جريس الهامس
الحوار المتمدن-العدد: 2440 - 2008 / 10 / 20 - 08:59
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
الديمقراطية لاتعيش في الصحراء العربية ما دامت لاتنبت في العقول والضمائر .. عودة إلى المعلم ماركس ؟ -4
قدمنا في الحلقات السابقة لوحة تقريبية عن الديمقراطية المشوهة التي حملتها الأنظمة البرلمانية العربية التي يسيط على معظمها الإقطاع وتجار المدن والسلفيون أصحاب الإقطاع الديني المسيّس .. تقليداً واستلهاماً مشوهاً للديمقراطيات الرأسمالية الغربية .. التي جاءت نتيجة الثورة الفرنسية وما تلاها التي قضت على النظام الإقطاعي وسلطة الكنيسة , وحلّت محله نظام البرلمانات الجمهورية البورجوازية المناسب لتطور وسائل الإنتاج البورجوازي من الإنتاج الحرفي إلى المشاغل الجماعية ( المانيفاكتورة ) إلى المصانع الحديثة بعد اكتشاف البخار والإكتشافات العلمية المتواصلة لقوى الإنتاج ...
وجاءت النسخة العربية للديمقراطيات البرلمانية العربية التي حملها الإستعمار الفرنسي لسوريا ولبنان , والبريطاني لمصر والعراق , وركّبها فوق بردعة الإقطاع وسلطة رجال الدين والتجار ووعاظ السلاطين والعشائر .. كالعجوز الشمطاء المتصابية التي تحاول إخفاء قبحها بالمساحيق ,, أو كالغراب الذي يقلد مشية الحجل ... وسقطت الدولة الناشئة بعد الإستقلال الشكلي غنيمة دسمة بأيديهم نتيجة غياب الأحزاب والتنظيمات الثورية والعلمية الديمقراطية عن الساحة .. وكان حكام هذه المرحلة رغم قصرها يناورون بين تقمص الوطنية والديمقراطية وإرضاء الشعوب دون قمع وإرهاب وتقديم الفتات له مع تفشي الفساد الذي أوكل أمره لوجهاء وفتوات الأحزاب الحاكمة ورؤساء العشائر , هذا من جهة , ومن جهة أخرى يحاولون إرضاء المستعمر ومشاريعه في المنطقة وفي مقدمتها المشروع الصهيوني العنصري ...لكنهم لايذهبون معه علناً خوفاً من الشعوب ,,
وجاءت خيانة 15 أيار 1948 واشتراك الحكام العرب في جريمة إقامة إسرائيل لتضع جميع الأنظمة الجمهورية والملكية على حد سواء في قفص الإتهام بنسب مختلفة .....
- ورغم كل هذه اللوحة القاتمة تبقى تلك الأنظمة البرلمانية العربية المتهالكة وديمقراطيتها المشوهة متقدمة نصف قرن على الأقل عن الأنظمة العسكرية الفاشية اللاحقة الحاقدة على الشعب والوطن .. التي حملتها الإنقلابات العسكرية إلى السلطة بدعم مطلق من المستعمرين والصهاينة في أغلب الأحيان منذ إنقلاب حسني الزعيم في 30 اّذار 1949 الذي صنعته المخابرات المركزية الأمريكية وشركة نفط التابلاين الأمريكية – السعودية علناً حتى اليوم ...تحت شعارات خادعة وأكاذيب وأسا ليب وشعارات مضللة , وخلط متعمد بين الإنقلاب العسكري المعزول عن الشعب وإرادته الحرّة , والثورة الحقيقية التي تصنعها الشعوب لتستعيد حرياتها المصادرة وحقوقها المهدورة ...
- وقبل تشريح موقف أحزاب اليمين واليسار على حد سواء من اغتيال أبسط معالم الديمقراطية البرلمانية على أيدي العسكر واقتلاع جذورها مهما كانت ضعيفة من التربة العربية وزرع مكانها الطحالب الطفيلية التي دمرت التربة وأفسدت الهواء وقضت على المجتمعات المدنية ومؤسساتها الشبه ديمقراطية وقطعت طريق التطور الطبيعي الإقتصادي والإجتماعي والسياسي والطبقي في المجتمعات العربية .. وأعدمت العقل والرأي الاّخر ,, وأعادت الحياة للطائفية والعشائرية ونظام الملل ودونية المرأة واستعبادها وسائر أمراض الماضي العبودي الأسود , الذي كان في طريق الزوال بفضل نضال الشعوب ونمو الطبقة العاملة والفئة المستنيرة والديمقراطية من المثقفين والمفكرين الملتزمين بتطور الوطنية الديمقراطية , ولو تباينت اّراؤهم في طرق العلاج ..
- قبل ذلك لنأخذ استراحة قصيرة مع المعلم كارل ماركس ... ليشرح لنا مضامين الإنقلابات العسكرية البونابرتية في زمانه , التي أطلقوا عليها في زماننا زوراً إسم ( ثورة ) و ( إشتراكية ) . والتي ابتليت بها سورية قبل غيرها من الأقطار العربية ومازالت أسيرة مستعبدة لها خارج تطور التاريخ والعالم .... :
- (( إن جميع الإنقلابات العسكرية أكملت اّلة الدولة الإستغلالية الرأسمالية بدلاً من تحطيمها .. وكانت الأحزاب التي تناوبت السيطرة على الدولة , تعتبر حيازة صرح الدولة غنيمة رئيسية للمنتصر ... وفي أثناء كل عاصفة برلمانية , كانت الصحف البونابرتية تهدد بالإنقلاب , وكلما اشتدت الأزمة كانت نبرته ترتفع .. وفي مجالس السكر والقصف التي كان بونابرت يعقدها ليلياً مع رجال ونساء من حثالة البشر , وعندما كانت الساعة تقترب من منتصف الليل , وجرعات الخمر تطلق الألسنة وتلهب الخيال , كان الصباح التالي يحدد موعداً للإنقلاب العسكري , كانت تسل السيوف وتقرع الكؤوس , ويلقى بالنواب من النافذة , وتسقط العباءة الإمبراطورية على كتفي بونابرت .... إلى أن يتلاشى الصباح وتسيطر الأشباح مرّة أخرى ...- إنقلاب عسكري اّخر .. ثم لاتلبث تفاحة الشقاق أن تسقط وسط جهاز الدولة البورجوازي الطفيلي لتضع بذور إنقلاب جديد ينقذ ويدعم جهاز الدولة البورجوازي الذي انتقل إليه بالوراثة , أو ورثه ويحافظ عليه لنهب الشعب واضطهاده وإذلاله .. وليزيد من جيش الموظفين الطفيليين على جسد المجتمع , وأساليب اضطهاد الشعب ونهبه ...
- إن التطور الإقتصادي للملكية العقارية الصغيرة , قدغيّر علاقات الفلاحين بطبقات المجتمع الأخرى تغييراً جذرياً ,, ففي عهد نابليون الأول كان تقسيم الأرض في الريف إلى قسائم صغيرة يكمل المزاحمة الحرّة ويساعد الصناعة الكبيرة الناشئة في المدن . وكانت طبقة الفلاحين هي الإجتماع – الثوري – ضد الإقطاعية وأريستقراطية ملاّك الأرض ... إن جذور الملكية العقارية الصغيرة ,التي نمت في التربة الفرنسية , قد حرمت الإقطاع من كل غذاء للبقاء .. وكانت حدود قطعة الأرض الصغيرة تشكل التحصينات الطبيعية للبورجوازية الحديثة ضد أي هجوم عليها من أسيادها القدماء - الإقطاعيين –
- لكن الوضع تغير عبر القرن التاسع عشر – عصر ماركس – أنجلز – حيث حلّ مرابو المدن محل أمراء الإقطاع , وحل محل الملكية الأريستقراطية والإضطهاد الإقطاعي الذي ينيخ بكلكله على الأرض ,,حل محاها الرهن واستغلال الرأسمال البورجوازي الجديد ....
- إن النظام البورجوازي الذي أقام الدولة في بداية القرن التاسع عشرحارساً على الملكية العقارية الصغيرة الناشئة تواً وسمّدها بالغار ... أصبح الاّن عفريتاً يمتص دماءها ونخاعها , ويقذف بها في القدر الكيماوي لرأس المال ...
- أضحت قوانين نابليون الاّن مجموعة قوانين لتنفيذ قرارات المحاكم وإجراءات الحجز والبيع بالمزاد العلني .. ولابد أن نضيف إلى الملايين الأربعة – سكان باريس – من المتسولين والمجرمين والمومسات في فرانسا المعترف بهم رسمياً .. خمسة ملايين يحومون على شفا البقاء ,, وهم يهجرون الريف هم وأسمالهم وأطفالهم إلى المدن ... بالإضافة إلى الرهن الذي يفرضه رأس المال على قطعة الأرض الصغيرة , والضرائب التي ترهق كاهل الفلاحين الصغار .. هذه الضرائب التي أضحت ينبوع حياة البيروقراطية الجديدة , والجيش والكهان والبلاط .. إن قطعة الأرض لبصغيرة التي دمرتها الديون والنهب , كما دمرت المجتمع , أضحت مع السلطة على طرفي نقيض ...
- إن ذروة الأفكار البونابرتية هي : سيطرة الجيش على السلطة والملكية , وتحوّل الجيش الذي كان مصدر السعادة أو الإعتزاز للفلاحين الصغار,, جعل من أبنائهم أبطالاً يدافعون عن ممتلكاتهم الجديدة , ويمجدون الوحدة القومية التي تعلموها واكتسبوها مؤخراً ,كانوا ينهبون الأرض تيهاً وينفخون فيها روح الثورة ..وأضحت بزّاتهم العسكرية لباسهم وقصيدهم . وكانت قطعة الأرض الصغيرة التي يضمخها الخيال وطنهم .. وكان الشعور الوطني الشكل المثالي للشعور بالملكية ...
- ولكن قطعة الأرض الصغيرة المهددة بالضياع والتي فرضت على الفلاح الفرنسي وإبنه الدفاع عنها وحمايتها من الإعداء .... فقد تبد الأعداء – بعد حكم العسكر – فالأعداء لم يعودوا ,, القوزاق ,, -- كما صوّر لهم نابليون ( إضافة مني ) – بل هم مأمورو التنفيذ – في المحاكم – وجباة الضرائب ... وقطعة الأرض الصغيرة لم تعد فيما يسمى وطن ,, بل في سجل الرهون ....
- كذلك لم يعد الجيش نفسه زهرة شباب الفلاحين , بل أضحى زهرة مستنقع حثالة الفلاحين .. حيث يتألف إلى حد كبير من المتجندين البدلاء , تمامأً ... كما أن بونابرت الثاني نفسه ليس سوى بديلاً لبونابرت الأول .. إن مّاّثره البطولية تتجلى الاّن في مطاردة الفلاحين الفقراء والقيام بوظيفة الدركي ... – ماركس 18 برومير إنقلاب لويس بابليون – ص 127 – 147 –148—151 – نشر لأول مرة في لندن بتاريخ 23 حزيران 1869 ))
- التاريخ يعيد نفسه بشكل ملهاة أو مأساة أكثر دموية وحقداً وعنصرية علي الشعوب المضطهدة التي ترزح تحت حكم العسكرتاريا وخصوصاً المرتبطة بالأجنبي وتمثل مصالحه وأهدافه, كماهو حال الإنقلابات العسكرية في الوطن العربي مع استثناءات نادرة أعيدت السلطة فيها للشعب كما سيأتي ...
- يتبع ..لاهاي – 18 / 10
#جريس_الهامس (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟