مازن كم الماز
الحوار المتمدن-العدد: 2533 - 2009 / 1 / 21 - 09:06
المحور:
القضية الفلسطينية
مجزرة غزة : أيدي أوروبا ملطخة بالدماء أيضا
مئات القتلى و آلاف الجرحى , جرت التضحية بهم على مذبح التوسعية و الأصولية الصهيونية . في أوروبا يتحدث وزراء الخارجية في كل بلدان الاتحاد الأوروبي عن رد فعل "مبالغ فيه" رغم أنه "شرعي" من جانب إسرائيل , عاكسين بذلك حقيقة الوضع في عملية ستجعل من أكثر المخادعين سخرية يشعر بالفخر بجعل المعتدي , دولة إسرائيل , يبدو على أنه الضحية .
يستمرون بالتظاهر أنهم لا يتذكرون أن غزة – و هي واحدة من أكثر المناطق اكتظاظا بالسكان مع حوالي 1,5 مليون ساكن , نصفهم تقريبا من الأطفال – كانت عرضة لحصار كامل لسنوات , حصار شمل الأدوية و المواد الأساسية الضرورية و الذي دعمه كل العالم "المتحضر" الغربي , حصار فرضته إسرائيل و معها الغرب نتيجة لانتصار حماس في الانتخابات , بفضل نظام انتخابي مختلط للأغلبية و التمثيل النسبي . تماما كما يتظاهرون بنسيان أن حماس كانت تمول ذات يوم من دولة إسرائيل كطريقة لضرب منظمة التحرير الفلسطينية .
رغم 6 شهور من الهدنة لم يتم تخفيف الحصار و لو بعض الشيء و لم تقترح أي من القوى الأوروبية حتى تخفيفه بشكل جبان . عادت إسرائيل إلى إستراتيجيتها في السيطرة العسكرية على غزة و الضفة الغربية . كل أوروبا , ما عدا البيانات المنافقة عن الرغبة في السلام , تنسى بشكل منهجي أن تقول أنه لستين عاما كانت إسرائيل تنتهك عدد لا يحصى من قرارات الأمم المتحدة و تواصل احتلال المناطق عسكريا , و أن المستوطنات الإسرائيلية تنتشر في كل الأرض الفلسطينية يوما بعد يوم , و أنها تبني الجدران التي تعزل قرى بأكملها و تمنع ملايين اللاجئين من العودة إلى أراضيهم مقتلعة بساتين الزيتون من جذورها و قاتلة المواشي , يوما بعد يوم و هي تذل كل من يحاول عبور جدران الفصل ليذهبوا إلى عملهم , إلى المستشفى أو إلى المدرسة .
و ليس هذا فقط : لقد أخفوا حقيقة أن الهدنة قد جرى انتهاكها من قبل دولة إسرائيل في الرابع من نوفمبر تشرين الثاني 2008 عندما قتل جيشها مقاتلا من حماس يبلغ 22 سنة .
لكن ما عدا البيانات المنافقة المزيفة إلى التهدئة , ما هو سبب هذا الدعم غير المشروط لدولة عدوانية مثيرة للحروب من قبل كل قوة أوروبية رئيسية ؟
فيما يتعلق بالولايات المتحدة لا يوجد شك , إلى جانب التحالف الإستراتيجي و الإقليمي الهام الذي تمثله إسرائيل للإمبريالية الأمريكية في الشرق الأوسط , يتعين عليها أيضا أن تتعامل مع اللوبي الأمريكي المناصر لإسرائيل , القوي بما فيه الكفاية ليمارس تأثيرا قويا على السياسة الأمريكية الخارجية , و ما يحدث اليوم يأتي كتحذير واضح للرئيس المنتخب , أوباما .
استعادت أوروبا جزئيا وحدتها في مجال السياسة الخارجية و هي ربما تلعب ورقة الدبلوماسية النشطة لكي تقوي دورها في المتوسط و تحذر الولايات المتحدة أنها لا يمكنها أن تعمل منفردة في منطقة بحرنا ( 1 ) . لكن يجب على المرء ألا ينسى مبيعات الأسلحة , منطقة فيها الدول مستعدة لإخفاء الحقيقة تحت ستار من "أسرار الدولة" و تقوم بدعم الطلبات من الشركات التي تنتج الأسلحة و تدعم الأنظمة . و هذه الشركات لا تداور أبدا . إنها سعيدة جدا ببيعها السلاح للأطراف المتصارعة , طالما كانوا يدفعون في مقابلها . إيطاليا على سبيل المثال واحدة من أكبر موردات السلاح لإيران و لبنان , لكنها تصدر تكنولوجيا السلاح أيضا للجيش الإسرائيلي من خلال شركات مثل أوتو – ميلار , بريتا , بورليتي , و سيلينا . و تفعل بقية دول الاتحاد الأوروبي نفس الشيء .
تستخدم فلسطين بشكل ساخر كأرض لتجربة التكنولوجيات الجديدة القاتلة المتخصصة بشكل متزايد في "حرب المدن" و التي تهتم كل شركة سلاح بها : من الشركات الأمريكية و الإسرائيلية إلى الانكليزية , الفرنسية , الألمانية , الإيطالية , و هكذا .
هكذا في الأرض المعذبة حيث تسحق ألعاب حرب الأقوياء الرجال , النساء و الأطفال , لا يبدو أمامها أي مستقبل , أسلحة جديدة تختبر , من القنابل العنقودية إلى قذائف اليورانيوم المنضب , فعالية الطائرات دون طيار – القادرة على إطلاق صواريخ موجهة عن بعد – تدرس , دبابات أشتزاريت القادرة على تحمل الألغام الأرضية تجرب , عربات نمر المدرعة بمحركات كونتيننتال موتورز ( الولايات المتحدة ) أو م يو ت ( ألمانيا ) تختبر , و أيضا فعالية الأجهزة المتطورة مثل أنظمة الحماية الإضافية الإيطالية و الأبراج الموجهة عن بعد المحمولة على عربات بوما المدرعة , و أجهزة الحرب المستقبلية الآلية لألينيا مثل سكاي – إكس , أول منظومة في العالم قادرة على إعادة تزويد الطائرات من دون طيار بالوقود أثناء الطيران .
كل هذا على أكتاف شعب استخدم دوما في الصراعات بين دول و أخرى , و بشكل يبعث على السخرية حتى في النزاعات السياسية بين الفرقاء الداخليين لدولة واحدة , كما في حالة المكائد السياسية المرتبطة بالنزاع الانتخابي سواء داخل الائتلاف الحاكم بين هاوكيش كاديما , المسؤول عن بعض أكثر الأفعال تطرفا مثل إخلاء القطاع الذي اقترحه عضو الكنيست يسرائيل هاسون – من جهة و حمائم حزب العمل , الذين يفضلون مقاربة محسوبة أكثر , من الجهة الأخرى , و بين كاديما و صقور الليكود المتشددين , الذين يتوجهون أكثر فأكثر نحو مواقف متصلبة جدا .
إننا لا نتوقع أي شيء من الدول العربية و - أو الإسلامية بالتأكيد , فهي مقسمة كما هي و منهمكة في تقوية هيبتها و نفوذها في المنطقة , و لو كان ذك على حساب الشعب الفلسطيني , مثل حالة إيران , التي تستخدم المأساة الفلسطينية لتعلن نفسها السد الوحيد في وجه الإمبريالية الأمريكية المكروهة و تنصب نفسها القوة الصاعدة في المنطقة .
لكن خلف هذا التخمين السياسي العالمي , يبدو وضع السكان الفلسطينيين اليوم قاسيا , مع القليل فقط من احتمالات التوصل إلى حل يمكن أن يعطيهم فرصة ليعيشوا حتى بالحد الأدنى من الكرامة , سواء من زاوية الأمان الاجتماعي و من زاوية ضمان احترام الحقوق الأدنى للبقاء .
اليوم قد تكون الضمانة الوحيدة ليجد الشعب الفلسطيني ربما , و بأسرع ما يمكن , حتى درجة دنيا من الراحة و السلام هي في أن يتوصل القتلة من كل الأشكال و كل الأحجام – الذين يتزاحمون على حدودهم , أو ينخرطون في مضاربات سياسية داخلها – إلى توازن جديد غير مستقر .
الفرصة الوحيدة الممكنة للانعتاق التي يمكننا أن نلمحها في المستقبل القريب هي في نمو و انتشار نوع من التنظيم الذاتي الذي يمكن أن تمارسه القرى الفلسطينية , بتشجيع من التضامن بين اللجان الشعبية الفلسطينية و مبادرات مثل أناركيون ضد الجدار , التي تشمل الأممين من كل العالم و الإسرائيليين المعادين للصهيونية , الذين يحاربون غطرسة المستوطنين الإسرائيليين و الجيش الذين يدعمهم باستخدام مقاومة سلمية أساسا . و ليس من المصادفة أنه في هذه القرى قد اختير طريق آخر و ليست عسكرة حماس .
كأناركيين و تحرريين يؤمنون بالصراع الطبقي سنستمر بإدانة الاستيطان الصهيوني كما سندين كل أشكال الإمبريالية و الأصولية التي تقمع حرية و كرامة كل شعب , سنستمر بإدانة حقيقة أن الضربات الكبرى لمعاناة البروليتاريا العالمية تحت الاضطهاد و البؤس التي تنتج عن النزاعات داخل الإمبريالية و الألعاب السياسية البائسة للأوليغاركيات المحلية القوية التي تستخدم بدورها , عن علم أو لا , كمخالب لرقعة الشطرنج العالمية للنزاعات الإمبريالية , ملطخة بدماء البروليتاريا .
سنستمر بدعم النضالات و أعمال التضامن مع الشعب الفلسطيني , داعمين كل تلك المظاهر الجنينية لتقرير المصير التي ترمز إليها نضالات قرى بأكملها في فلسطين , مقتنعين أنهم فقط إذا تمكنوا من تحرير أنفسهم من التأثيرات الشريرة لكل الأوليغاركيات الدولتية أو نظيرتها يمكن عندها لرجال و نساء الشغيلة أن يأملوا بحياة أكثر كرامة .
2 يناير كانون الثاني 2009
الفيدرالية الشيوعية الأناركية ( إيطاليا )
جبهة زابالازا الأناركية الشيوعية ( جنوب أفريقيا )
القضية المشتركة ( أونتاريو , كندا )
أعضاء أناركيون ض الجدار ( إسرائيل )
البديل التحرري ( فرنسا )
( 1 ) حرفيا "بحرنا" , التي استخدمها الرومان في عهد الإمبراطورية عند الإشارة إلى البحر المتوسط . الاقتراح هو أن القوى الأوروبية المعاصرة تريد السيطرة على المتوسط كما فعل الرومان قبل 2000 سنة .
نقلا عن http://www.anarkismo.net/11133
#مازن_كم_الماز (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟