أمين مطر
الحوار المتمدن-العدد: 2364 - 2008 / 8 / 5 - 04:57
المحور:
القضية الفلسطينية
عندما أقدمت ميليشيات حركة حماس الارهابية على الانقلاب على أجهزة الحكم الفاسدة الفتحاوية في غزة في الرابع عشر من حزيران من العام الماضي، ارتكبت مجموعة من المجازر والأفعال الوحشية والاجرامية التي حاشى لاسرائيل ان ترتكبها، وفي الحقيقة من الخطأ تماما، حتى مع توافر حسن النية المقارنة بين ما فعلته ميليشيات حماس ضد أتباع ميليشيات فتح، وبين ما فعلته اسرائيل وما تزال في الاراضي الفلسطينية، ولست هنا بصدد الدفاع عن اسرائيل كما قد يتبادر الى أذهان البعض من المرضى بالعقدة الاسرائيلية، فاسرائيل كل يوم تدافع عن نفسها بدرس جديد وأكثر بلاغة مما قبله، وآخر هذه الدروس هو اعلان رئيس الحكومة الاسرائيلية ايهود اولمرت عزمه على الاستقالة من منصبه حال انتخاب حزب كاديما لرئيس جديد، وذلك فقط بسبب حصول اولمرت على مبالغ مالية بسيطة من رجل اعمال امريكي وحصوله على مستحقات سفر اكثر من مرة.
المبلغ المتهم اولمرت بالحصول عليه بطرق غير مشروعة يسرقه في أجهزة السلطة الفلسطينية أمين مستودع في بلدية صغيرة نائية، أما الكبار فالمبالغ التي يختلسونها علنا هي كبيرة وكبيرة جدا، واستغلال المناصب للثراء السريع موجود في سلطتنا الفلسطينية حتى قبل ان تصبح سلطة، اي منذ زمن الثورة التليدة التي كانت تحلم بدولة عتيدة واحدة، لكن النتائج جاءت "عظيمة" وأكبر من الطموحات والأحلام، فها نحن في دولتين، واحدة على ضفاف البحر الميت وأخرى على ضفاف البحر المتوسط، الأولى ينخرها الفساد والرشاوي والمحسوبية ومئات المدافعين عن "أبواتها" تحت مسمى ناطق اعلامي، بينما الدولة الثانية غارقة حتى بحرها بدماء الأبرياء الذين ارتضى قادة الحركة الحمساوية لهم ان يكونوا نارا لوقود أمزجة حكام دمشق و طهران ومحاولاتهم المستميتة للافلات من الاستحقاقات الدولية بالدم العراقي تارة واللبناني والفلسطيني تارة أخرى.
القوات الاسرائيلية لم تلق فلسطينيا واحدا في كل سنوات احتلالها للارض الفلسطينية من الطابق الخامس عشر لا حيا ولا ميتا، كما فعل ارهابيو حماس مع الشاب محمد السويركي أحد أفراد الحرس الرئاسي الذين اختطفوه وألقوه حيا من الطابق الخامس عشر من برج الغفري في غرب مدينة غزة.
القوات الاسرائيلية لم تسحل فلسطينيا اسيرا على الارض عدة مئات من الامتار ومن ثم تطلق عشرات العيارات النارية عليه، ولنا في علاج سمير القنطار والمحافظة على صحته التي ظهر بها بعد الافراج عنه أبلغ درس، بينما فعلت أكثر من ذلك حماس مع الفتحاوي سميح المدهون، ولم تكتفي بذلك بل قامت بنبش قبره أكثر من مرة، وهنا نتذكر كيف حافظت اسرائيل على جثامين الشهداء العرب والفلسطينيين لسنوات طويلة في مقبرة خاصة حتى عاد كلٌ الى ارضه وذويه الشهر الماضي.
الصحيفة الاسرائيلية يديعوت احرونوت لم تذكر غير الحقيقة حين تقول ان الجيش الاسرائيلي الذي اجتاح حي الشجاعية عشرات المرات لم يكن بالوحشية التي مارستها حماس ضد أبناء عائلة حلس الموالية لفتح. لقد استعملت حماس كل ماتوفر لديها من اسلحة حتى قذائف الهاون وصواريخ "القسام" ضد منازل الحي بينما تكفل "مجاهديها" الأشاوس باطلاق النار على كل مايتحرك من الاماكن العالية التي تمركزوا بها.
سياسة البطش والاجرام التي مارستها حماس أمس واليوم، أدت الى هروب عشرات من أبناء عائلة حلس باتجاه الحدود مع اسرائيل طالبين اللجوء الانساني المؤقت من العدو الذي استجاب لطلبهم وأدخلهم وأمن لهم الرعاية الكاملة، بينما تم نقل الجرحى الى المشافي الاسرائلية لتلقي العلاج اللازم، وهذا الذي يحدث اليوم هو ذاته الذي حدث قبل عام تقريبا أثناء سيطرة حماس على القطاع حين هرب المئات من الفلسطينيين باتجاه اسرائيل طالبين منها الحماية واللجوء من بطش "اخوتهم" في الدين والوطن.
حماس ارتكبت بالامس مجزرة كبيرة ومروعة بحق أبناء حي الشجاعية، وهذه المجزرة هي استمرارا لمجازرها التي بدأت حتى قبل ان تسيطر على القطاع بقوة البطش والسلاح، والسؤال هنا ماذا لو ان اسرائيل هي من ارتكب هذه المجزرة؟ بالتأكيد فان اول الدعوات ستوجه للجمعية العامة للامم المتحدة لعقد اجتماع استثنائي لادانة اسرائيل هذا فضلا عن المسيرات والظاهرات التي ستعم البلاد الاسلامية من طنجة الى جاكرتا للاحتجاج على اسرائيل.
أن تقتل اسرائيل فلسطينيا فتلك مجزرة كبيرة وانتهاكا فاضحا لحق الانسان في الحياة -هي كذلك بالفعل- لكن ان تقتل حماس عشرات الفلسطينيين فذلك فعل لا يستحق الادانة والشجب، وهذا الذي يحدث هنا في فلسطين هو ذاته الذي حدث في العراق، فبينما كانت أجهزة الديكتاتور النافق صدام حسين تقتل عشرات الآلاف من العراقيين كان الصمت المطبق يلف الشارع العربي والاسلامي، بينما يتسبب قتل الجيش الأمريكي لمواطنين عراقيين عن طريق الخطأ بمظاهرات لا تهدأ في كل العالم الاسلامي، وهو تماما ما يحصل هذه الايام من الاحتجاجات والادانات والمظاهرات ضد لائحة الاتهام التي وجهها المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية بحق ديكتاتور السودان عمر البشير، بينما لم يستحق قتل الديكتاتور لعشرات الالاف من أبناء دارفور وبقية انحاء السودان صوت ادانة واحد.
لست مع فتح ولا ضد حماس كما اني لست ضد فتح ولا مع حماس، ولكني ضد هذا الواقع البائس والمرير والمخزي الذي وصلنا اليه، فقد كنت أقول سابقا وقبل وصول حماس الى السلطة بأنه ليس قدرا على الشعب الفلسطيني "أزلام" فتح الفاسدين الذين رضعوا الفساد في معسكرات الثورة وتأصلوا عليه في مؤسسات الدولة، كما انه ليس قدرا على الفلسطينيين ايضا "غشماء" ودراويش حماس الذين لا يمنحهم برنامجهم المنغلق أكثر من القدرة على ادارة جمعية خيرية أو مدرسة دينية وفي أحسن الأحوال ادارة جامعة تفرخ أناسا مصابين بداء كره الآخر ومحتكرين للحق والحقيقة، فكيف سيكون حالهم وقد وجدوا أنفسهم فجأة بموقع المسؤولية عن مشروع وطن أرادوه أن يعادي العالم الذي يطعمه يوما بيوم.
الشعب الفلسطيني الذي انتخب شيوخ حماس هربا من الفساد الفتحاوي، لم يكن يتخيل يوما ان هؤلاء الشيوخ سيتحولوا الى امراء فساد، فالكل يعلم اليوم ان لكل قائد حمساوي عددا من الاتباع والانفاق التي يقوم عبرها بتهريب المحروقات والمواد الغذائية والسلاح من الاراضي المصرية ليبيعها الى الشعب الذي انتخبه بأسعار خيالية، كما ان الشعب الذي انتخب "دراويش" حماس نكاية بالتجاوزات والانتهاكات التي كان يرتكبها "زعران" فتح، لم يتخيل في أسوء كوابيسه ان هؤلاء الدراويش سيكونوا سيفا مسلطا على رقابهم يدفعهم الى الهرب من منازلهم وأرضهم باتجاه اسرائيل طالبين منها الحماية واللجوء.
#أمين_مطر (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟