عهد صوفان
الحوار المتمدن-العدد: 2814 - 2009 / 10 / 29 - 19:33
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
من طبعِ البشر الميلُ إلى تنظيمِ حياتهم و ضبطِ إيقاعها وفقَ متطلباتهم عبر الزمانِ و المكان... هذا الميلُ رسمَ عبَر التاريخِ ملامحَ سلوكياتِ البشرِ و علاقاتهم ببعضهم البعض
لقد تطورَ هذا التنظيمُ بالرغمِ من الضغطِ الكبيرِ الذي واجهه من سلوكياتِ البعضِ
لخرقه, و فرضِ إيقاع الفوضى (شريعةُ الغاب) وهذا البعضُ الذي وُجدَ في التاريخ يوجدُ الآن أيضًا. و بالرغمِ من الانتكاسات الكبيرةِ عبرَ التاريخِ والتي سبَّبها فريقُ الفوضى، فإنَّ تراكماتٍ إيجابيةٍ كبيرةٍ و كثيرة سُجِّلت تاريخيا ً، و ثبَّتتْ أسساً حقيقيةً لتنظيمِ المجتمعِ و قيادته وفقَ تشريعاتٍ أصبحتْ من الثوابت، لأنَّ البشريةَ عانتْ من عبثيةِ الفوضى و ويلاِتها، و ما جرَّته أفكارُ أصحابِ هذا المبدأ، لذلكَ أيقنت البشريةُ أنَّ استقرارَ البشرِ و سعادتَهم و تطورَهم كانَ و ما يزالُ في سَنّ القوانينِ التي تُنصفُ و تحترمُ الجميع...... لأنَّه عبَر هذه القوانين العادلة تكمنُ قوة ُ المجتمع ِ، فالعدل يمنحُ القناعةَ و الرضا و يعلّم الإنسانَ بأنَّ الحياةَ مقتسمةٌ بينه و بينَ إنسانٍ آخر،
بل إنَّ الحياةَ تستمرُ فقط إذا تشاركَ الجميعُ في فعالياَّتها و قيادةِ سفينتها، و عبَر التاَّريخِ نرى أنَّ ألإنسانَ وعى هذه الفكرة فشرَّعَ القوانين و حدَّد بعضَ السلوكيات التي ضبطتْ إيقاعَ الحياةِ وفقَ الرؤيةِ في ذلكَ الزمنْ... هذه القوانينُ عاشتْ حالةَ التَّطورِ التاَّريخيّ الحتمي إلى أنْ وصلتْ في عصرنا الحاضرِ إلى مواقعَ متقدِّمةٍ جداً. و بالرغم من معاناةِ هذه التشريعات و القوانين في عمليةِ الوصولِ إلى التطبيق، و بالرغم ِمنَ الالتفاف الذي ُيمارسُ عليها تبقى القوانيُن الأملَ الوحيدَ لتنظيمِ الحياةِ البشريةِ و رعايتها.
لقد تمَّ وضعُ دساتيرَ لمعظمِ دولِ العالمِ تؤمنُ هذه الدساتيُر جميعُها بكاملِ حقوقِ الإنسان، فساوتْ بينَ مواطنيها، بلْ إنَّ بعضَها ساوى البشرَ جميعاً و تسابقَ المشرَّعون في وضعِ الدساتيرِ بكلّ شفافيَّةٍ، حتى أصبحتْ هذه الدساتيرُ كاملةً متكاملةً لا تشوبُها شائبةٌ من الناَّحيةِ النظريةِ و حاولَ الجميعُ أنْ يتغنى بدستورِه حتى أصبحتْ حقاً أريدَ به باطل... وفي ذاتِ الوقت بدأتْ مسيرةُ سنّ القوانين في معظم الدولِ و بشكلٍ يُعطّلُ بعضاً من موادِ الدستور، بلْ تفنَّنَ مشرعو القوانين في سنّ القوانين التي تخدمُ المصالحَ الشَّخصيَّة لفئةٍ ما بدلاً من مصالحِ الوطنِ ككل... وأصبحتْ القوانينُ هي البديلُ للدستور، و سمحتْ بذلك لكافةِ فئاتِ المسؤولين بإصدارِ القوانين الداخلية في وزاراتهم و إداراتهم بشكلٍ يُخالفُ أبسطَ موادِ الدستور
وحقوقَ الإنسان.و الدليلُ القاطعُ على تعطُّلِ مواد الدستور و الفسادِ القانوني الحاصلِ هو غيابُ الشفافيةِ عندَ معظمِ الناس و عدمُ تقبلهم للآخرْ، لأنَّ القوانينَ العادلةَ وحدُها قادرةٌ على خلقِ الشفافيةِ عندَ الناس. وحدُها تعلّم الناسَ أنْ يتشاركوا في الحياة و تضبطُ سلوكَهم و كلامَهم، تعلمهم كيفَ يُحبون الآخر و كيفَ يقبلونَ اقتسامَ الحياة معَ بعضهم و بما أنَّ الأمورَ و الأحداثَ تقاسُ بنتائجِها، فالنتائجُ الإيجابيةُ تدلُّ على عملٍ ناجحٍ .. والسلبيةُ تدلُّ على عملٍ فاشلٍ, والواقعُ يشيُر إلى أنَّ الدساتيرَ أُفرغتْ من مضمونِها وأُبعدتْ عن التطبيقِ إبعاداً شبهَ تامّ لصالحِ جيشٍ من المنتفعين الَّذينَ يشكلون الأنظمةَ ويعتبرون الدولةَ بكلّ قدراتها ملكٌّ للنظامِ الحاكمِ وجيشه, وهذا يُفسرُّ لنا الفارقَ الكبيرَ في مستوى الحياةِ بين أبناءِ البلدِ الواحدِ, فشريحةٌ تملك كلَّ شئ وأخرى لا تملكُ قوتَ يومِها اللازم لاستمرارِ الحياة, بالرغم ِمن وجودِ دساتير تساوي بين الناس تحترمُ الجميع. إذاً نحنُ نعيشُ حالة َخداع ٍكبرى ابتدعتها الأنظمة ُ لتتناسبَ وظروف الحياةِ الحاليةِ, فالمخادعُ يتقلَّبُ في خداعِه ويحاولُ أنْ يغلّف خداعَه بعذبِ الكلامِ ليدخلَ إلى أعماقِنا ويُقنعنا بأنَّه الأفضل والأنسب وبأنَّه يحبنا ويعملُ لأجلنا, وهنا تكمنُ الخطورة....نحتاج ُإلى عدالةٍ في التطبيقِ فلا يهمُّ التنظيُر المعلن بدستورٍ أو قانونٍ لأنَّه يمكنُ أنْ يكونَ وجهاً آخر للاستبدادِ والظلمِ والقهر..والأمة ُالمقهورةُ التي تحسُّ بقهرِها وظلمِها لا تصنعُ حضارةً ولا تستمرُّ في الحياة.........
ولكن كيف استطاعت الأنظمة العربية خداع الناس وتضليلهم وتحويلهم الى قطعان تجري خلف هذه الأنظمة ؟ لقد استغلت الدين فأخذت قداسة ذات الحاكم من قداسة الله وبدأ الحاكم المقدس يفعل ما يريد لأنه هوالخليفة وهو أمير المؤمنين وأصبحت الدولة العربية دولة دينية بامتياز ,الاعتراض فيها اعتراض على الله وحتى ابداء الرأي ممنوع لأن الرأي لله فقط .....
تحكم رجال الدين في كافة مفاصل الدولة وسيطروا على مناهج التعليم التي تدعم وتثبت سيطرتهم .سيطروا وفرضوا علينا كيف نأكل وكيف نشرب وكيف نتكلم واحتلوا مساحات الاعلام وتفننوا في خداع الناس .هكذا سيطرت الدولة على الدين الذي أصبح السور الحامي لها فالحاكم عندنا يبقى حتى يموت ويرثه ابنه من بعده .لامكان عندنا للكفاءة بل للمقربين من السلطة والخاضعين لها والمنفذين لبرامجها.
وعليه لن تصلح احوالنا إلا بالدولة المدنية وابعاد الدين عن السياسة وتطبيق الديموقراطية في كل شيء لأن الدولة العربية الدينية لا تؤمن بالدستور ولا تحترم ما جاء فيه.
#عهد_صوفان (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟