كاظم حبيب
(Kadhim Habib)
الحوار المتمدن-العدد: 793 - 2004 / 4 / 3 - 07:51
المحور:
اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
خلَّف النظام العراقي المخلوع جراحاً عميقة في إنسانية الإنسان العراقي وعمق من تلك الجراح التي كانت تنزف قبل ذاك وتقيح بعضها منذ الحكم الملكي الإقطاعي. وتوزعت هذه الجراح على جسم ونفسية الإنسان العراقي من مختلف القوميات وأتباع الديانات والمذاهب وأنصار الأفكار والفلسفات والآراء السياسية المختلفة, بل شمل أيضاً بعض قوى النظام ذاته التي تلقت بدورها الكثير من الضربات القاتلة والسياطً اللاهبة لظهورها وبات بعضها يتمنى الموت له أو "للقائد الضرورة" للخلاص من عبودية وسطوة نظامها السياسي! وتجدر هنا الإشارة إلى أن حتى بعض أبرز الجلادين كان في الفترات الأخيرة يخشي من أن يتحول في لحظة من لحظات مزاج الدكتاتور المتقلب إلى ضحية أخرى من ضحاياه التي لا تعد ولا تحصى, وبالتالي وجد طريقه إلى الإفلات من قبضته والتحول إلى صف المعارضة! ومن ينظر إلى أيدي وأصابع البعض من هؤلاء سيجد الدم ما يزال عالقاً بها يفضح دوره في نظام صدام حسين الدموي. ويحق لنا القول بأن المعاناة في العراق كانت عامة وشاملة ومديدة, إذ إنها لم تترك أحداً إلا وأصابته بطريقة ما, لأن الدكتاتورية كانت ريحاً صفراء هوجاء عمياء قاتلة.
وعندما يتفحص الإنسان تاريخ العراق الحديث وخاصة فترتي حكم البعث الأولى والثانية سيجد حقيقة صارخة هي أن الشعب الكردي, ومنه الأكراد الفيلية, قد تلقى خلال الفترات المنصرمة أشد الضربات وقدم أغلى التضحيات وكان في طليعة النضال الوطني والديمقراطي والقومي في العراق, وارتبطت قواه السياسية الوطنية مع القوى الوطنية العربية المناضلة وبقية الأقليات القومية بأواصر النضال الوطني المتين في سبيل الديمقراطية للعراق والحقوق القومية العادلة والمشروعة للشعب الكردي. وكان هذا النضال موجهاً بهدف اعتراف الحكومات العراقية المتعاقبة, وكذلك الشعب العربي في العراق وفي كل مكان, بحق الشعب الكردي في التمتع بحرية تقرير مصيره بنفسه وبعيداً عن أية وصاية تفرض عليه. ومراجعة سريعة لتاريخ العراق الحديث تشير إلى أن جميع النظم السياسية التي أقيمت في العراق منذ تأسيس الدولة العراقية قد رفضت الاعتراف بهذا الحق الطبيعي وتنكرت لحقوق الشعب العراقي في الحرية والديمقراطية والتقدم الاجتماعي. وتسبب هذا الرفض الشوفيني والاستبدادي بكوارث ومصائب كبيرة حلت بالشعب العراقي على امتداد العقود المنصرمة, وهي ما تزال تتهدد العراق ما لم يستخلص الشعب الدروس الواقعية من تاريخه الحديث والقريب.
لم تك النظم المختلفة التي عرفها العراق تتميز بالشوفينية والعنصرية فحسب, بل وبالطائفية والكره للفكر والرأي الآخر. وتبلور هذا في موقف القسم الأعظم من القوميين العراقيين على امتداد الفترات المنصرمة إزاء عرب وسط وجنوب العراق من أتباع المذهب الشيعي, إذ اعتبر القوميون الشوفينيون في العراق وفي الدول العربية بأن الشيعة, كل الشيعة, شعوبيون وأعداء ألداء للقومية العربية يريدون القضاء عليها. وهذا الموقف بحد ذاته يشكل خللاً كبيراً جداً في أسس تفكير وذهنية هؤلاء الناس الذين لا يعرفون طبيعة الشعب العراقي وينطلقون من مواقع العنصرية والطائفية المقيتة, ولهذا سلطوا إرهابهم الشديد وقسوة نظامهم الشرس على سكان الوسط والجنوب خلال فترة الحرب العراقية الإيرانية خشية خيانة الشيعة والعمل مع الحكام الإيرانيين ضد العراق. ولم يحصل بطبيعة الحال مثل هذا الأمر رغم قناعة العراقيين بأن الحرب ضد إيران كانت حرباً ظالمة وغير مبررة وبالوكالة عن الولايات المتحدة الأمريكية وكلفت الشعبين ما يقرب من 1,2 مليون إنسان, عدا الجرحى والمعوقين. وجدير بالإشارة إلى أن الأكراد الفيلية قد عانوا من النظام المخلوع بسبب أنهم أكراداً أولاً, ولكونهم شيعة ثانياً.
وكان حرياً بالعرب الذين تلقوا ضربات قاسية من النظام المخلوع أن يدركوا العوامل الكامنة وراء تلك السياسات التي مارسها النظام في العراق أولاً, وأن يتعلموا من دروس الدولة العراقية الحديثة حتى سقوط نظام صدام حسين ثانياً, وأن يبتعدوا عن ارتكاب ذات الأخطاء التي مارستها النخب الحاكمة العراقية طوال ثمانية عقود ثالثاً, وأن يعترفوا للشعب الكردي بحقوقه العادلة والمشروعة, وأن لا يتخلوا بهذه السرعة عن الوعود التي قطعوها على أنفسهم أمام الشعب الكردي وبقية قوى المعارضة العراقية عندما كانوا في صف المعارضة بشأن الاتحادية الكردستانية.
هناك بعض قوى الإسلام السياسي التي ترفض الديمقراطية وترفض الفيدرالية وترفض وجود أفكار أخرى غير الفكر الديني السلفي الواحد الذي تؤمن وتلتزم به وتريد إقامة "النظام الإسلامي" في العراق على أساس فهمها للإسلام. وهؤلاء الناس يريدون دفع العراق إلى طاحونة الموت المتبادل من جديد وهم مدفوعون من قوى خارجية مجاورة لا تريد الخير للعراق ولا لشعبه, وتخشى الديمقراطية المنشودة لهذا البلد المستباح حتى الآن من قبل قوى الإرهاب والاحتلال وميليشيات هذه القوى العلنية منها والسرية, المسلحة منها والمدنية. فهي ترتدي الأكفان إشارة واضحة إلى أنها مستعدة أن تخوض في دماء العراقيات والعراقيين في سبيل فرض هيمنتها على البلاد وإجبار المجتمع على القناعة بفكرها بغض النظر عن إرادة الإنسان العراقي وحرية اختياره. إنها لمصيبة حقاً أن يواجه المجتمع في الفترة القادمة, وهي إحدى تداعيات الحرب التي كانت معروفة حتى قبل بدء الحرب ووقوع الاحتلال, وضعاً مماثلاً لما فرضه صدام حسين في العراق طيلة 35 عاماً.
تابعت باهتمام جلسات مؤتمر المصالحة الوطنية الذي عقد في مدينة أربيل في كردستان العراق. ولاحظت بوضوح غياب تلك القوى التي بدأت تزرع الشك باليقين إزاء قضايا الحرية والديمقراطية والفيدرالية الكردستانية. ولاحظت ثلاث ظواهر سلبية لا بد من الإشارة إليها, علماً بأن عقد المؤتمر أساساً يعتبر مكسباً كبيراً وحالة إيجابية يتمنى الإنسان لها النجاح والتوفيق في تحقيق الغايات المرجوة من عقده والتي جاءت بعد نجاح ندوة الحوار العربي الكردي.
أولاً: قلة حضور أقطاب القوى السياسية المختلفة, وبشكل خاص بعض قوى الإسلام السياسي الشيعية التي كانت حتى الأمس القريب قريبة جداً من القوى الكردية والتي وافقت على الحل الفيدرالي للقضية الكردية في إطار الجمهورية العراقية.
ثانياً: بعض القوى التي ادعت العلمانية وقفت إلى جانب الحل الاتحادي, ولكنها غابت عن المؤتمر وارتمت في أحضان القوى الدينية لأنها أدركت أن لا رصيد لها في صفوف الشعب, وبالتالي راحت تحتمي بقوى الإسلام السياسي.
ثالثاً: ظهور بعض الوجوه الكالحة التي لعبت دوراً كبيراً ومميزاً في فترة حكم البعث المخلوع والتي ما تزال أصابعها ملطخة بدماء العراقيين والتي يستوجب تقديمها إلى المحاكمة وإبراز دورها الفعلي وتقديمها للمحاكمة, ومن ثم يمكن اتخاذ الموقف المناسب منها.
ولا بد من القول بأن الدعوة التي جاءت من القوى الوطنية الكردية تتجلى فيها ثلاثة أهداف مهمة:
أ?- دعوة المجتمع العراقي إلى المصالحة من قبل طرف قد تعرض أكثر من غيره لعذابات النظم السابقة, وفي هذا تأكيد على الرغبة الصادقة في المصالحة وليس في تشديد الصراع, ويفترض أن لا نؤخذ أخطاء البعض على أنها ممارسة الشعب الكردي كله, حتى لو كان في عضوية القيادات السياسية.
ب?- محاولة تفويت الفرصة على من يحاول الصيد في الماء العكر لبث الفرقة والصراع بين أطراف التحالف السياسي القائم في العراق حالياً, سواء أكان داخل مجلس الحكم أم خارجه أم على مستوى الشعب العراقي وقواه السياسية المختلفة.
ت?- إحراج تلك القوى التي كانت حتى الأمس القريب تدعو إلى حقوق الشعب الكردي, وإذا بها اليوم تتنكر لهذا الحق بغض النظر عن الأسباب الكامنة وراء ذلك, سواء أكانت داخلية أم خارجية.
والدعوة إلى المصالحة يعبر عن استفادة الأخوات والأخوة الأكراد من تجارب العقود المنصرمة وأهمية بلورة وحدة مواقف القوى السياسية العراقية التي تريد أن تضع العراق على طريق الديمقراطية والفيدرالية والتقدم الاجتماعي.
تقدم لنا جمهورية جنوب أفريقيا تجربة جديدة في المصالحة الوطنية وفي معالجة الخلافات والصراعات الداخلية. فهي لم تهمل محاسبة المسئولين عن الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب الأفريقي الأسود من جانب السكان البيض, بل قدمتهم جميعاً إلى المحاسبة والمحاكمة ثم تسامحت وأعفت عن من لم يتركب جرائم بشعة, ولكنها عاقبت من كان قد ارتكب الجرائم, مثل جرائم الأنفال والكيماوي في حلبجة أو قتل السكان في وسط وجنوب العراق والمقابر الجماعية وأجهزة الفرم الكبيرة التي كانت تفرم أجساد البشر وهم أحياء وترميها في النهر طعاماً للأسماك. وهذه الطريقة في التعامل يمكن أن تحصل في العراق أيضاً, شريطة أن يقدم هؤلاء إلى المحاكمة لمعرفة كل الحقائق وكل الجرائم التي ارتكبها النظام العراقي والذين ارتكبوا تلك الجرائم أولاً وقبل كل شيء, لكي لا تترك هذه التجربة المأساوية دون دروس ومحاسبات, خاصة ونحن نرى أن هناك قوى سياسية تريد إعادة هذه التجربة بطريقة أخرى, وتحت واجهات أخرى, ومنها الواجهات الدينية.
إن المطلوب من قوى الحركة الوطنية العراقية, سواء أكانت عربية أم كردية أم من قوميات أخرى, أن لا تعمد لأي سبب كان إلى تبييض وجوه من اسودت وجوههم بسبب أفعالهم الإجرامية بحق الشعب بحجة المصالحة الوطنية, إذ أن مثل هذه العملية ستؤثر سلباً على وعي الناس وموقفهم من ممارسة العنف والإرهاب والقتل. إن إنزال العقوبة المناسبة بمن تثبت إدانته وفق محاكمة عادلة ودستورية سيكون درساً جيداً لكل الذين تسول لهم نفسهم ممارسة ذات الأساليب بحق الشعب. وهذه المحاكمات لا تهدف إلى أخذ الثأر أو الانتقام بأي حال.
إن علينا الانتباه من الدور الذي تمارسه بعض المليشيات التابعة لقوى الإسلام السياسي في بعض المدن العراقية في الوسط والجنوب التي تمتلك مواقف للاعتقال وقضاة يمارسون الحكم بحق الناس وسجون وفرض الغرامات على الناس لأسباب مختلفة دون ترك المهمة للجهات المختصة. إن هذا النهج سيزيد من مصاعب سيادة القانون وتأمين مستلزمات المصالحة الوطنية المنشودة أيضاً. ونأمل أن تبذل كل الجهود لإيقاف قيام بعض الضحايا بإنزال العقاب بالجلادين السابقين, إذ أن هذا يتناقض مع الديمقراطية والحياة الدستورية الجديدة التي نريد ممارستها في العراق, فهي من اختصاص القضاء الديمقراطي المستقل.
يتمنى الإنسان لجهود المصالحة الوطنية كل النجاح على طريق الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات وعلى أساس العدل والقانون الديمقراطي وعدم إفلات المتهمين من العقاب الصارم على الجرائم البشعة التي ارتكبوها بحق الشعب ومستقبل أجياله والتسبب في احتلاله.
برلين في 2/4/2004 كاظم حبيب
#كاظم_حبيب (هاشتاغ)
Kadhim_Habib#
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟