جمال محمد تقي
الحوار المتمدن-العدد: 2759 - 2009 / 9 / 4 - 13:14
المحور:
اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
من الواضح ان المالكي مهموم بسبب قرب الاستحقاق الانتخابي ، فهو امام خيارات احلاهما مر اما الرجوع الى احضان الائتلاف الام او التحصن بالدعم الامريكي والمخاطرة بقبول النصائح المقرونة به ، فليس مضمونا هذه المرة تكرار نجاحه الذي تحقق في انتخابات مجالس المحافظات ، وليس موقفه الذي مرر انتخابيا نكاية بحزب الحكيم ، كداعية لدولة القانون بالضرورة مدعاة للنجاح في الانتخابات العامة ، فالوقوف طويلا في منزلة ـ المنزلة بين المنزلتين ، ايران وامريكا ـ قد ياتي بنتائج مقلوبة !
توتره العصبي ليس بسبب حزنه وتأسيه ـ كما يفترض ـ على ضحايا تفجيرات بغداد الاخيرة التي راح ضحيتها اكثر من الف عراقي بين قتيل وجريح ، وليس بسبب انهماكه في حلحلة مشكلة شحة مياه دجلة والفرات ، ولا نتيجة للتخبط الصارخ الذي يقع به جهازه الخاص ـ العسكري والاستخباري والسياسي والاعلامي ـ ولا للاحراجات التي يسببها له طاقمه ـ مستشاريه واقاربه الذين تعج بهم مكاتب مجلس الوزراء ـ وانما بسبب قلقله من ان ما يتبجح به كمكسب لحكومته قد انهار الا وهو فرض الامن بسلاح دولة القانون كما يدعي ، ومما زاد الطين بلة هو الاعادة القوية لتشكيل الائتلاف الانتخابي ذا الصبغة الشيعية والذي سينافسه عمليا في الانتخابات القادمة ، فاذا كانت جريمة سرقة بنك الزوية ومسؤولية منافسه عنها تصب في خانة تعزيز حظوظه بين الناخبين فان فشله في ضبط الملف الامني بعد انسحاب القوات القتالية الامريكية من مراكز المدن يصب بمصلحة المجلس الذي يحشد القوى تحت راية طائفية مدعومة من المرجعيات الايرانية والعراقية وبالضد من اي مساعي حقيقية للمصالحة الوطنية ـ وحدة بوحدة والباديء اظلم ـ !
ما حصل مع وزير التخطيط السيد علي بابان يؤكد ما ذهبنا اليه ، فقد تعرض لمحاولة اغتيال نجا منها باعجوبة ، بعد ان وجه اليه جلال الصغير القيادي في المجلس الاسلامي الاعلى نقدا لاذعا بسبب تصريحاته التي ادلى بها لمحطة تلفزيون العراقية كاجوبة على اسئلة المحطة ، وضمن الذي قاله انه لا يرغب بالدخول بالائتلاف لانه طائفي !
زيباري من جانبه وبراحة بال مصدرها اطمأنانه شبه المحسوم لتجديد عملية استيزاره بسبب من الحصة الكردية المضمونة في توزيع مقاعد البرلمان والحقائب الوزارية ، راح يعزف على وتر المحكمة الجنائية الدولية للنيل من سوريا تحديدا بالمقاربة بين ما جرى في لبنان بعد اغتيال الحريري واثناء اشتداد سياسة الخنق التي اتبعتها ادارة بوش بحق سوريا كونها وقفت وبوضوح لا يقبل المساومة بالضد من الحرب على العراق واحتلاله !
زيباري ومن يمثلهم يعتقدون ان سوريا هي الحلقة الاضعف بين الدول التي تعادي قولا وعملا التطلع الكردي في العراق لاقامة كيان مستقل يكون نواة لقيام دولة كردية اكبر ، بحيث تقتطع من الدول المحيطة اراض تقطنها اكثرية كردية ـ تركيا وايران وسوريا ـ وعليه فهم لا يفوتون اي فرصة ممكنة للنيل من موقفها والتشهير بها لكسر شوكة اصرارها على التصدي لمشاريع التفتيت والفدرلة المباركة امريكيا واسرائيليا ، هكذا كان موقف القيادات الكردية في العراق من احداث الشغب التي شهدتها منطقة القامشلي حيث كانوا يحرضون بعضا من الاكراد الموالين لهم هناك على التحرك والتمرد مدعومين بزخم التهديد الامريكي وابتزازه للمواقف السورية !
زيباري يلوح ودون ادنى خجل بشكوى لمجلس الامن وبلجان تحقيق دولية لادانة سوريا ، بحجة ايوائها لبعثيين معارضين ، ودخول عناصر القاعدة من اراضيها باتجاه العراق للعبث بامنه !
نسي زيباري ان سوريا هي ذاتها كانت تطالب المجتمع الدولي بالتدخل لمساعدتها على ايواء ملايين العراقيين الفارين اليها ، وهي ذاتها كانت ومازالت تعلن معارضتها لاحتلال العراق وبقاء القوات الامريكية فيه ، وموقفها هذا كان محط اعتزاز وتقدير الملايين من العراقيين ومئات الملايين من اغلب شعوبنا العربية والاسلامية التي كانت ومازالت تعتبر ما جرى للعراق كارثة وبكل المقاييس !
نسي السيد المالكي ووزير خارجته الذي لا يمثل العراق بمقدار تمثيله لتطلعات قيادته العشائرية الانفصالية والتي جعلت من دبلوماسيتها خطوط مزدوجة لا تخدم بالمحصلة الا انفصاليي الشمال ، نسي هؤلاء ان سوريا تاريخيا هي الملاذ الطبيعي للمعارضة العراقية ومنذ قيام العراق الحديث وحتى يومنا هذا ، صدام حسين نفسه كان فيها معارضا لنظام عبد الكريم قاسم ، والبعثيين المعارضين لصدام كانوا فيها كما كان فيها الشيوعيون وكذلك الاحزاب الكردية التي عملت وقتها تحت شعارات وطنية ، حتى المالكي نفسه وحزبه الذي قام بعمليات ارهابية وقتها في قلب بغداد ، كانوا جميعا يحتمون بسوريا ، ولم تسلمهم سوريا او تطردهم استجابة لضغوطات النظام السابق ، واليوم الفارق والمفارقة شاسعة بين حكومة هشة لا تستطيع حماية نفسها رغم وجود قوات امريكية ترعاها وتساندها ورغم وجود مئات الالاف من العساكر الذين لا عمل لهم سوى لضمان سلامتها ، وبين حكومة لها هيبة واجهزة خبيرة ، حكومة في دولة عرفت الشدة والقسوة لكنها لم تعرف الفوضى والهشاشة التي يعيشها العراق اليوم جملة وتفصيلا !
سوريا تدعو للمصالحة الوطنية ومن مصلحتها ان يستقر الوضع العراقي ويرجع النازحون ويخرج الامريكان ومن لف لفهم من ديارنا لتعمر بعلاقات طبيعية داخليا وخارجيا !
الامريكان تفاوضوا مع الفصائل المقاومة بما فيها البعثية في تركيا ولم تنفي الاخيرة ذلك بل وضحت ان السعي للمصالحة هو المخرج ، دولة الهشاشة في المنطقة الخضراء والتي اختيرت اخيرا كواحدة من اكثر الدول فشلا في العالم ـ حسب التقارير الدولية المحايدة ـ انها لا تجروء على قول ما يجب قوله اولا لان امرها ليس بيدها وثانيا لان ليس هناك وحدة وطنية كما يدعون بل هناك حكومة طائفية بمحاصصات اثنية ومذهبية ، تصوروا ان الكويت وعلنا تقول لا لخروج العراق من البند السابع ، وتعمل على عرقلة اي تطبيع دولي للعراق ، والحكومة لا تستطيع تحريك ساكنا بل ان الاعلام الكويتي يعامل العراقيين جميعا معاملة الغزاة لبلاده ومازال !
اما ايران التي يصيح القاصي والداني بتدخلها في الشان العراقي ، امنيا واقتصاديا وسياسيا ، ثم ياتي الشهود من اهلها ، اي من اركان النظام نفسه كعبدالقادر العبيدي وزير الدفاع ومحمد الشهواني رئيس المخابرات وغيرهم ويؤكدون تورطها باغلب اعمال العنف الطائفي من خلال فيلق القدس ويقدمون الادلة على تعاونها مع تنظيم القاعدة الشرقي اي الذي يعمل في مناطق شرق العراق ـ ديالى والسليمانية والكوت ـ بل ان زيارات المسؤولين الايرانيين وتصريحاتهم تدل على عمق تدخلهم وتخريبهم ، اخرها زيارة متكئي الذي اكد على ضرورة دخول المالكي للحلف الشيعي ، اما الامريكان وما يقدموه من دلائل فهي لا تعد ولا تحصى ، كل هذا مع قصف ايراني حدودي شبه يومي للاراضي العراقية والحكومة العراقية ـ صكم بكم لا يتكلمون ـ !
امام هكذا وضع وامام عصابات تحكم وتسرق النفط والبنوك لتمويل حملاتها الانتخابية ثم تتصرع فيما بينها على غنائم السلطة بحيث يشهر كل طرف فيها الاخر، ويعمل كل طرف على تشويه سمعة الاخر وارتكاب ابشع الجرائم للتغطية على جرائمه هو ، هل تكون هناك مصداقية لاي تهم توجه لهذا الطرف او ذاك او لهذه الدولة او تلك ؟
نعم نحن بحاجة الى تحقيق دولي بجرائم المحتلين ، وبسياسة التعطيش والابتزاز التي تتبعها تدريجيا تركيا بحق الملايين من اهل العراق ، ونحن بحاجة لتقديم شكوى لمجلس الامن على التدخلات الايرانية والقصف الحدودي المستمر على الاراضي العراقية ، اما سوريا وحتى تكون هناك مصداقية للشكوى منها يجب اولا البرهنة على ان العراق حريص على ابناء شعبه المستجيرين في سوريا وهم اكثر من مليونين ، فالمطلوب سحب المستجير قبل السفير ، فهل ياترى حكومة المنطقة الخضراء بنوريها وهوشيارها قادرة على فعل ذلك ام ان دخان الازمة المفتعلة مع سوريا متعمدة للتغطية على عظائم الامور في عراق لم يعد له هيكل من العظام ، لانه تكسر ، ولم يعد له حضور ؟
الله يشافي عراقنا الحبيب والذي لا يشفى الا اذا تخلص من حكامه المشبعين بالامراض وفي مقدمتها الامراض النفسية والاخلاقية !
#جمال_محمد_تقي (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟