مازن كم الماز
الحوار المتمدن-العدد: 2799 - 2009 / 10 / 14 - 13:48
المحور:
الارشيف الماركسي
باول ماتيك*
1956
استعراض لكتاب كروبوتكين عن المساعدة المتبادلة
هذه الطبعة الجديدة من كتاب كروبوتكين عن المساعدة المتبادلة , الذي صدر لأول مرة في بداية هذا القرن , لا تلبي الحاجة فقط لتواجده المستمر – بل بدرجة ما – تساعد أيضا في مقاومة المالتوسية الجديدة المعاصرة و المحاولات المتجددة , مع أنها عقيمة , لتقديم المنافسة الرأسمالية على أنها "قانون طبيعي" . و قد استفزه اعتقاد هاكسلي أن الصراع من أجل البقاء في الطبيعة و المجتمع هو صراع الجميع ضد الجميع , أثبت كروبوتكين أن المساعدة المتبادلة في كل من عالم الحيوان و المجتمع الإنساني هي بالأحرى التي تضمن الوجود و تؤهل للتقدم .
ما زعمه هاكسلي يقع تحت اسم الداروينية الاجتماعية – "البقاء للأفضل" . الناجح في المجتمع يكون كذلك بطريقة "الانتقاء الطبيعي" . و لا يمكن أن نفعل أي شيء بخصوصه , و لا يحتاج إلى اعتذار , بما أن الطبيعة ليست "أخلاقية" و لا "سيئة الأخلاق" , بل إنها "لا أخلاقية" ( بمعنى انعدام وجود الأخلاق أو غياب أساس طبيعي لهذه الأخلاق – المترجم ) . طبعا , كانت هناك محاولات لتحدي "القانون الطبيعي" من خلال إقامة نظام اجتماعي صمم لتخفيف صراع الجميع ضد الجميع . لكن هذا يعد بالقليل فقط للمستقبل لأن عدد السكان يجنح إلى أن يفوق وسائل البقاء , و هكذا فإن صراع البقاء سيستمر بتدمير الأضعف .
لم يرد كروبوتكين على حجج هاكسلي المالتوسية رغم أنها كانت الحجة الوحيدة التي استخدمها هاكسلي لدعم آرائه . عوضا عن ذلك وصف أشكال المساعدة المتبادلة التي لاحظها في عالم الحيوان و الأنماط المتعددة للتعاون الاجتماعي خلال التاريخ الإنساني . فعل ذلك بشكل ممتاز , بحيث أن الكتاب – بغض النظر عن قصده الخاص – هو دراسة هامة للسلوك الحيواني و لتطور الاجتماع الإنساني . هو نفسه تحت تأثير الداروينية , أراد كروبوتكين أن يصحح تفسيرها أحادي الجانب الذي وضعته الرأسمالية , و الذي يرى التنافس فقط و ليس عامل المساعدة المتبادلة الأكثر أهمية بكثير كأداة للبقاء . لم يعارض كروبوتكين الحجج المالتوسية لأنه اعتقد أن "الكوابح الطبيعية للتزايد الهائل" جعلتها خارج الموضوع .
خدم هذا "الداروينيين الاجتماعيين" , الذين لم يميزوا بين المجتمع و الطبيعة , و الذين يرون في كل البؤس الاجتماعي مجرد تجليات "للقوانين الطبيعية" . سيصرون أنه , رغم أن الصراع من أجل البقاء قد لا يتصف بالصراع المر الدائم على وسائل البقاء , مع ذلك فإن الفقر المدقع و الجوع , و أيضا المجاعات و الأوبئة , يجب أن تعتبر "ككوابح طبيعية أمام التزايد الهائل في عدد السكان" . و برأيهم إن التخفيف من المعاناة الإنسانية, مهما كان سببها , يناقض "الكوابح الطبيعية" الضرورية أمام التزايد الهائل في عدد السكان .
لم يرد كروبوتكين على الحجج المالتوسية أيضا لأنه لم يميز بشكل كاف بين المجتمع و الطبيعة . فكما كانت المنافسة بالنسبة للداروينيين الاجتماعيين شيئا غريزيا في الإنسان و الحيوان , كانت المساعدة المتبادلة بالنسبة لكروبوتكين "غريزة أخلاقية" ذات "منشأ قبل إنساني" و "قانونا طبيعيا" . لكن هذا لم يمنعه من وضع "الشعار , المساعدة المتبادلة" , الذي يأتي إلينا "من الشجرة , الغابة , النهر , المحيط" , إلى تأسيس "أفكارنا الأخلاقية" لضمان "تطور أكثر رفعة" لنوعنا . يبدو عندها أنه لكي تصبح "القوانين الطبيعية" فعالة فإنها تحتاج إلى دعم أو تجاهل البشر .
تظهر الملاحظة أنه هناك تنافسا و مساعدة متبادلة داخل و بين الأنواع . المساعدة المتبادلة بالطبع هي أفضل طريقة للبقاء لتلك الأنواع التي يعتمد بقاؤها على المساعدة المتبادلة , كما هي المنافسة . لكن لفترة طويلة لا يعتمد البقاء في عالم الحيوان على ممارسة أيا من المساعدة المتبادلة أو المنافسة لكنه يتحدد بقرار البشر عن أية أنواع يجب أن تبقى و تزدهر و أيها يجب أن تباد . مهما عنى "القانون الطبيعي" بالنسبة للسلوك الحيواني , فقد طغت عليه "القوانين" التي وضعها الإنسان التي تشكل "الطبيعة" وفقا لحاجاته أو نزواته . "الطبيعة هي المادة الخام" , إذا جاز التعبير , حيث يمكن أن تحكم "القوانين الطبيعية" هي في حاجة للحفاظ عليها و حمايتها بالقانون الوطني و الدولي . حيثما يحكم الإنسان , تكف "القوانين الطبيعية" فيما يخص حياة الحيوان عن الوجود .
إذا كان هذا صحيحا للعالم الحيواني , فكم يجب أن يكون هذا أكثر صحة بالنسبة للإنسان نفسه . رغم أنه كان معجبا كبيرا بداروين , لفت ماركس الانتباه إلى حقيقة أن "الطبيعة" تتغير باستمرار من خلال فعاليات البشر , و (خاصة ضد المالتوسية ) أنه لا توجد أية "قوانين طبيعية" تحكم نمو عدد السكان . إن البنية الاجتماعية المتغيرة , و ليس "القانون الطبيعي" , هي التي تحدد فيما إذا سيوجد هناك "زيادة هائلة" في عدد السكان أو لا , و إذا كنتيجة لذلك , أو بشكل مستقل عنه , ستميز المساعدة المتبادلة أو المنافسة العلاقات الاجتماعية . إن "الزيادة الهائلة" في عدد السكان و ما يرافقها من جوع و بؤس , ليست نتاجا للطبيعة بل نتاجا للبشر , أو بالأحرى للعلاقات الاجتماعية التي تحول دون تنظيم اجتماعي للإنتاج و الحياة عموما بحيث يلغي مشكلة الجوع المرافقة "للزيادة الهائلة" في عدد السكان . "الزيادة الهائلة" في عدد السكان التي تحدث عنها هاكسلي لم تكن شيئا ذا علاقة بوسائل البقاء , بل ذا علاقة بحاجات تراكم رأس المال , لقد كانت نتاجا للنمط الرأسمالي للإنتاج و ليس "للقانون الطبيعي" .
لنكن واثقين , يبدو أن "الزيادة الهائلة" في عدد السكان توجد في أجزاء كبيرة من العالم حيث يكون الناس فيها عرضة للمجاعات , السيول , و الطرق المتأخرة في الإنتاج . بينما قد لا تكون هذه الظروف من صنع الإنسان , فإنها تستمر في كل الأحوال بفعل البشر , لحماية و ضمان المراكز المتميزة داخل العلاقات الاجتماعية القائمة , أو علاقات القوة الدولية , أو معا في نفس الوقت . "الزيادة الهائلة" في عدد السكان ليست سببا بل نتيجة لهذه المحاولات لإيقاف التطور الاجتماعي , كما تمكن رؤيته من واقع أنه حيثما يجري استئصال الجوع فإن عدد السكان يميل إلى الانخفاض . لكن حتى إذا لم يتم الأمر كذلك , ستوجد هناك و لفترات طويلة متسع من الفرص لزيادة الإنتاج قادرة على إطعام سكان العالم ذا عدد يبلغ أضعاف عدة عددهم الحالي .
ليست "الزيادة الهائلة" في عدد السكان هي ما يقلق الطبقات الحاكمة . بل العكس هو الصحيح , كما هو واضح من الجهود المحمومة لزيادة عدد السكان عند أول علامة على سقوطها , من حقيقة أن تحديد النسل يعتبر جريمة , و من واقع الحفاظ على الظروف التي شجعت على حدوث زيادة هائلة في أعداد الجماهير الفقيرة . إن ظروف البؤس بالنسبة للجماهير هي الشرط اللازم لثروة و الوضع الاجتماعي المتميز للطبقات الحاكمة .
رغم أنه من الجيد معرفة أن هناك مساعدة متبادلة , تعادل أو حتى أكثر من المنافسة في الطبيعة و المجتمع , لكن هذا لا يكفي ليجعل البشر يغيرون أساليبهم و يعدلوا من علاقاتهم الاجتماعية . بالنسبة لأولئك الذين يستفيدون من هذه الظروف لا يهمهم سواء كانت "طبيعية" أم"غير طبيعية" , "أفضل" أو "أسوأ" طريقة لبقاء الأنواع . فالبشرية ليست مركز اهتمامهم . أما بالنسبة لأولئك الذين يخلقون هذا الربح قد يكون من الجيد معرفة أن المساعدة المتبادلة التي يمارسونها في دوائرهم الخاصة تتوافق مع مبادئهم الأخلاقية و سلوكهم الطبيعي , لكنها لا تنهي استغلالهم . كل التناقض بين هاكسلي و كروبوتكين هي شيء ما بجانب هذه النقطة – إنها لا تلامس القضية وثيقة الصلة بالمجتمع , أي أن "المساعدة المتبادلة" في المجتمع الإنساني تفترض مقدما إلغاء العلاقات الطبقية .
ترجمة : مازن كم الماز
نقلا عن http://www.marxists.org/archive/mattick-paul/index.htm
#مازن_كم_الماز (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟