صادق إطيمش
الحوار المتمدن-العدد: 2506 - 2008 / 12 / 25 - 10:06
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
قبل التطرق إلى ما يعيشه شعبنا في العراق اليوم ومنذ سقوط البعثفاشية المقيتة وتبلور الجو الطائفي الذي أخرج إلى الساحة السياسية العراقية الإسلام السياسي بشقيه الشيعي والسني وتسلطه على مقدرات الشعب العراقي ، يجدر بنا التعرف على مفصل هام آخر من مفاصل التناقض في فكر هذا التيار ، المفصل الذي أراد به الإسلام السياسي إعادة الخلافة الإسلامية ، حيث حاول جعل العراق كمنطلق لها .
لقد إرتبط شعار : ألإسلام هو الحل ، بشعار العودة إلى الخلافة ألإسلامية وتجديد دور الخلافة كأسلوب للحكم . لا نريد هنا أن نناقش مدى تخلف هذا الطرح وابتعاده عن الواقع الذي يعيشه العالم أجمع وتناقضه حتى مع واقع المجتمعات الإسلامية . إلا اننا نرى ان الدعوة إلى تجديد الخلافة الإسلامية تتشعب باتجاهات عديدة وتطرح كثيراً من الأسئلة التي يصمت أزاءها منظرو الإسلام السياسي . ومن هذه الأسئلة مثلاً تلك التي تدور حول شخصية الخليفة ، مذهبه وقوميته ، وما هي مؤهلاته ، ومَن يقوم على تنصيبه ، ما هو دور الشورى القرآني في ذلك وكيف يمكن تحقيقه ومن هم أهل الشورى .....؟؟؟ والكثير الكثير من الأسئلة ألأخرى التي لا يجد لها الإسلام السياسي جواباً ، بل يرفعها كشعارات براقة لا علاقة لها بالواقع المُعاش في المجتمعات الإسلامية ، فيظل يصرخ بشعاره هذا دون التطرق إلى ماهيته .
، إن ما يعيشه وطننا اليوم يقودنا إلى الإعتقاد بأن هذا التيار يسعى لإستغلال المبادئ الإسلامية . إذ قاد هذا الإستغلال إلى تفرقة المجتمع وليس إلى وحدته ، كما يدّعي السيادينيون .
لقد رافق ظهور الإسلام السياسي وسيطرته على مقدرات الشعب والوطن ظهور الولاء للمذهب والحزب والعشيرة دون الوطن الذي لا تعترف به أكثر فصائل الإسلام السياسي ، وذلك بسبب تبنيها مبدأ الإمة الإسلامية ، هذا المبدأ الذي يذوب فيه الوطن وتختفي فيه المواطنة . إن الولاء للوطن ، الذي يتنكر له الإسلام السياسي ، يعني سيادة القانون ، حيث يحترم المواطن قانون وطنه الذي يعيش ويتربى ويترعرع ويشب فيه . وهذا يعني بدوره أن الولاء للوطن اولاً ، وليس لغير الوطن ، يقود إلى تبني القضايا الوطنية والنضال في سبيلها قبل كل شيئ ، خاصة إذا ما تعلق هذا النضال الوطني بالتحرر والديمقراطية والرفاه الإجتماعي والخدمات العامة . فإذا إضطرب الولاء الوطني ، إضطربت معه شرعية القوانين الوطنية وحلت محلها شرعية ألإنتماء الفئوي والمذهبي والعشائري ، هذا الولاء الذي يضرب بأطنابه اليوم في وطننا العراق ويُفرَض بالقوة على أهلنا.
فخطاب الإسلام السياسي خطاب خطر على مستقبل الوطن وعلى إمكانيات تقدمه ومسيرته ضمن المسيرة العالمية التي تزداد سرعة وتطوراً كل يوم ولا مجال فيها للمتقاعسين او المتخلفين . فكيف يمكننا تجاوز كل ذلك والإنتفاع بكل ما يملكه وطننا وما يمتاز به شعبنا من طاقات وإمكانيات يمكن توظيفها لصالح المسيرة البشرية فعلاً وعدم الإستمرار على إجترار أحلام الماضي ، هذا الإجترار الذي لم نتوقف عنه منذ مئات السنين..؟؟
هذه بعض الأفكار التي قد تشكل جزءً من الوسائل التي يمكن بواسطتها إنتشال الوطن من غياهب ما هو فيه الآن.
** التصدي للخطاب الديني أينما وُجد وذلك من خلال التعامل معه شكلاً ومضموناً عبر مقارعته من خلال طروحاته بالذات وليس عبر طروحات غريبة عنه قد لا يفهم معناها ولا يهضم محتواها أصلاً . إن مثل هذا التصدي يتطلب الوقوف على كل ما يطرحه هذا الخطاب على الشارع العراقي والذي قد يقود إلى إنقياد البسطاء من الناس نحوه ، والإطلاع على حيثيات هذا الخطاب ومصادره ووضع كل ذلك على محك الواقع العملي ، إنطلاقاً من الوضع الحقيقي الذي يعيشه المواطن العراقي ، وليس من غيبيات الفكر السياديني.
** نشر الصراع الفكري مع الإسلام السياسي على المستوى الشعبي وعدم إختصاره على نقاش النُخب ومجالس الأندية . إن الشارع الشعبي يجب أن يكون حلبة الصراع بين خطاب الإسلام السياسي التمويهي المُضلل للجماهير البسيطة باسم الدين وبين القوى الساعية إلى إبعاد الدين والناس سوية عن مثل هذا الخطاب الذي لا يؤدي سلوكه إلى خير الإثنين معاً .
** ولجعل الشارع الموقع الأساسي والفعلي لرفض هذا الخطاب يجب توحيد الخطاب المعارض ، خطاب القوى والأحزاب والتيارات ومنظمات المجتمع المدني وكل التجمعات المؤمنة بحرية الفكر والعقيدة واحترام حقوق الإنسان. إن مجموع هذه التيارات سيشكل ، فيما توحدت فعلاً لتحقيق هذا الهدف ، زخماً جماهيرياً كفيلا بردع توجهات السيادينيون من خلال خطابهم الذي سيتكفل إجماع القوى المتصدية له من تعريته أما الجماهير وبالتالي إفشال مشاريعه التضليلية .
** تتوجه طروحات الإسلام السياسي للوقوف ضد تطلعات وأماني نصف المجتمع في كافة المجتمعات الإسلامية ، حينما يعلن مراراً وتكراراً وعبر جميع منابره الإنتقاص من المرأة ومعاملتها كإنسان ناقص وعلى مراتب دنيا من الرجل . إن هذا الخطاب يناقض نفسه بنفسه في هذا المجال حينما يضطر مجبراً ضمن نفاقه السياسي أن يتجرع مرارة القبول بوجود المرأة إلى جانب الرجل حينما تفرض عليه بعض الظروف السياسية ذلك ، إلا انه يتنكر لكل ذلك حينما تلوح به ادنى فرصة لتثبيت أفكاره السوداء حول المرأة ودورها في المجتمع. وهنا ينبغي التصدي لهذا الفكر الذي يتبناه الإسلام السياسي ضد المرأة التي أصبحت اليوم في موقع لا يستطيع أي مجتمع يسعى إلى التقدم والرقي الإستغناء عنه . ومن هنا يبرز دور المنظمات النسائية الساعية للنضال الحق من أجل حقوق المرأة وتطلعاتها في الحياة الحرة الكريمة المساوية للرجل والعاملة بصدق على كبح جماح التوجهات المتخلفة ضد المرأة والتي يُروج لها فكر الإسلام السياسي
** المطالبة والإلحاح والعمل غلى برمجة المناهج الدراسية بالشكل الذي يوفر إعداد الطالبات والطلاب إعداداً علمياً رصيناً اساسه حرية الفكر واحترام الإنسان ومتابعة العلم والبحث العلمي . إن كل ذلك سيتحقق فعلاً لو إحتوت المناهج التعليمية درس الفلسفة ضمن براممجها لكافة المراحل الدراسية على إختلاف مستوياتها ومنذ سنينها ألأولى ، العلوم الفلسفية التي تفسح المجال للوقوف على الفكر الذي يتجه لوضع العامل الجدلي ضمن برامجها الدراسية ، حيث سيقود ذلك إلى تنمية روح التقصي والبحث عن السبب والمسبب لدى الدارس . إن هذا النوع من الدرس المدرسي والجامعي سيخلق أجيالا تُحلل وتُعلل ولا تحفظ عن ظهر قلب دون أن يفقه الطالب تماماً ما يُراد به وله من ذلك .
** ألإهتمام بالإنسان البسيط المتعلق بدينه تعلقاً فطرياً وعدم تركه لإستغلال تجار الدين ، تماماً كما يستغل تاجر السوق المتمرس بتجارته وبكل ما يملكه من أساليب الخداع والمراوغة ، الزبون البسيط الذي يقع فريسة أقوال هذا التاجر المعسولة التي لا تستند على الحقيقة والواقع . يبرز هذا ألإهتمام من خلال تبني إحتياجات هذا الإنسان إقتصادياً وثقافياً واجتماعياً ودينياً أيضاً لتتوفر له الإمكانيات بحيث يكون على بينة من أمره في كل مجال من هذه المجالات
** إشاعة روح ثقافة الحوار كبديل أساسي عن سياسة الإرهاب والإقتتال في حميع العلاقات التي تسود المجتمع وعلى جميع المستويات الشعبية والعلمية والمؤسساتية. الحوار الذي يتبنى الدفاع عن فكر الغير وحريته ، حتى وإن كان هذا الغير على طرفي نقيض من الفكر المقابل . الحوار الذي يتسع لجميع القوميات والأديان والملل التي تشترك في الحياة الإجتماعية ، دون النظر إلى الأقلية والأكثرية ، إذا ادى إستعمال وتوظيف هذه المفاهيم لتجاهل حقوق الإنسان في المجتمع ، إن كان هذا الإنسان فرداً واحدا أو شعباً بأكمله .
هذه الأفكار وأفكار أخرى كثيرة لم يرد ذكرها في هذا المجال ينبغي تفعيلها لتصب فيما نصبوا إليه بتحقيق آمال وتطلعات الجماهير الشعبية التي جرى إستغلالها باسم الدين على مدى العصور.
الدكتور صادق إطيمش
#صادق_إطيمش (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟