عبدالوهاب حميد رشيد
الحوار المتمدن-العدد: 2789 - 2009 / 10 / 4 - 15:19
المحور:
الادارة و الاقتصاد
ترجمة: عبدالوهاب حميد رشيد
تواجه جنة عدن مخاطر التحول إلى منطقة صحراوية. عُرفت عدن الأسطورية legendary Eden في بلاد ما بين النهرين- دجلة والفرات. على بعد مئات الأميال من روافدهما، هناك الأراضي الزراعية الخصبة بدرجة رائعة fabulously..( حيث تحددت جنة عدن الأسطورية السومرية- جنوب العراق)..
ولكن، قلّما هطل المطر على مدى أكثر من عامين. وبذلك انخفض منسوب المياه في النهرين إلى النصف أو دون ذلك في العديد من المناطق الزراعية التي أخذت تتحول إلى أراضٍ جافة قاحلة..
تأثير الجفاف واسع وشامل، وهذا التأثير أكثر وضوحاً بالنسبة إلى النخلة العراقية وصادرات التمور العراقية التي كانت تأتي في المرتبة الثانية بعد النفط.
كان العراق في مقدمة دول العالم في إنتاج وصادرات التمور.. (بلغ هذا الإنتاج في المتوسط السنوي على هذا النحو/ ألف طن: 48-1952/ 313.. 61-1965/ 336.. 66-1970/ 326.. أما مجمل الإنتاج العالمي في المتوسط من التمور لنفس الفترات فقد بلغ: 887.. 1365.. 1310 .. بينما بلغت صادرات التمور العراقية في المتوسط/ ألف طن: 55-1959/ 235.. 60-1964/223.. 65-1969/ 229.. 70-1973/ 278..*).. في حين يستورد العراق حالياً المزيد من التمور من السعودية، مصر، وإيران..
في مزرعة للنخيل في بغداد- قرب مركز المدينة- تبدو بكاملها مزدهرة وشاعرية lush and lyrical، لكن حالة أشجار النخيل فيها ليست جيدة. يقوم على إدارة ورعاية هذه المزرعة شقيقان- ادريس (و) سريع. قالا أن الجفاف سيء إلى درجة أنهما يحصلان على التمور مرّة كل سنتين. وفي حين اعتادا وقت حصاد تمور نخيل المزرعة، وعددها 1500 نخلة، جمع 50 طن من التمور سنوياً فإن الحاصل لم يتجاوز 30 ألف طن العام الماضي، ولم يحصلا على أي قدر من التمور في موسم هذا العام.
منذ العام 2007، هطلت الأمطار في العراق أكثر بكثير من نصف معدلاتها المعتادة. وكان لهذا أثر آخر على الحصاد.. المطر يُنظف الأشجار ويحد من الآفات التي تُسبب تدهور المحاصيل. الآن الحشرات في حالة نمو متصاعد والأشجار تُعاني منها.. (بخاصة في ظروف تخريب أفضل نظام مكافحة للمزارع والحقول والبساتين الذي كان متواجداً في العراق قبل الاحتلال).. ذكر الشقيقان أن أية كمية مناسبة من الأمطار سقطت هنا، كان قبل ستة أشهر..
* انخفاض منسوب الأنهار
نهر دجلة، بتدفقه خلال بغداد قرب بساتين النخيل، فإن مياهه تتناقص بعيداً عن ضفافه وعن مصبات الحقول.. دجلة الخير- عروسة بغداد.. متوعكة Tigris is ailing.. مياه النهر بعيدة عن ضفافه، وكمياتها لا تتجاوز نصف كميات حوض النهر قبل ست سنوات.. هناك بقع واسعة من الأراضي الجافة في حوض النهر.. القوارب المهجورة تقبع في أماكن مرتفعة جافة في حوض النهر.. كتل الرمل التي كانت مغطاة سابقاً بمياه النهر صارت ظاهرة ممتدة فوق سطح مياه النهر.. منسوب دجلة، وكذلك الفرات إلى الغرب بلغ 50%- 70% في أفضل الأحوال مقارنة بمنسوبهما الأصلي قبل عشر سنوات مضتْ.
تبدأ سنة تسجيل مناسيب مياه أنهار العراق- سنة المياه water year- في شهر أكتوبر/ ت1 من كل عام. خطوط مناسيب المياه للعامين 2008 و 2009 لنهري دجلة والفرات، توضح بجلاء أن أعلى مناسيب مياه النهرين بلغت أقل بكثير من متوسطها السنوي. وحسب شرح زهير حسن أحمد- مهنس مسئول في المركز الوطني لإدارة المياه- بغداد، فإن الجفاف في العراق ليس سوى جزء من المعضلة.. النقص في مياه كل نهر من الأنهار (النهران وروافدهما) ناجم عن قلة هطول الأمطار في جبال تركيا حيث منبع دجلة والفرات. عامل آخر هو سلسلة خزانات المياه على الفرات في تركيا وسوريا التي تقلل كميات المياه القادمة إلى العراق.. (وكذلك الحال بالنسبة لخزانات إيران فيما يخص روافد المياه العراقية الشرقية..).. ومع أن تركيا وافقت على زيادة التدفق، لكن الخشية هي أن لا تكون هذه الزيادة كافية..
* تهديدات متعددة
هناك كذلك حلقة مفرغة.. من الصعب أن تؤدي أية كمية من الأمطار إلى تفادي الآثار السيئة للعواصف الترابية على الأراضي والحقول الزراعية.. فقد اعتادت بغداد أن تستقبل ست عواصف ترابية خطيرة سنوياً.. حالياً زادت هذه الظاهرة إلى 30 عاصفة خانقة سنوياً بحيث تحوّل هواء/ فضاء العاصمة إلى اللون البرتقالي.. (( اليورانيوم المنضب))..
بينما صار تدفق مياه الأنهار في الجنوب بطيئاً sluggish إلى درجة صعود مياه البحر المالحة لمنطقة الخليج واختلاطها بمياه النهر، مما يجعل من الصعوبة توفير المياه الصالحة للشرب إلى البصرة. ووفق اختصاصي في الزراعة العراقية، فإن قلّة الأمطار وانخفاق تدفق مياه الأنهار، عوامل خلقت "كارثة خطيرة حقيقية."
الجفاف قرب مدينة البصرة، يُعيق محاولات إعادة تدفق المياه إلى الأهوار الشاسعة التي جرى تجفيفها في فترة ما قبل الاحتلال.. (ارتبط هذا الأمر بمشروع إعادة تنظيم الأهوار في سياق إنجاز حفر "النهر الثالث" وكان مشروعاً طموحاً للتخلص من الملوحة في الجنوب، ويماثل المشروع الهولندي في تجفيف مياه البحر وزيادة مساحة الأراضي، والأهم امتداد الأراضي العراقية تدريجياً نحو الخليج.. ويرتبط بذلك القراءة التالية: "تحمل أنهار العراق، لا سيما دجلة والفرات، كميات جسيمة من الترسبات (الطمى والغرين) قُدرت بحدود عشرة بلايين طن سنوياً وهي تعادل من ثلاثة إلى خمسة أمثال ما يحمله النيل سنوياً، يترسب 90% منها في الأهوار ويترسب الباقي(10%) في شط العرب والخليج العربي. وتُسبب هذه الترسبات مشاكل جَمَّة وخطيرة تقود إلى ارتفاع قاع الأنهار والتأثير في التصريف الداخلي للمزارع وتكوين الجزر الرملية في مجاريها وازدياد خطر الفيضان. ومن جهة أُخرى أدت إلى تقليل سعة الجداول وقنوات الري والاضطرار إلى إهمالها لتعذر تطهيرها وكريها بصفة مستمرة ليصبح شق جداول وقنوات جديدة أسهل وأقل تكلفة من تطهير تلك القديمة.
تُعتبر ملوحة التربة وبالذات في السهل الرسوبي من المشاكل الخطيرة التي جابهت العراقيين القدماء، وهي مستمرة حتى الوقت الحاضر في تهديدها لتربة منطقة الري. ومع أن هذه المشكلة ملازمة لنظام الري نفسه بسبب الأملاح المحمولة بمياه الأنهار، فهي بالنسبة للعراق تزداد خطورة وتعقيداً، خاصة في ظروف طبيعة الفيضانات المتأخرة وشدة الحرارة العاملة على سرعة التبخر وضعف جهاز التصريف (البزل)."لذلك فالمياه المتبخرة تترك خلفها مساحات بيضاء يخالها المرء في عز الصيف ثلوجاً." وكانت ملوحة التربة باعتقاد العراقيين القدماء من الآفات العقابية التي تسلطها الآلهة على البشر جراء شرورهم وآثامهم، وطريقة إِلهية لإفنائهم (قصة الطوفان). ورغم أن السومريين عرفوا نظام التبوير، (ترك الأرض وإراحتها لموسم زراعي أو أكثر)، لكنهم لم يتوصلوا لإكتشاف طريقة التصريف (البزل) لمعالجة الملوحة**." أحد معاني المشروع، علاوة على التخلص من الملوحة، توجيه الرسوبات 100%، أي عشرة بلايين طن سنوياً نحو الخليج بدلاً من استمرار ترسب 90% منها في الأهوار العراقية!! ولكن تم إسقاط المشروع بعد الاحتلال مباشرة وبـ "حماسة" كويتية!!)
ممممممممممممممممممممممممممـ
Iraq s drought: Eden drying out,By Hugh Sykes,uruknet.info, September 30, 2009.
* (1) مشكلات إنتاج وتسويق التمور في العرق، د. كاظم حبيب، د. منير السكوتي، عبدالوهاب حميد رشيد، مؤسسة البحث العلمي، مجلس التخطيط، الجمهورية العراقية، النشرة العلمية رقم 5/75، بغداد 1975، جدول رقم 2، 33، ص. 13-14، 97.
(2) وردت في المقالة الأصلية باللغة الانكليزية العبارة التالية: "اعتاد العراق على إنتاج ثلاثة أرباع مجموع محاصيل العالم من التمور سنوياً." وهو تقدير مبالغ فيه جداً، كما هي موضحة في بيانات الإنتاج السنوي للتمور أعلاه.. لذا اقتضى التنويه..
** د. عبدالوهاب حميد رشيد، حضارة وادي الرافدين- ميزوبوتاميا- العقيدة الدينية.. الحياة الاجتماعية.. الأفكار الفلسفية، دار المدى للثقافة والنشر، دمشق، بغداد 2004، ص22-23. (هذا الكتاب وكتاب: التحول الديمقراطي والمجتمع المدني، تم اللأتفاق مع دار المدى على نشرهما قبل العام 2002، وصدرا العام 2003، ولكن تم تثبيت تاريخ صدور الكتاب المشار إليه هنا (كتاب الحضارة) العام 2004 والكتاب الآخر العام 2003 من قبل الدار، أي أن الأتفاق والصدور للكتابين تم قبل احتلال العراق.. لذا اقتضى التنويه..
#عبدالوهاب_حميد_رشيد (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟