل العنصر الخارجي الفعال(الاحتلال) وهذا يعني أن النظام السابق لم يتم انهياره على الإطلاق وهو مازال قائما في كل مرافق الحياة ولم يتم اجتثاثه وطرح البديل الفكري والأخلاقي والعملي له طالما أن الشروط الداخلية لعملية التغيير لم تكن قادرة لوحدها على أحداث التغيير , وما لم يسارع أبناء المجتمع ومن الداخل إلى استلام زمام الأمور وأحداث هذه التغييرات وبشكل جذري فان هذا التغيير سيكون هامشيا في مناحيه الإيجابية وعميقا وخطيرا في مناحيه السلبية ,آن الأوان ومن خلال كل الوضع المضطرب الحالي إلى تبني برامج جدية ذات طابع جذري لأحداث التغييرات أو خلق شروط الثورة العلمية والثورة الزراعية والصناعية الحقيقية وألا فان كل الأحوال ستستمر وبإشكال وصور اكثر مأساوية من الأوضاع السابقة والمسؤولية هنا تقع على عاتق كل الخيريين في الداخل والخارج وكل الأحزاب والمنظمات والمؤسسات الإنسانية وبدرجة كبيرة أجهزة الدولة ومؤسساتها التي يجب أن تغيير في طرق تفكيرها الذي أجبرت عليه خلال العهد المباد وان تفكر في كل القرارات والتعليمات والأنظمة السابقة لا على اعتبارها ثوابت لا يمكن الاستغناء عنها وانما باعتبارها وجدت أساسا لبناء مقومات الدكتاتورية وفكرها المتخلف وسياساتها العنصرية والطائفية والمعادية لأي منهج عقلاني أو علمي في التفكير والممارسة وتقع على عاتق هذه ألا جهزه الحكومية مهمة جرد كل القوانين والتعليمات والقرارات والضوابط فقرة فقرة وطرح البدائل العلمية والإنسانية التي تتواءم ومرحلة بناء عراق جديد ديمقراطي وعادل وتقديم هذه البدائل للمناقشة والإقرار.
#عبد_العزيز_الحيدر (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟