نضال نعيسة
كاتب وإعلامي سوري ومقدم برامج سابق خارج سوريا(سوريا ممنوع من العمل)..
(Nedal Naisseh)
الحوار المتمدن-العدد: 2595 - 2009 / 3 / 24 - 08:36
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
يشكي ويبكي الكثير من الفقهاء والشيوخ، وينوحون، دائماً، على أن حال "الأمة" ليست بأفضل حال. ويعترفون علناً بأن هذه الأمة هي واحدة من الأمم الباقية في العالم التي تعد من بين الدول المتقاعسة والمتواكلة والمتخلفة في هذا الكون. وتقف في نفس الطابور مع تلك الأمم المستبدة والفقيرة والجاهلة والمتخلفة والمريضة رغم أنها ترفع يافطات التعبد والطهرانية والإيمان وتطبيق الشريعة السمحاء.
ويعلل كثير من الفقهاء سبب ضعف وهزال الأمة، ها هنا، لأنها تركت الدين ولم تعد تتمسك به. والسؤال الأولي هنا، ما السبب يا ترى بأن الأمة كانت تتمسك بالدين منذ بداياتها ومنذ نشوئها، ومع ذلك تخلفت، ولم تتقدم، وسادتها الحروب والمذابح والتصفيات والصراعات؟ ولا ندري في الحقيقة متى كانت تتمسك بالدين بالضبط، وهي التي شهدت الخلافات والانقسامات الدموية الباكرة، ولاسيما في العهد الأزهى والأجمل الذي يتباهى به الفقهاء ونعني الخلافة الراشدة التي بدأت عهدها الأول بسلسلة من المذابح وحروب الإبادة الجماعية وسفك الدماء، والمواجهات الأهلية الدموية فيما عرف بحروب الردة، وكـُلِل كل ذاك التراث الزاهي والرائع بسقوط الخلفاء الثلاثة الآخرين مضرجين بدمائهم على خلفية أحداث الفتنة الكبرى التي تمتد تداعياتها إلى اليوم ونتلمسها في شوارع القاهرة والبصرة، وبغداد، ولاهور، ومزار شريف، وجبال الصعدة، والجزائر، ومنطقة الإحساء بالسعودية، وفي خطاب البلاشفة السوريين. أمـّا متى، وأين كان هذا الترك والانفصال مع الدين فلا أحد يدري بالضبط سوى الفقهاء أنفسهم، لأنهم يتباهون في أماكن أخرى ببقاء هذا الدين إلى أن يظهره الله للعالمين؟ ولأن غايتهم دائما هي إطلاق أي كلام، وعلى عواهنه على اعتبار وافتراض أن ما يقولونه هو من باب الحقائق المطلقة التي لا تقبل السؤال ولا تحتمل الجدال. هذا أولاً، وثانياً، لماذا يترك الإنسان الدين إذا كان هذا الدين هو سبب خلاصه ونجاته من كل أزماته. هل هناك عاقل يفعل ذلك؟ فهؤلاء الذين تركوا الدين، هذا إذا سايرنا خطاب الفقهاء، إما جهلة لا يدركون ما هية وأهمية الدين في الحياة، أو هم مجرد مجانين يتركون سبيل الخلاص والنجاة ويتبعون سبيل الضلال والهلاك والعياذ بالله. وفي كلتا الحالتين لا أسفاً عليهم ولا هم يحزنون. ومن الطبيعي، جداً، في هذه الحالة أن ينهض الدين ويقوى لأن أولئك الجهلة والمجانين قد تركوه، وأبقى على العقلاء والمؤمنين به، غير أننا نرى العكس، وحسب خطاب الفقهاء، فإن الحالة هي في مزيد من التدهور والانحطاط وترك الدين والانفصال عنه. ثم أوليس في أزعومة ترك الدين، اعترافاً غير مباشر من قبل الفقهاء والشيوخ، أنفسهم، وقبل غيرهم، على أن هناك ثمة خلل ما، إما في الشخص الذي يترك الدين، أو، ربما، في جوهر الذين نفسه، الذي قد لا يلبي، أحياناً، متطلبات وعقل الإنسان وحياته وتجعله يعلن الطلاق مع كل الأديان؟
لم يكن في الدول الدينية، على مر التاريخ، ما يمنعها من الخضوع للشروط الوضعية وجدليات التاريخ المبرمة وعوامل نشوء وارتقاء وانهيار الأمم والتقلبات السياسية، والعوامل الإستراتيجية، أو هناك ما ينجيها منها أو الامتثال لقوانينها العلمية الصارمة التي لا ترحم، فليس على رأس الدولة الدينية من ريشة تميزها. والأهم من هذا وذاك، هناك، اليوم، دول إسلامية تطبق نوعاً من الدين الراديكالي الطالباني المتشدد والمتزمت، وبحذافيره، بحيث تعمد إلى قطع رؤوس البشر الأحياء، في الساحات العامة، وتقيم الحدود، وتمنع الموسيقى والاختلاط، وترجم الأحبة والعشـّاق في عيد الحب الفالانتاين، وتجلد وشاربي الخمر، وتطارد الناس في المولات والأزقة والشوارع والأسواق العامة لإقامة الفروض والصلوات....إلخ، ومع ذلك نراها تتخلف باضطراد وتحتل المراتب الدنيا في كافة الإحصائيات الدولية سياسة، واقتصاداً، وفناً، وعلماً، ورياضة، وموسيقى وإبداعاً. إذن إقحام الدين في الحياة ليس حلاً سحرياً كما يرطن الفقهاء، ولن يأتي بأية نتيجة، على الإطلاق. والدليل أمامنا ها هو، منظومة بدوية عربية وإسلامية شرق أوسطية متخلفة في جميع المجالات وميادين الحياة، تتمسح ظاهرياً بالمشيخة والدروشة والتزهد والعبادات، كما تتبجح باعتماد دساتيرها واشتقاق قوانينها من الدين وعلوم السماء ومع ذلك، فهي أكثر دول العالم بؤساً، وفقراً، وتخلفاً، وانحطاطاً وجهلاً، وقابلية للتشرذم والحروب الأهلية والتذرر والزوال.
غير أن لهذا الخطاب الديني البكائي الكربلائي الوجائعي المواويلي الحزائني الأليم جانباً هاماً وإيجابياً جداً. لأنه، ومع إدراكنا لحجم المأساة التي تعيشها "الأمة"، فلا يسعنا إلا أن نشكر فقهاءنا الأجلاء على هذا الاعتراف الصريح والفصيح والذي لا لبس ولا رياء عن تخلف الأمة. الأمر الذي سيساعدنا كثيراً في ادعائنا القائم على رفض ربط الدين بتقدم الأمم ونهوضها، بل على العكس ربما يكون عاملاً على انقسامها وفنائها. ويسقطون باعترافهم هذا، عن الدول الدينية كافة تلك الهالات المقدسة واللاهوتية التحريمية "التابوية" التي تضعها في موضع بعيد عن أي شكل من أشكال النقد والتجريح والخضوع للقوانين الوضعية والطبيعية التي يخضع لها الجميع في هذا الكون الفسيح. وخطابهم هذا، يتناقض، بذات الوقت، كلية، مع ذاك الجوهر الإيماني الطهراني البيوريتاني الرومانسي الزاهي الذي يحاولون أن يسبغوه على الدولة الدينية التي يجب ألا تحول ولا تزول، ولا تتعرض لعوامل التقادم والفناء لأنها، ببساطة، من الغيب والسماء. ويعني بالمحصلة، والمآل، أن هذه الدولة الدينية التحريمية "التابوية" المزعومة والمقدسة، تخضع لكافة الشروط الوضعية البشرية في نشوء وارتقاء وصعود الأمم، ما يبعد عنها أي مقدس وتحريمي ولاهوتي وغيبي. وهذا ما يحاول رجال الدين دائماً، إبعاد نمطهم الطوباوي عنه، أي ينحون لاعتبارها كياناً خالصاً منزلاً ومحفوظاً لا يتعرض للفناء والزوال، ولا تنطبق عليه شروط قيام وزوال الدول التي هي محض شروط وضعية خالصة.
ولا بد للمرء إلا أن يتساءل، في هذا السياق، عن الموانع، والعوائق، وعن سبب عدم قيام إمبراطورية وأمة إسلامية واحدة، كما يحلم الفقهاء، إذا كان قيامها منوط فقط بشروط غيبية مع وجود ما ينوف عن مليار ونصف المليار من المسلمين، حسب إحصائيات الفقهاء، عبر العالم يوحدهم جميعاً عامل الإيمان ولماذا تتعثر بل تفشل بشكل مريع كل المحاولات لقيام مثل هذا الكيان؟ هل لأن الأمر مرهون، ويخضع لشروط وضعية، وسياسية، وإستراتيجية، ووطنية، واقتصادية وضعية محضة ولا علاقة لها بأي بعد لاهوتي أو غيبي؟ وها هي، مثلاً، دول التعاون لمجلس الخليج الفارسي، التي تتوحد دينياً، وظاهرياً، وتربطها وشائج اللغة، والتاريخ والدين، والعادات والتقاليد، وتجمعها عوامل التخلف الكثيرة المعروفة كانعدام الحريات والاستبداد الديني والعبودية والاستغلال واضطهاد المرأة وقمع الأقليات وطغيان أنموذج ونمط الحكم الأبوي المشاعي، ويتركز فيها معظم مشايخ الدين، ومنها انبعث فجر الصحوة الدعوية المبين، فهي ما زالت تتعثر في مسيرتها الوحدوية، وعجزت عن تشكيل حتى مشروع "أمة" وكيان مصغر، رغم أنها أقرب وأيسر النماذج للتوحد، وتشهد حالة منفرة ومقززة من التخلف الحضاري والاجتماعي المرعب والفظيع، رغم ثرائها الخرافي، وإعلانها الدائم عن تمسكها بتلابيب الدين، والسبب هو فقط، لأنها تخضع للشروط الوضعية الكثيرة، إياها، التي يبدو أن فقهاء الصحوة لا يعونها، ولا يلمـّون بأبجدياتها، ولا يعرفونها حق المعرفة ويجهلون أي شيء عنها، في خطابهم الغوغائي الديماغوجي الساذج المبهم الغريب.
#نضال_نعيسة (هاشتاغ)
Nedal_Naisseh#
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟