رائد نقشبندي
الحوار المتمدن-العدد: 883 - 2004 / 7 / 3 - 05:26
المحور:
القضية الفلسطينية
نشرت الحوار المتمدن في العدد 873 مقالة للسيد ميردخاي كيدار بعنوان "رسالة مفتوحة إلى اللاجئين الفلسطينيين عن النظرة الإسرائيلية لمشكلة اللاجئين"؛ ويمكن القول إنه بالنسبة لأي مهتم بتاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي فإن المقالة لا تقدم شيئاً جديداً لم يسبق له أن ورد في مصدر أو آخر حول نظرة الإسرائيليين لمشكلة اللاجئين. كذلك لن يقدم جديداً استعراض ردود الفلسطينيين والعرب على النقاط التي توردها المقالة.
ولكن الجانب المهم في المقالة، هو أن كاتبها يقول إنه عمل طويلاً من أجل السلام، في حين أن مقالته تكتفي بذكر أسباب الصراع دون أن تعرض حلاً مقبولاً من الطرف الآخر. إن السؤال هو عن أي سلام نتحدث؟
يحدث في التاريخ أن يتمكن الفارق الهائل في ميزان القوى من وقف أعمال القتال العسكري المباشر بين الجيوش، لكن تجربة إسرائيل في جنوب لبنان وفي الانتفاضة الفلسطينية لا بد أن تبين لها أن هذا "السلام" المفروض بالقوة، لن يمنع ظهور تنظيمات أو أفراد "يفجرون" أنفسهم ويفجرون هذا السلام معهم. وليست المشكلة في إلصاق صفة "الإرهاب" بهم من قبل إسرائيل وأمريكا، ولا في تسميتهم لأنفسهم "بالاستشهاديين"، لأن المسميات لا تقدم حلولاً للمشاكل وليست مداخل الحل قائمة فيها. يمكن لميزان القوى أن ينتج نصراً أو هزيمة، لكنه لا يصنع السلام الذي يحتاج إلى عودة إلى السياسة بمعنى دراسة المشاكل القائمة وإيجاد حلول تقبلها جميع الأطراف دون أن تفرض عليها فرضاً.
في رأيي يجب رؤية الصراع ضمن مستويين:
1. مستوى الصراع العربي ـ الإسرائيلي: وهو يتعلق بمشكلة أراضي 67، كما يتعلق بمشكلة الللاجئين الفلسطينيين في هذه الدول. قد يكون من الممكن الوصول إلى تسويات متعلقة بالأرض كما كان الحال في الاتفاقيات مع مصر والأردن، ولكن الجزء المتعلق بمشكلة اللاجئين سيشكل عائقاً كبيراً في التوصل إلى تسوية مع سوريا ولبنان (وتمثل الحالة اللبنانية أهمية خاصة على هذا المستوى).
2. مستوى الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي: وهو يتعلق بمشكلة عدم ظهور دولة فلسطينية حتى الآن (علماً أن قرار التقسيم الذي قامت بموجبه دولة إسرائيل ينص على ذلك)، ويتعلق بمشكلة اللاجئين الفلسطينيين في دول الجوار وفي الدياسبورا، كما يتعلق بمشكلة عرب إسرائيل ومطالبهم بالمساواة التامة.
إن اشتراك مستويي الصراع بقضية اللاجئين هو الذي يجعل منها، كما تشير المقالة، عقبة في وجه تحقيق التوصل إلى السلام. والحال أن هذه القضية هي السبب الجوهري لاستمرار النزاع سابقاً، وقد تظل كذلك لاحقاً إذا لم يتم حلها.
تشير الرسالة إلى جانب مهم في "العقلية" الإسرائيلية التي ترفض أن تتحمل مسؤولية مشكلة اللاجئين. ولكن تسوية أي نزاع ليست ممكنة من خلال تحكيم تصورات أي طرف من الأطراف عنها، لذلك كان الانطلاق من الشرعية الدولية ممثلة بقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالنزاع، أو المبادرات الدولية المستندة إليها، هو المدخل الوحيد الممكن للتفاوض. لا يمكن لأحد أطراف النزاع أن يكون حكماً فيه. والواقع أن الجانب الخطير من هذه العقلية قد تمثل في سياسات شارون. إن نجاح شارون في تقويض السلطة الفلسطينية هو الذي مكنه من الادعاء بأنه لا يوجد لديه شريك في التفاوض. والسبب بسيط: فعندما يريد أحد طرفي النزاع أن يختار مفاوضيه، وأن يكون حكماً وخصماً في آن واحد لن يبقى هناك مفاوضات. ولكن شارون لا يقول صراحة إنه لا يريد السلام بل يقول إنه ليس هناك من يفاوضه. وما هي النتيجة؟ شارون يتفاوض مع شارون وينتج عن مفاوضاته مع ذاته خطوات أحادية الجانب مثل جدار الفصل العنصري، ومثل فك الارتباط أحادي الجانب في غزة، ولكن هل هذا هو السلام؟ أم أنها "غطرسة القوة"؟
من اللافت للنظر أن توقف العملية السلمية فاقم من حدة الصراع، ومهد لظهور التطرف، إلى درجة لم تكن معهودة قبل انطلاق هذه العملية. فعندما كانت الحرب هي الخيار الوحيد المتاح، كان ثمة أمل بحلول السلام ذات يوم. ولكن فشل العملية السلمية سد الآفاق كلها وقاد إلى التطرف. ودليل ذلك أن الانتفاضة الفلسطينية الأولى، تحملت خسائر بشرية هائلة، وظلت مع ذلك أقرب إلى العصيان المدني منها إلى الحالة المسلحة: لقد كان ثمة أمل بالسلام. ولكن انسداد الأفق نتيجة لتعطل العملية السلمية أدى إلى أشكال متطرفة من العنف لم تكن معهودة: جاء اجتياح المناطق الفلسطينية المدنية وتدميرها، وجاء "الاستشهاديون"، ذلك أنه لم يبق هناك أي أمل. والواقع أن الحلول الأحادية الجانب لا تقدم فسحة الأمل المطلوبة.
وإذا عدنا إلى مشكلة اللاجئين، من يستطيع التفاوض بشأنها؟ إن الحل الذي تقترحه الرسالة هو حل يستند إلى المنطق الشاروني نفسه: يكفي أن تتجاهل المشكلة، أو أن تطالب الطرف الآخر بالكف عن إثارتها حتى تنتهي. إنه الاستفزاز بعينه والدعوة إلى تواصل العنف؛ لذلك طرحنا السؤال بداية: عن أي سلام نتحدث؟
هناك تصوران لحل مشكلة اللاجئين يعتمد كل منهما على شكل الحل النهائي: دولة واحدة أم دولتان؟ ولما كان حل الدولة الواحدة مستبعداً جداً، رغم عقلانيته، يبقى أن نفكر في الحل الثاني.
إن قيام دولة فلسطينية ذات سيادة وحكومة تستند إلى تمثيل واسع يتجاوز حدود رقعة الأرض التي تسيطر عليها بحيث تستطيع أن تمنح جنسيتها لفلسطينيي الشتات، وبحيث تستطيع أن تمثلهم في المفاوضات المتعلقة بحل مشكلة اللاجئين هو المدخل لتوفير طرف يستطيع التفاوض بهذا الشأن.
ولكن لن يكون من المجدي تأجيل التفكير بهذه المشكلة إلى اتفاقات الحل النهائي، وسيكون مجدياً أكثر أن تبدأ المفاوضات مع جميع الأطراف بالاتفاق على الأسس التي سيتم من خلالها التفاوض لحل هذه المشكلة منذ ابتداء أية مفاوضات مباشرة، وترك التفاصيل إلى الاتفاق النهائي.
إن من مصلحة جميع الأطراف المعنيين بالسلام التفكير بمشكلة اللاجئين على أنها مشكلة لا بد من إيجاد حل لها، حل تقبله جميع الأطراف، لأنها إن لم تتمكن من تعطيل الوصول إلى حل، فستكون السبب في نسف أي حل يتجاهلها. أن أبسط قواعد تفكيك الألغام يعلمنا أن تحديد موقع اللغم وترك إشارة تدل عليه هو من الأمور الهامة، ولكن الأساس هو تفكيك اللغم.
رائد نقشبندي
1/7/2004
#رائد_نقشبندي (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟