عبد العالي الحراك
الحوار المتمدن-العدد: 2396 - 2008 / 9 / 6 - 07:30
المحور:
اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
المثقف العراقي المخلص انسان مهموم بوطنه وشعبه يحمل ثقافته على اكتافه ليوصلها الى شعبه كي يراه يعيش عيشة عزيزة وكريمة.. انه جمال ميت هذا الجمال الموجود في اوروبا لايحسه لا يتمتع به الا لحظات قليلة ثم تأخذه عيونه عبرالافق البعيد الى بلده فيرى التراب حدائق ويرى الاطفال ورودا ويرى هذا الجمال جماله قد سرقه الاحتلال عبرالتاريخ كما سرق المتاحف والثقافة والمعرفة ونحن نيام وتركنا نيام وفي كل مرة نصحو (يكفخنا) بعملاء وتابعين فيسرقنا من جديد.. ( لا..لابد ان اعود ان وطني يحتاجني وانتم لا تحتاجونني, لديكم اطباء كثر ومستشفيات كثيرة وصحتكم البدنية جيدة اما انا فسأعود في اقرب وقت الى بلدي كي اكون فعلا مخلصا له وللانسانية.. لفة كباب على كورنيش العشارفي البصرة مدينتي افضل عندي من اشهى وجبة في ارقة فنادق ومطاعم روما) هذه عبارة قلتها لأصدقاء لي هنا في ايطاليا في السبعينات , ولكن عندما عدت الى وطني بعد اسبوع من تخرجي وجدت ما وجدت ولم اقدم من خدمة ما كان يمكن ان اقدم. لا تحسدوننا يا ابناء الداخل على عيشتنا في الخارج, اننا مضطرون لها ونعاني معاناة اخرى في سبيل وطننا وشعبنا ومشاكلنا ليست قليلة ونفتش عن اية فرصة للعودة شرط ان تكون عودة مفيدة للجميع. ان الاحتلال والارهاب والظلام لن يستطيعوا منفردين او مجتمعين ان يمنعوا المخلصين من العودة الى بلادهم وشعبهم, فلا سجون الاحتلال قادرة ولا قصف طائراتهم للاحياء السكنية تخيفهم ولا سيوف الارهاب ولا كاتم الصوت ستتمكن منهم. اذا استشهد واحد فسوف يعوض بعشرة وسوف تنشط عقول واقلام توعي الشعب حول ما يحصل له.. لقد قرأت لأخت عراقية مخلصة كلمات صادقة متألمة منشورة على صفحات الحوار المتمدن ليوم امس 28-8 تطالب بالرد بالمثل على جريمة استهداف الشهيد كامل شياع من قبل المجرمين الظلاميين , أي بقتل من يقتل وهو موقف عاطفي اقدرالاخت تقديرا عاليا للألم الذي يعتصرها لفقدان الشهيد كامل شياع , ولكن المخلصين لا يعاملون المجرمين بصيغتهم وانما يدعون ويطالبون بشدة الحكومة ان تقوم بواجباتها و تعمل بجد لأيقاف العنف ومنع قتل العلماء والمثقفين , وتطالب الاحزاب الوطنية ان يكون لها موقف وطني موحد ازاء حاجات الشعب وامنه و متطلبات حياته الحرة الكريمة.. احزاب نشطة بين الناس تحوزعلى ثقتهم ودعمهم ,لا تجامل الحكومة واحزاب الاسلام السياسي ورواد الطائفية بل تفضح اساليبهم المتخلفة الداعمة للأعمال الدنيئة من هذا النوع . ان وعي المثقفين المخلصين في الخارج يدعوهم الى الوقوف مع اخوانهم في الداخل ودعمهم والشد على ايديهم وتقوية عزيمتهم . وما الحملة التلقائية في تكريم الشهيد كامل شياع واعلاء شأنه وهو كذلك وذكر صفاته الانسانية والوطنية الحميدة الا دليل وجودهم ووقوفهم الى جانب ابناء شعبهم ومتابعتهم المستمرة لما يحصل على ارض الوطن . ان الأتحاد والتكاتف الوطني امر ضروي في كل الاحوال والظروف , يشتد ويتعاظم في حالات الازمات والطوارئ وان ازماتنا مستمرة ما زال الاحتلال والظلام يضغط على صدورنا .ان حالة الشعب واحدة وحالة الوطن واحدة وما يتعرضا له يدعو الى اليقظة والحضور والمشاركة.
صار موضوعنا الان استشهاد المثقف التقدمي كامل شياع .. اتمنى ان لا يكون موضوعا وقتيا ينتهي بالنسيان ونعود ادراجنا كما كان. موضوع بث الامل والتفائل في النفوس امر اساسي ومهم جدا في وقت اتحد جميع الاعداء على قتل الامل والفرح والتفائل ونشر البؤس والظلام في العراق. فالنورالذي حلم من اجل ايقاده الشهيد السعيد, قد اوقده واستشهد وعلى الاخرين حمل الشعلة وتوسيعها ونشرها في اماكن اخرى من العراق, وان لا يكون استشهاده مدعاة للخوف والانسحاب من الساحة اوعدم القدوم اليها كما قدم الشهيد المتفائل ولو بحذر. ارجو من بعض المثقفين والكتاب وان كبروا في اعين الناس ان لا يبخسوا الناس اشيائهم وحقوقهم وان لا يعتبروا مواقفهم صائبة على طول الطريق وعلى الاخرين ان يستنسخوها كما يتمنون والا تعرضوا للنقد والتشكيك وبخس القيمة.. فلا يستقيم نقد الشاعر الكبير سعدي يوسف للشهيد البطل كامل شياع ضد قناعاته واختياراته ,لانه يختلف مع قيادة حزبه او كونه لا يؤيد العملية السياسية او يعتبرعودة المثقفين والسياسيين المخلصين الى العراق امرا لا فائدة فيه ولا امل في اصلاح الامور, وهو بهذا يحاول اطفاء شعلة النورالتي حاول ان يشارك في ايقادها الشهيد في هذا الظلام الدامس . صحيح لا يمكن للفقيران يصلح الغني وهو في سكونه وانما بتغيرالواقع وكسب العدالة , كما لا يمكن للضعيف ان يصلح القوي الا بتقوية ذاته والأنتصارعلى ضعفه ..كذلك لا يمكن لمن هو خارج السلطة ان يدعم من هو في السلطة متوهما انه يشاركه وهو نقيضه لانه لا يمكن التوفيق بين المتناقضات بل تفجيرها وانتصاراحدها وهو الصحيح. كان يرى الشهيد كامل شياع بأمكانية عمل شيء ما من خلال طيبته وصفاء نيته ونشاطه وقد حاول فأستشهد. ولو سعى الجميع مثل ما سعى لتقدمت حالتنا الى الامام ولو خطوة .فالذنب ليس ذنب الشهيد والا لما قتلوه , انما ذنب من يجامل ويداهن المتخلفين ويجالسهم على حساب مبادئه.
ان تخليد الشهيد ومن سبقه على نفس الطريق يتم بالنشاط والحركة. فنشاط الجماهير وحركتها الواعية يأتي نتيجة لنشاط القيادة السياسية والطلائع المثقفة. فاذا نامت القيادة نامت الجماهير وسكنت واذا ابتعدت عنهم ابتعدوا عنها . الحالة في العراق تحتاج الى نشاط . وكلما زاد النشاط قل الخطر وقل تعرض المخلصين الى نيران المجرمين .
عندما تكون العلاقة ودية بين البشر, بمعنى علاقة فيها حب مبدئي وسلام وتقديرمصالح مشتركة حقيقية واعتراف بالاخروالايمان بان حل الخلافات يأتي عبرالحوار والنقاش.. الحب هو الاساس وليس البغض والكراهية المبنية عى التناقض والصراع في المصالح الحياتية الاساسية. الاختلاف ليس امرا فاسدا او ضارا, اذا كان بيننا حب ومودة , فلنتناقش وليطول النفس , ولنراجع الذات .. ماذا كسبنا من علاقة المودة التي بيننا, وماذا خسرنا عندما فسدت علاقتنا نتيجة اختلافنا.العلاقة الصحيحة تكون (مطاطية) وليست صلدة (اما القبول اوالرفض) لأنها ستنكسرعند ابسط خلاف,وليست رخوة جدا بحيث تموع او تذوب ولا يجنى منها شيء. الانسان يختلف في ذاته ومع ذاته وتتغير حالاته واشكالها في اليوم الواحد آلاف المرات ,وتتغيرالنظرات والقناعات بالاحتكاكات والاتصالات وتفعيل الدماغ ليفكر بسلامة . اختلافنا في الحامض الاميني النووي وفي بصمات اليدين وفي انوية خلايانا وفي جيناتها المحمولة على كروموسومات مختلفة.. نختلف في تشكيلات خلايانا التي تكون انسجة اجسامنا المختلفة وفي اعضائنا.حتى الاجزاء والاعضاء الزوجية في اجسامنا فيها اختلاف مهما تشابهت.. جانب الانسان الايسر لا يتطابق تماما مع جانبه الايمن..نختلف في الهرمونات والانزيمات التي تنتجها اعضائا ,وعبرهذه الاشياء جميعا نتفاعل مع الخارج واشيائه الكثيرة والمختلفة ,وتنتج افكارنا وآرائنا ووجهات نظرنا وهي عديدة ومختلفة . فكيف لا نختلف وكل هذه المختلفات فينا وحولنا.. الخلاف ينتج حوارا عندما يكون وديا وينتج صراعا عندما تتناقض الرؤى والمصالح والاهداف, وقد يصل الى الصراع المسلح واخيرا الحروب. اما عندما يتوفرالحب والود اساسا لا ينتج تناقض ولا ينتج صراع , لهذا لايجوز تحويل الخلافات الودية الى تناقض وصراع بل ترويضها والتصرف بها من اجل حلحلتها او تركها جانبا ,لان هناك اتفاق اكبر لابد ان نلتقي عليه ونسير معا لصالحه .لكن لا يمكن استبدال التناقض والصراع العدائي بالود والحب او العكس,لان التناقض اساس الاختلاف فيه قويا وكبيرا,غالبا ما يكون استغلالا طبقيا اواستعبادا واحثقارا قوميا اواحتلالا استعماريا اجنبيا , فلا يمكن ان يكون بين الرأسمالي والعامل ود ومحبة وهو يستغل عرق جبينه في اليوم من( 6_12) ساعة عمل ويدفع له اجرا لا يكفيه طعاما ولباسا وسكنا وصحة ..ولا يكون ود بين اقطاعي وفلاح يكاد يستعبده في زراعة حقوله ومزارعه المغصوبة.. ولا بين محتل اجنبي واصحاب الارض وخيراتها. فبين هؤلاء تناقض وصراع والقضية بينهم فاسدة ,لايمكن الحديث عن ود وحوار. اما الخلافات بين ابناء الوطن الواحد(في مرحلة التحرر الوطني) فهي اختلافات يفترض ان يسودها الود الذي يرعى مصلحة الجميع ولو اختلفت افكارهم ورؤاهم . فبالحوار والنقاش حول المختلفات يدوم الود ويتم بلوغ النتيجة , دون تعميق الخلافات الثانوية ورفعها الى مستوى الصراع والتناقض, الذي يدل على ضعف في وعي المصلحة العامة ونقاط التقائها وارتباطها. فالشيوعي الذي يبدأ وطنيا وينتهي انسانيا لا يمكن ان يتناقض مع الوطني الذي يتحدد نشاطه ووعيه بالمسائل الوطنية ,وانما يختلف معه في كيفية تحقيق مصالح الجميع في ظل الوطنية.. ولا يظيرالوطني عندما يتقدم الشيوعي في برامجه حتى يحقق العدالة الاجتماعية وهكذا.. حتى المنشقون عن احزابهم ,هم ليسوا في تناقض وصراع اساسي ما زال المحتل يحتل ارضهم وما زالت الرابطة الوطنية تربطهم وليست العمالة والخيانة . قد يخون شخص او شخصين في القيادة ولكن الجماهيرهي نفسها الجماهير, فالخلاف معها ما زال وديا , او ليس معها خلاف, ومن يتبع القيادة الخاطئة ليس معه تناقض او صراع بل حوار ونقاش وعلاقات انسانية طبيعية ومشاركة في الحياة , كي يستمرالحوار والنقاش . ان ما يقفه بعض الشيوعيين ضد بعضهم يصل الى مستوى التناقض والصراع الحاد وبعض الاحيان يصل الى استخدام السلاح وهو من ابشع صورالتردي الاخلاقي والحضاري وسقوط الوعي .التناقض الرئيسي الحالي للشيوعي العراقي هو مع المحتل وعملائه ومن يعبرعن مصالحه بشكل واعي ومخطط له , اما الاطراف الاخرى فلا يجب ان يتطور الخلاف معها الى تناقض وصراع , بل نقد حواري وعبر النقاش المستمر, كي تعي الناس وتفهم الحقيقة. انا لا اقول ان حل جميع الخلافات يأتي بالتغاضي والسكوت عنها , بل بالنقاش العلمي الواقعي الذي يحمل دليله وبرهانه , وعرض الامورمكشوفة امام الناس , دون تجريح او اطلاق عبارات تبعد الجماهيرعن صاحب الحق الذي اخطأ في طريقة ايصال رأيه الى الناس , وفي مقدمتهم اتباع الحزب الذين كانوا رفاق في الامس القريب فكيف اصبحوا اعداء اكثر من العدو الحقيقي الذي سيبقى عدوا ما زال يحتل ارضنا ويستغلنا جميعا . وبهذا اصبح الجميع اعداء بعضهم لبعض وعزل كل واحد نفسه في صومعته ولا فائدة في ندب الحظوظ. وهوما يفعله بعض الشيوعيين المنغلقين على انفسهم .. ادعوالشيوعي العراقي ان يكون جديدا متجددا ديناميكيا لا تقليديا , يتصرف بالحداثة دون البكاء على الماضي والتشبث بالتراث..لا ان يذكر مسمياته والقابه بل ان يفعل فعله , وسوف تأتيه الألقاب التي يستحق من الناس والجماهيرالتي تتابعه في اعماله وليس فقط اقواله.. هنا اخاطب الشيوعي الموجود على ارض الوطن قبل من هو في الخارج ان لا يفتح صراعات جانبيه مع اخيه الوطني والشيوعي من الجانب الاخر و يترك عدوه الرئيسي. فهذا كامل شياع رغم محدودية تأثيره المباشرعلى مستوى الوطن( أي انه لم يكن قائدا سياسيا بين الناس ينظمهم ويقودهم على طريق الخلاص من الاحتلال واقامة العدالة في الحياة بين العراقيين, بل مثقفا مخلصا اعتقد بقدرته على تحقيق حلم جميل بقلب جميل وعقل مستنير) ان استقامته ونشاطه الشفاف والمخلص جعلت الناس من حوله تخلده بالذكرالطيب وتذكر محاسنه ولم تبخسه حقه , رغم انه يتحرك في وسط مريض يكاد ان يكون ميؤس منه. انا لست نقيا صافيا بدون اخطاء او زلات, كما انت.. فلا تطلب مني كل ما تتمنى, كما لا اطلب منك ,حتى وان كنا نسيرعلى نفس الطريق, فأحساسنا فيه ومنه مختلف, وتعبيرنا عنه وعن الحياة مختلف ايضا, ولكنه غير متناقض ولا متصارع , فيه خطوة الى الامام وخطوة الى الخلف وخطوات اخرى مراوحة في نفس المكان, ولكن عند التقييم نسأل انفسنا.. ماذا انتجنا خلال هذا العام , وما هي محصلة الخطوات مراوحة.. ام الى الخلف .. ام الى الامام؟ . ليس عام واحد بل مرت علينا في العراق وخارجه خمسة اعوام تحت الاحتلال والظلام .. المحصلة النهائية.. اننا نسيرالقهقرى(ليس تشاؤما) بل واقعا نعيشه ..يجب ان نراجع انفسنا جيدا ونصحح عن حق وحقيقة ونبني على التفائل والامل.
#عبد_العالي_الحراك (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟