مازن كم الماز
الحوار المتمدن-العدد: 2520 - 2009 / 1 / 8 - 09:53
المحور:
القضية الفلسطينية
ليست القضية في الإصرار على خلق طريق ثالث لمجرد الاختلاف الفكري و السياسي مع الخطابات السائدة الموجودة , أي بغرض تسجيل موقف أو بغرض المناكفة السياسية و الفكرية للخصوم , بل في وجود حاجة جدية حقيقية لهذا الطريق الثالث , و هي يفترض ألا تكون أيضا حاجة نخبوية أو مجرد حاجة ممكنة أو حاجة فكرية مجردة مثلا , بل حاجة تقوم أساسا على البشر , على واقعهم , على حاجاتهم الفعلية , و على آمالهم بالحرية و بعالم أفضل..يجب التأكيد هنا أن القضية قد طرحت منذ وقت طويل على هذا الشكل : المقاومة أو الاستسلام ؟ كان من الواضح أن المقصود بالمقاومة هنا هو الاستمرار في النضال المشترك العام بكل أشكاله نحو تحقيق دولة فلسطينية مستقلة , انتهى الجدل داخل فصائل المنظمة إلى القبول بقيامها في الضفة و القطاع , و بعدها يمكن للخلافات الإيديولوجية أن تحدد من سيتولى السلطة و سياساتها و اتجاهاتها و حتى شكلها في هذه الدولة الفلسطينية المستقلة..كان البديل الذي اعتبرته القوى السائدة في المنظمة – البيروقراطية الحاكمة مع تحالفاتها الطبقية الداخلية – الطريق الوحيد تارة و الرئيسي تارة أخرى نحو هذا الهدف , أي قيام الدولة الفلسطينية المستقلة , و هو خيار المفاوضات إلى ما لا نهاية على حساب خيار مقاومة الاحتلال , قد دخل مأزقا مستفحلا في السنوات الثلاثة الأخيرة من قيادة عرفات للمنظمة و للسلطة الوطنية , لم يكن من الممكن التغلب عليه لا باقتحام الضفة و لا حصار عرفات في المقاطعة من قبل الجميع خاصة النظام العربي الرسمي كمقدمة لشطبه الهادئ , فقط غياب عرفات الجسدي فتح الطريق أمام معاودة المفاوضات إلى ما لا نهاية وسط الدمار و القتل و الإذلال و بناء المستوطنات و الجدار الفاصل و تهويد القدس وسط دعم من النظام العالمي الذي تقوده القوى الإمبريالية و من النظام العربي الرسمي الشريك المباشر و القزم في كل هذا , بقصد التحضير لفرض شكل من المعازل البانتوستانات على أنها تلك الدولة الموعودة بتشجيع و رعاية مباشرة من هذه القوى..هذا يعني فرض الاستسلام النهائي على الفلسطينيين..لكننا بالمقابل لا نعتقد أن الفلسطينيين يموتون اليوم , كما ترى حماس و القوى القومية و الإسلامية مثلا , في سبيل فكرة , انتصار فكرة , أو انتصار عقيدة ما , و بالملايين بشكل يبدو فيه أنها تكاد لا تساوي شيئا فيما تنحصر كل القضية في أولوية هذه الدوغما أو العقيدة أو تلك , على العكس تماما , إن الناس هنا يقاتلون قوى غاشمة دفاعا عن عالمهم , عن حقهم في عالم أفضل , في حياة أفضل , و عن حريتهم , هذا سيعني بالضرورة سقوط ضحايا , خاصة مع وجود عدو دموي بهذه الدرجة و تواطؤ عربي و عالمي على هذه الدرجة , لكن جوهر القضية هم هؤلاء البشر أنفسهم , الأرض هنا هي امتداد أو جزء طبيعي من هذا الوجود , و ليست جوهر هذا الوجود , نفس الشيء ينطبق على الهوية الثقافية و الحضارية للناس , إنها جميعا جزء من هذا الوجود يستمد أهميته من محاولة الفكر الفاشي الصهيوني إلغاء هذه الهوية كشرط أساسي لتثبيت شرعية مشروعه الاستيطاني لكنها ليست جوهر هذا الوجود نفسه , جوهر القضية هم البشر أنفسهم , و هذا التحديد للقضية و الإصرار على مركزية الإنسان الفلسطيني أولا و أخيرا , يفترض بالنتيجة أهدافه و وسائله النضالية , إن الهدف الفعلي هنا يجب ألا يكون استنساخ نظام فلسطيني على شاكلة الأنظمة العربية البيروقراطية التي يخضع فيها البشر , حياتهم و عملهم و آمالهم , لأقلية متنفذة تحكمهم بالحديد و النار و الخداع , حتى لو كانت من أبناء جلدتهم , و حتى لو نصبت نفسها وصية على تلك الفكرة أو العقيدة , و أخذت تمارس قمعا منفلتا ضد الناس باسم هذه العقيدة , إن المطلوب هو إقامة سلطة شعبية مباشرة ديمقراطية يتحكم فيها البشر أنفسهم بحياتهم دون امتيازات مزعومة تدعيها أية أقلية مهما كانت , هذا هو الشكل الوحيد الذي سيعني حرية الناس و حياة أفضل يعيشونها , لا أية ديكتاتورية تفرض على الناس وفقا لأية دوغما مهما تكن..هنا تبدو المشاركة في "العملية السياسية" لأوسلو التي تهدف في نهاية المطاف إلى تبرير الاحتلال و تأبيده عبر شكل من البانتوستانات التي تعلن كدولة فلسطينية أو العمل تحت سلطة بيروقراطية السلطة الفاسدة و المرتبطة بهذا المشروع لا معنى له ( إذا اخترنا وصفا مخففا ) بالنسبة لقضية الناس الفلسطينيين العاديين أنفسهم , بعيدا عن المنافع الخاصة للنخب التي تبحث عن موقع لها في النظام القادم أو شكله الجنيني الحالي , أما المقاومة التي تقوم أساسا على شكل ميليشيوي فوق الجماهير و مرتبط بعمق مع المشاريع و الخطابات العقيدية الدوغمائية للمنظمات المختلفة فهي أيضا تبرير لوصاية أقلية , نخبة ما , على الشعب باسم هذه الدوغما أو تلك , هذه إما مشروع ديكتاتوريات قادمة أو قائمة بالفعل كما شاهدنا في غزة قبل بداية الحرب حيث وجهت قوة حماس العسكرية ضد النخب المنافسة و ضد الأقليات المخالفة , و كانت هي أساس استمرار حماس بالسيطرة على القطاع حيث حكمت حماس مباشرة "كممثلة" عن الناس الذين استمر تهميشهم كما كان الحال دوما و طلب منهم "وضع ثقتهم" بالسادة الجدد كرافعين أساسيين أو وحيدين للمقاومة هذه المرة و الاكتفاء بموقف المتفرج و انتظار رد الميليشيات التي تربيها حماس و غيرها كأساس لسلطتها الفعلية أو الموعودة و بتلقي الصواريخ الإسرائيلية القاتلة و الصبر..في الحقيقة هذا الكلام , خلافا للكثير من الخطابات الرائجة اليوم بين الليبراليين العرب , لا يراد منه الوقوف إلى جانب أنظمة العار و الاستهتار بحياة شعوبها ناهيك عن حياة الفلسطينيين , و لا تبرير قتل و تجويع ملايين الفقراء باسم الاعتدال و لا حتى مواجهة الأصولية أو الإرهاب بالتعريف الأمريكي – الإسرائيلي , إنه ينصب على البشر , ضحايا قذائف القتلة و أحادية دوغما المقاومين و رغبتهم بإقامة ديكتاتوريات لا مكان للإنسان فيها أمام أولوية الدوغما أو العقيدة التي تتولاها نخبة أو أقلية فوق الناس و على حساب حياتهم وحريتهم , إنها لا تكترث , و لا تبرر و لا تريد أن تدعو الناس للخضوع , لا لبوش و لا لأمريكا و لا لدوغما تزعم أنها علمانية تريد أن تصبح مبررا لقمع جديد لقهر جديد لديكتاتوريات قائمة أو قادمة , و لا للنظام العربي الرسمي الذي تتهاوى شرعية استبداده بحياة البشر في منطقتنا تحت ضربات الدبابات و الطائرات الإسرائيلية , بل تكترث فقط بالفقراء العاديين , حريتهم , حياتهم , طريقهم نحو عالم أفضل , إن الهدف الذي يصوغه اليسار التحرري ليس الدعوة إلى اختيار سادة جيدين من بين السادة القائمين أو المحتملين بل أن يصبح البشر أنفسهم هم سادة حياتهم , سادة أنفسهم , أن يجري استبدال النظام الفصائلي الميليشيوي لحكم البشر سواء في رام الله أو غزة بمؤسسات شعبية ديمقراطية قاعدية لا تشترط لا العلمانية و لا التدين لإقامتها أو للمشاركة فيها بكل حرية و بكامل الأهلية , لا داعي لتحريم أية دوغما ما دام هناك بشر يؤمنون بها , القضية هي أن هذه الدوغما أو العقائد , مهما تكن , دينية أو تدعي العلمانية , لن تكون مبررا أو أساسا لامتيازات اصطناعية تنسب إلى هذه الأقلية أو تلك , ستكون الحرية الكاملة للجميع و المساواة الكاملة بين الجميع هي القاعدة هنا , هذا الهدف سيصطدم بالضرورة مع الاحتلال الذي يريد اليوم فرض استسلام غير مشروط على الشعب الفلسطيني , لا ريب أن المقاومة المسلحة ضرورية هنا , لكن المقاومة الشعبية , مقاومة كل البشر أصحاب المصلحة في حريتهم و في عالم أفضل , هي الأساس , مقاومة ديمقراطية تقوم على أوسع حوار و نقاش و مشاركة شعبية , إن انتفاضة ثالثة شعبية تؤسس لشبكة قاعدية من هذه المؤسسات التي تقوم على الديمقراطية المباشرة ستستعيد قضية حرية الملايين من أيدي الفصائل الميليشيوية و تضعها من جديد في أيدي الجماهير الثائرة..اليسار التقليدي هنا محشور بين سلطة رام الله و غزة , بعضه يخاصم حماس , على الأغلب , أو رام الله , في أحيان أقل بكثير , لأسبابه الخاصة , و ينخرط بجد في عمل المؤسسات الفوقية الفاسدة للمنظمة , التي تستدعى فقط لمنح بعض الشرعية الإضافية لسلطة رام الله بين وقت و آخر و خاصة لتمرير القرارات غير الشعبية لهذه السلطة , أو في البحث عن حل توفيقي مرة أخرى , أي على شاكلة ما كان يجري أثناء فترة قيادة عرفات للمنظمة , بين حماس و السلطة , لكنه حل وسط مستحيل دون هزيمة طرف ما بشكل نهائي و حاسم ,هذا اليسار التقليدي يقوم بالمناسبة وفق هيكلية تنظيمية تراتبية هرمية صارمة تتبع فيه القاعدة للقيادة بشكل يقوم على أساس الولاءات و تفوض فيه هذه القيادات , التي أصبحت هي أيضا تسمى تاريخية ككل شيء عتيق قادر على الاستمرار طويلا دون نقد جدي من جهة و دون إنجازات من جهة أخرى بعيدا عن السمع و الطاعة من القواعد في عالمنا , برسم ما تريده مع موافقة القاعدة المسبقة على أي شيء تقرره و تبرير و ترويج تلك السياسات على أنها مطلقة الصحة مثل قادتها دون نقاشها أو حتى نقدها , بحيث يحتاج تبديل أمين عام مثلا إلى جهد هائل من العمل داخل هذه النخبة الحاكمة للتنظيم , هذا نموذج مصغر دقيق عن هيكلية الأنظمة الاستبدادية التي تحكمنا بالفعل و عن القوى التي تنتظر أن تحكمنا بنفس الطريقة و إن وفق مبررات مختلفة , إن القضية اليوم في حال أراد هذا اليسار أن يلعب دور طريق ثالث , بعيدا عن الانخراط شبه الكامل في تبرير سلطة رام الله أو الترويج لها كسلطة "وطنية" فوق الشعب الفلسطيني , أو ممارسة المقاومة كمجرد شريك صغير في مقاومة حماس في سياق مقاومة تعد الناس لديكتاتوريات جديدة كبديل عن السلطة الفاسدة التي تنهار شرعيتها مع ضربات شريكها في المفاوضات : الأمريكي الإسرائيلي – العربي الرسمي على الجوعى في غزة , هي في استبدالها بتنظيمات ديمقراطية فعلية تتشكل من القاعدة نحو الأعلى , تتبع فيه القيادة القواعد و تخضع للنقاش الحر و تبادل الآراء في هذه القواعد التي ترسم في نهاية المطاف سياسات هذه التنظيمات و تنفذها و تدافع عنها و تضحي في سبيلها بعيدا عن الأشكال الميليشيوية السائدة كنموذج يحمل داخله جنين البديل الذي يناضل في سبيله و كشكل وحيد ممكن لتعبئة الناس للدفاع عن حريتهم و حياتهم..البديل هو حرية الناس , كجوهر للقضية , كهدف وحيد للمقاومة , و عبر مؤسسات ديمقراطية فعلا , تقوم على البشر أنفسهم , يمارس من خلالها هؤلاء البشر سلطتهم على واقعهم وعلى حياتهم و على نضالهم ضد الاحتلال و عملائه.............
#مازن_كم_الماز (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟