مهدي بندق
الحوار المتمدن-العدد: 2498 - 2008 / 12 / 17 - 08:38
المحور:
حقوق الانسان
منذ وقعت مصر معاهدة سلام مع إسرائيل في عام 1979 والأخيرة لم تتوقف يوما ً عن الشكوى : هذا سلام بارد ! أحزاب المعارضة تمقتنا ! طلاب الجامعات المصرية يتظاهرون ضدنا كلما أردنا تأديب الفلسطينيين ! الأخوان المسلمون يستدعون تذكارات خيبر ! الجنرال" فاروق حسني منحاز إلي ضباطه الثقافيين الرافضين لرؤيتنا الإستراتيجية !
لمن ُ ترفع تلك الشكايات ؟ للدولة المصرية ؟ للمجتمع الدولي ؟ لسجل الحضارة ؟ ليكن حق لكائن من كان أن يشكو ، ولكن إذا كان المتكلم مجنونا ً فليعقل السامع . مصر الدولة ، يكفيها أن قبلت بالعلاقات الدبلوماسية وتبادلت وإسرائيل السفراء ، وهي- مثل كل الدول - ليست مسئولة عن دفء أو برودة السلام مع هذه الدولة أو تلك إلا بمقدار ما تنحو إليه تلك الدولة من غايات ووسائل . المجتمع الدولي بدوره ليس مكتبا ً وظيفته إشعال نار الغرام بين دولتين تتبادلان الارتياب فيما بينهما، لأسباب تاريخية ، يكفيه أن يلتزم كل طرف بما تعهد به " رسميا ً " من نبذ الحرب أو التهديد بها في مواجهة الطرف الأخر .
يبقي ثالث المستمعين : سجل الحضارة ، وهو ما يحتاج إلي أوراق ووثائق صحيحة لا زائفة ، ليصدر حكمه العادل . وفي هذا السياق يمكن لطلاب الجامعات و للأحزاب المصرية المعارضة ، وللأخوان المسلمين " الراديكاليين " ولفاروق حسني الفنان والوزير ، أن يدلوا بدلائهم .
يرى الطلاب على شاشات التلفاز دوريا ً جنود الإحتلال يقتلون الفلسطينيين العزل ، يهدمون منازلهم ، يقتلعون أشجار زيتونهم ، ويفصلون بينهم وبين عائلاتهم بقلاع الأسمنت المسلح، بل ويفرضون حصار التجويع على مليون ونصف المليون من البشر بذريعة القضاء على الإرهاب ! يرى الطلاب ( وهم شباب مثالي ّ التفكير ) ذلك كله ، فينتفضون غضبا ً .. يهتفون بالضد على المعتدي و يحرقون علمه في مشاهد صاخبة ، فمن ذا الذي يمكنه أن يلومهم ؟!
الأحزاب المعارضة – وهي أكثر وعيا ً بالطبع من الشباب – تستخلص من ممارسات إسرائيل السياسية في ربوع المنطقة دلالات لا تبشر بالخير : حرصها على أن تكون الدولة الوحيدة المالكة لأسلحة الدمار الشامل ، استمرار احتلالها لأجزاء من أراضي جيرانها سوريا ولبنان ، فضلا عن معظم الأراضي الفلسطينية ، مؤامراتها التي لا تتوقف عن تصدير مشكلة اللاجئين إلي العرب، وإغواء نصف أهالي غزة (المتأثرين بشعارات حماس الثيوقراطية) بالنزوح إلي سيناء ، ليكونوا ركيزة أيديولوجية لتصفية الدولة المدنية في مصر . فكيف تلام هذه الأحزاب المصرية على نفورها من نظائرها أحزاب إسرائيل حاكمة كانت أم معارضة ، تلك التي طالما تبنت نفس الإستراتيجية ؟!
فيما يتعلق بالإخوان المسلمين – وهم جماعة سياسية حلمها بعث أمجاد الإسلام – يمكن للمرء أن يتفهم سر عدائهم لدولة تأسست بداية ً على حلم لليهود قديم ، بشّرتهم به التوراة ُ ( من الفرات إلى النيل أرضك يا إسرائيل ) وفي الجانب العربي تقف المذابح والمنافى والآلام ، طوال القرن الماضي شاهدا ً على المعاناة الفظيعة التي عاينها"المسلمون" خلال المرحلة الأولى من مراحل تنفيذ هذا الوعد التوراتي ! بالمقابل لا يستطيع مخلوق أن يغري الإخوان على تصديق الزعم بأن إسرائيل دولة علمانية وديموقراطية ، بينما لا يكف قادتها بين الفينة والأخرى على إطلاق التصريحات المؤكدة على هوية الدولة العبرية .. فالفلسطينيون المفترض عودتهم مكانهم الدولة الفلسطينية / تحت الإنشاء ، وحتى الموجودون الآن خلف الخط الأخضر عليهم أن ينقلوا ديارهم الحالية في عكا ويافا والقدس وغيرها إلى مدن الضفة والقطاع ! فكيف لا تراود الأخوان مخايلة ُ خيبر التاريخية ، حين عاقب النبي اليهود على خيانتهم ونكثهم بعهودهم ؟ ربما قيل كان ذلك عقابا ً جماعيا ً. يرد الأخوان : نعم وكذلك كانت الجريمة . رد صائب أم رد خاطئ .. ليس هذا مقام بحثه ، إنما يكفي هنا القول بأن الثيوقراطية اليهودية و نظيرتها الإسلامية توأمان سياميان في التحليل الأخير .
من وجهة نظر إسرائيل فإن فاروق حسني فيه من كل هذه العناصر .. فهو وزير في الدولة التي لم تعطهم سوى السلام البارد ، وهو كفنان ٍ إنما يعكس مشاعر الطلاب الغاضبين على لوحاته ذات الوهج الغاضب، وهو كسياسي لبرالي لم يستبعد قط عناصر المعارضة من تشكيلات المجلس الأعلى للثقافة ، ولم يحجب يوما ً جائزة ً عن مثقف مناوئ لإسرائيل ، ماركسيا ً كان أم ناصريا ً أم قوميا ً . ثم هو فوق هذا وذاك مسلم ! ويالها من تهمة !
لا شئ مما تأخذه إسرائيل على فاروق إلا و تراه معتبرا ً – من وجهة نظر السجل الحضاري – فضيلة ً ، وإلا أصبحت تهمة ً وطنية أن يلتزم رجل الدولة باستراتيجية دولته دون غيرها ! وإلا أمست تهمة قومية في حق الفنان أن يرسم لقومه جدارية في مدينة الحداثة! وحتى التهمة الثالثة البذيئة ، التي يروج لها بعض الغرب بحسبان الإسلام مرادفا ً للإرهاب ، تسقط لا محالة فور أن تضئ مصابيح المعرفة ساحة الثقافة العالمية . أنظر مثلا ً إلي المستشرقة الألمانية زيجريد هونكة ، وكيف أثبتت للعالم عظمة العرب المسلمين في كتابها ذائع الصيت " شمس العرب تسطع علي الغرب " ، وانظر كذلك ما كتبه الشاعر العظيم جوته ، والكاتب الكبير توماس كارليل في تمجيد النبي والأخلاق المحمدية ، واقرأ كتابات المنصف جاك بيرك، والبرئ لوي ماسينيون( المسلم على مذهب يسوع! ) وشروحات جولد تسيهر، وكارل بكر علي علم الكلام الإسلامي والفلسفة الإسلامية لتقر معهم بعبقرية وأصالة العقل العربي الإسلامي في عصره الذهبي. وهل يمكن لمثقف في أية بقعة من العالم أن يجهل أو يتجاهل ما ظفر به ابن خلدون وابن رشد وأبو حيان التوحيدي من مكانة سامقة في حقل العلوم الإنسانية ؟ وما تعملق به الخوارزمي، وشرف الدين الطوسي، والحسن بن الهيثم في مجال الرياضيات ، وثابت بن قرة وابن النفيس وأبو بكر الرازي في العلوم الطبيعية ؟ ولعل أفضل ما ُوصفت به حضارة الإسلام من وجهة نظر محايدة ، هي تلك الكلمات التي كتبها أستاذ دراسات الشرق الأوسط بجامعة برنستون الأمريكية : برنارد لويس:
" جلب الإسلام ُ السلام والأمان لعقول ملايين لا تحصى من الرجال والنساء، حيث أعطى الكرامة والمعنى لأقوام كانت حياتهم رتيبة وفقيرة، وعلـّّم العيش بإخاء لأناس ٍ من أعراق مختلفة، ودرب بشرا ً من عقائد مغايرة على التعايش جنبا ً إلى جنب، وبتسامح نسبي ملهماً حضارة عظيمة عاش فيها آخرون، إلى جانب المسلمين، حياة خلاقة ومثمرة. وقد كان لهذه الحضارة منجزاتها الفذة التي أغنت العالم وأثرت عقله ورققت مشاعره " أ.هـ.
حضارة الإسلام أجدر- بهذا المعني- أن تبتعث وتتجدد ، وهذا هو بالضبط ما تخشاه الحضارة الغربية كما أشار صمويل هنتنجتون ، لكن الخشية هنا ليست بسبب الإرهاب علي حد زعمه ، بل لأن في تحليق المثل الإسلامية العليا بالفضاء البشري مجددا ً ، ما يجبر نسق حضارة الغرب على تحجيم عدوانية وأطماع طبقاته العليا المسيطرة على أقداره . وفي هذا المعترك يبرز دور إسرائيل كحائط صد أمام زحف العرب والمسلمين ، لا سيما حين ينطلق هذا الزحف من مصر بلد الأزهر الشريف ، ووطن البنائين العظام الأوَل ، مروضي نهر الطبيعة الشرس حتى غدا وديعا ً سمحا ً معطاء ً مثلهم .
هكذا يتبين أنه لا يمكن فهم معارضة إسرائيل لترشيح فاروق حسني لمنصب الأمين العام لليونسكو ، إلا في ضوء وظيفتها الأساسية : عرقلة هذا العالم العربي عن التقدم . ولا غرو أن ُتعد تلك العرقلة بمثابة إعلان حرب ثقافية ليس بالضد على مصر والعروبة والإسلام حسب ُ ، بل وأيضا ً ضد اليونسكو ذاته . وآية ذلك أن الأمم المتحدة خصصت هذه المنظمة لتكون حصنا ً للحوار الثقافي بين البشر، لا لتكون ميدان إقتتال وساحة للحروب الثقافية بينهم، ومن ثم فليس أحق بقيادتها من بلد لم يحاول قط أن يفرض مفاهيمه وأنماط سلوكه(= ثقافته ) على غيره من الأمم حتى في عصر إمبراطوريته الفرعونية العظمى .
لإسرائيل إذن أن تحارب هذه المنظمة بمحاولة حرمانها من رمز جدير بقيادتها نحوتحقيق أهدافها النبيلة ، بيد أنها- إسرائيل أعني - يقينا ً سوف تبوء بالخسران إزاء يقظة الأمم والشعوب المعاصرة ، التي كشفت لها الأزمة المالية العالمية الحالية عن ضعف وهشاشة الأنظمة المعادية للحلم الإنساني القديم الجديد : أن يعيش البشر جميعا ً أحرارا ً متساوين بغض النظرعن إختلافاتهم الثقافية دينية ً كانت أم عرقية أم جنسية أم لغوية .
#مهدي_بندق (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟