سيمون خوري
الحوار المتمدن-العدد: 2708 - 2009 / 7 / 15 - 08:19
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
بعد مظاهرات دموية ، عصفت بمدينة أوروباتسي عاصمة إقليم / شينجيانج / الصيني النائي ، تمكن الجيش الصيني من فرض هدوء شكلي . فيما تستعد السلطات لتنفيذ حملة محاكمات دامية على خلفية الصراع القومي الجاري هناك . وليس الصراع الطائفي كما سارعت العديد من وسائل الإعلام العربية لتصوير ما حدث بأنه مؤامرة ضد المسلمين ؟ وموقف سطحي ومختزل من هذا النوع ، يعبرفي الحقيقة عن جهل سياسي وجغرافي أيضاً. فهو لا يكلف هذه القناة الإعلامية أو تلك الصحيفة عناء البحث الجاد عن خلفية الاحداث . بل يجري تسويق الحدث ، كما جرى تسويق العديد من الاحداث مؤخراً لصالح تعميق أفكار الكراهية والحقد والتعصب الطائفي على طول مساحة العالم شرقاً وغربا وشمالاً وجنوباً .
الأوريغوريون ، هم شعب من أصول تركية ليست لديهم أية علاقة عرقية أو قومية مع الصينيين . يتكلمون اللغة التركية ،ولهم ثقافتهم الخاصة ، ويعتنقون الديانة الاسلامية . تم إخضاع المنطقة التي يقطنونها في العام1884 .
ما بين العام 1944 – 1949 أعلن الأيغوريون دولتهم المستقلة تحت إسم / جمهورية شرق تركمنستان / التي إنتهت بعد سيطرة ماوتسي تونغ على الصين العام 1949. ولعقود طويلة بقيت هذه المنطقة معزولة عن العالم ومهمشه ، وفي طي النسيان .
لكن ومرور الزمن ونتيجة للتطور الرأسمالي الحاصل في الصين ، وبشكل خاص في السنوات الأخيرة الماضية ، فقد تم إكتشاف البترول والغاز الطبيعي في هذه المنطقة تحديداً . وبما أنها المصدر الرئيسي لزراعة القطن ونتيجة لزيادة الطلب العالمي على المنتوجات النسيجية الصينية . بدأت المنطقة تشهد حالة من الإنتعاش الاقتصادي بمعدل تجاوز ال 11% . لكن من النتائج السيئة على المواطنين الأيغوريين ، هو أن النشاط الإقتصادي في منطقتهم ،شكل أحد العوامل التي أدت الى تسريع عمليات الهجرة الداخلية للصينيين . وتحديدا من العرق الصيني المعروف باسم / هان / وهي القومية المسيطرة بنسبة 92% في عموم أرجاء الصين .
ففي سنوات سابقة لم يتجاوز نسبة قومية / هان / 6% من عدد سكان إقليم شينجيانج حيث أصبحوا الان يشكلون نسبة 41% من سكان عاصمة الإقليم . هذا الإختلال الاجتماعي / الديمغرافي ،أدى الى تزايد شعور الإيغوريين بأنهم فقدوا السيطرة على مجتمعهم ، وحلت محلهم قوى إجتماعية جديدة تتألف من رجال أعمال وعمال ومزارعيين وصناعيين في مهن مختلفة تحتاجها عملية تطور البنية الاقتصادية المتسارعة بوتائر غير مسبوقة على صعيد الصين في إطار التنافس الدولي المحموم على الاسواق العالمية . وبالتالي فإن تدفق العمالة الصينية ، وكذلك الهجرة الداخلية تحولت الى أداة في يد السلطات الصينية المحلية لتعزيز سيطرة قومية / هان / على الآخرين ، وفي مختلف مناحي الحياة . حيث بدأ العامل الصيني المدرب والكفاءات الصينية الماهرة تحل محل العامل المحلي المتخلف تقنياً ، نتيجة الإهمال التي كانت تعنيها المنطقة لسنوات طويلة . مما أدى الى تزايد الشعور بعدم المساواة والإضطهاد العرقي . ربما العامل الديني هنا لعب دوراً بيد أنه دوراً ثانوياً وليس رئيسياً في تحريك الإحداث الأخيرة . طبعاً الصين شأنها شأن كافة الأنظمة التي تمارس قهراً على شعوبها ، حملت مسؤلية ما حدث على الجالية الإيغورية في الخارج وعلى التدخل الخارجي حسب زعمهم . وتدرك الصين جيداً أن أحداً في العالم ليس على إستعداد لتحمل أعباء وتكاليف تفكك الصين في المرحلة الحالية . تماما كما حدث خلال إنتفاضة الطلبة في الساحة الحمراء قبل عقود . وكما حدث في إنتفاضة المواطنيين الإيرانيين حول نتائج الانتخابات البرلمانية حيث كانت التهمة جاهزة بأن المتظاهرون عملاء للإستعمار والشيطان الأكبر . وحتى صدام إعتبر إنتفاضة الأهواز في الجنوب من فعل الاستعمار والصهيونية الخ ؟
النتيجة الرئيسية هنا أن هناك مشكلة قوميات أو مشكلة أقليات يجري طحنها بواسطة النظام الرأسمالي العالمي الذي أصبحت الصين عملياً جزء ومكون رئيسي من أقطابه . فكما تظاهر آلاف المواطنون في مناطق التيبت وقمعت بكل عنف وقسوة ، كذلك ما حصل مع الإيغوريون هو صورة شبيهة لإحداث التيبت . ولا علاقة للعامل الديني بالموضوع كما سوق البعض ذلك نتيجة الجهل بتركيبة الصين الديمغرافية . وبما أن المجتمعات العربية لازالت تحمل ميراثاً هاما من عقلية الوعي القطيعي ، فهو من السهل جداً تهييجها على أتفه سبب ، دون أن يكلف البعض نفسه عناء البحث عن الحقيقة .
في عهد الرئيس العراقي السابق صدام حسين ، جري في الشمال العراقي نموذج مشابه حيث تم توطين بعض العرب في الشمال ، وترحيل بعض الاكراد الى الوسط وربما الى المريخ ، والسبب معروف . وفي منطقة البلقان تكررت المأساة مرة أخرى لكن هنا عزف البعض على الوتر الديني لإسباب سياسية بسبب حاجتهم للدعم بأشكالة المختلفة . حتى البوسنة والهرسك / الإسلامية / التي نالت إستقلالها ، طلبت من أؤلئك الذين قاتلوا معها تحت إسم / المجاهدون العرب / طلبت منهم الرحيل رغم أن بعضهم تزوج وإستقر في عمل ما وطلق الجهاد طلاقاً بائناً ؟
ما هو حاصل بالضبط هو صراع قومي عرقي وليس طائفياً . وإذا كانت التصريحات التركية حول القمع الصيني لإبناء هذه القومية ،لها ما يبررها ، ومن الطبيعي تفهم الموقف التركي وتحت أي سياق يندرج ، لكن من الصعب القبول بمنطق تحويل القضية القومية الى قضية طائفية ، عبر بعض القنوات الفضائية المتأسلمة في المنطفة العربية وإستثمارها بما لايخدم مصالح الإيغوريين على الإطلاق . بل ويؤدي الى مزيد من البطش والتنكيل بهم تحت دعاوي الارهاب الاسلامي ؟ لشديد الأسف فإن إطروحات من هذا النوع تمارس دوراً تدميريا لحق الشعوب في التحرر أو في الحفاظ على شخصيته وثقافته الوطنية . بل أنها تشكل أكبر خدمة للآنظمة المستبدة أياً كانت في إستمرار حكمها للشعوب وتجاهل حق تقرير مصيرها .
ودعونا نتساءل من موقع عقلاني ولا علاقة للدين كعقيدة بالموضوع . عندما يتم خطف عشرات من السياح الاجانب في اليمن والجزائر والسودان والصومال والعراق ويجري نحرهم كالأغنام بل ويتم تقاضي / فدية / لماذا لم تخرج الجماهير الاوربية غاضبة تكسر وتحطم السفارات العربية وتمنع رعايا البلدان العربية من دخول أراضيها ؟ بل أن الكنائس العربية تحولت الى أهداف إرتزاق للعصابات المسلحة والمتاجرة بالدين وقتل العشرات من رجال الدين المسيحي وهم عرب قبل العربان المستعربة واياً كانت أصولهم العرقية أشوريين وكلدان وأقباط ؟ ما ذنب هذا المواطن المسكين الذي غادر منزله للصلاة في مسجد سواء شيعي أو سني أو حتى كنيس يهودي ما الذنب الذي إقترفه حتى تحرم عائلته من رؤيته مدى الحياة ؟
مقتل السيدة مروة ضحية الحقد الاعمى يقابله يومياً عشرات المفقودات في العالم العربي ضحية ذات الحقد الأسود والمتعصب للدم . عشرات النساء تقتل بتهمة غسل العار . لكن لم يقتل ذكر واحد بذات التهمة ؟
لماذا لم يطالب من كشف عنه الحجاب والنقاب في علم آداب النكاح ، بإعلان الجهاد المقدس ضد الصين ؟ الجواب لأنه من الصين نستورد الحجاب والأن النقاب والجلابيات والسراويل الداخلية ، والمسابح وسجادات الصلاة وأقلام الرصاص والمعدات الألكترونية ، ولعب الأطفال وطبعاً المواد الغذائية واللحم الحلال ، فهل المطلوب أن تقطع الصين عنا حبل السرة ؟ وللحقيقة أننا لو أعلنا الحرب على الصين / بإستثناء السودان ، لأن بترول السودان للصين / وإنتصرنا عليهم ، بفضله فكيف نوفر لملايين الصينيين الطعام ؟ فعلاً مشكلة عويصة ...وأكبر من مشكلة شح المياه في اليمن السعيد . ولا خمسين نهر صناعي عظيم يمكن أن يروي ظمأ الصينيين .
لكن سندعوا عليهم في كافة المساجد ، أن يذلهم الله وينتقم منهم هؤلاء قوم ياجوج وماجوج ، ياسبحان الله .
#سيمون_خوري (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟