سليم سوزه
الحوار المتمدن-العدد: 2265 - 2008 / 4 / 28 - 05:17
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
في البداية يجب التفريق بين الاسلام كديانة رَسَمَت شكل العلاقة بين المخلوق وخالقه عن طريق جملة من التشريعات والعبادات، وبين السياسة التي تُستوحى منه في طريقة ادارة الحكم والتعامل مع الشعوب او الامم الاخرى، فالمعروف ان كل التيارات والتوجّهات والاحزاب لديها مشروع محدّد تعمل على تطبيقه في المجتمع وفق سياسة تعتمد على انسب واقرب الطرق لتحقيق ذلك المشروع .. وليست هذه حيلة شرعية او انتهازية كما وَصَفها الأخ الكاتب عبد العالي الحراك في مقاله (الدين والليبرالية .. هل يلتقيان؟) والمنشور في عدد من مواقع النيت العالمية، بقدر ما هي عملية بحث مستمرة لأيجاد الميكانيزم الأصلح تطبيقاً من اجل الوصول الى الهدف المنشود. وطبعاً عملية ايجاد هذا الميكانيزم ليست عملية مستقلة عن الظروف والبيئة التي تحكم هذه الظروف، ولو كانت منطلقة من ارضية بعيدة عن هموم المجتمع واحتياجاته فسوف لا تكون الاّ افكاراً نرجسية خيالية لا تصلح للتطبيق، بمعنى آخر يوطوبيا جديدة كالتي اوجدها افلاطون في جمهوريته الفاضلة .. افكار تمثل ترفاً لا تصلح الاّ في القصص دون الواقع.
وبمناسبة الانتهازية، ينبغي لنا ان لا نعوّل كثيراً على هذا المصطلح لانه وصف اُطلق على كل فكر سَبَقَ عصره وخالف المشهور والجمهور حينها، فقد وُصفت الافكار النيتشوية بالانتهازية في تلك الفترة، وسُمّي الاسلام السياسي منذ الفترة الاولى الذي نشط فيه بالفكر الانتهازي .. وكما ان الليبرالية افكار انتهازية بالنسبة للمعارضين لها، فان الشيوعية ايضاً وُصِفت كذلك ابّان الثورة البلشفية وما لحقها من استغلال واضح لشعارات البروليتاريا (البرجوازية الجديدة). لهذا لا ارى الانتهازية الاّ مصطلح يُطلق على فكر (الآخر) الذي لا يستقيم مع فكر (الانا) مع التأكيد في نفس الوقت انها مسالة موجودة فعلاً ولا يمكن لنا نفيها خصوصاً عند الاحزاب التي تعمل وفق المبدأ البراغماتي (الغاية تبرّر الوسيلة).
من هذه المقدّمة البسيطة نستطيع ان نقارن فيما اذا كان الاسلام كسياسة يتقاطع او يتوازى مع الليبرالية، وهل ان الليبرالية متهمة من وجهة نظر الاسلام ؟ ام ممكن ايجاد الوسيلة التي من خلالها تتعايش الليبرالية مع الاسلام ضمن الحدود والثوابت الدينية المُعتبرة.
لانه ليس المطلوب ان نكون ليبراليين في طريقة وضوئنا او تحرّرين من اجل تقليص عدد ركعات الصلاة مثلاً، بل ان الموضوع متعلّق بالسياسة والاداء الذي يحقق اهداف الاسلام السياسية في الادارة والحكم.
صحيح ان الاسلام قد يقترب من الاشتراكية في بعض الامور لكنه وفي نفس الوقت لا يتقاطع مع الليبرالية التحرّرية في قضية التوازن بين الحاكم والمحكوم، اي عملية توازن السلطات بين المجتمع والحاكم .. هذا التوازن الذي لا يتحقق من وجهة نظري الا بتوزيع السلطات بين المجتمع والحكومة، وعليه عملية حصر السلطة السياسية والاقتصادية بيد السلطة الحاكمة قد تولّد اشد انواع الدكتاتورية. لذلك كانت الاشتراكية ارضية صالحة لنشوء الدكتاتوريات بل هي دكتاتورية مقنعة بسبب الخلل الواضح في ميزان السلطة والانحياز المُطلق للسلطة الحاكمة في تمشية الامور السياسية والاقتصادية والتي بالضرورة ستكون حاكمة على القضايا الاجتماعية كذلك. اما الليبرالية التي نشأت وترعرعت بعد نشوء الديمقراطية السياسية، فقد نادت بحرية الفرد من كل النواحي، بما فيها النواحي الاقتصادية، واعطت توازناً فذاً بين السلطة والمجتمع من خلال الدعوة الى جعل السلطة الاقتصادية بيد المجتمع في مقابل السلطة السياسية التي تحتكرها السلطة الحاكمة، ولهذا كانت وما زالت الليبرالية عاملاً جيداً في الحد من الدكتاتورية.
اذا كانت الشيوعية الاشتراكية تدعو الى المساواة بين الافراد بطريقة ربما قسرية، فالليبرالية دعت اليها عملياً من خلال اعطاء نفس الفرص لكل افراد المجتمع واعتبارهم متساوي الحقوق والواجبات امام القانون والدولة.
الديمقراطية والليبرالية متلازمتين لا يمكن الفصل بينهما اذا اردنا بناء مجتمع حر وسليم بعيد عن الدكتاتورية بالرغم من ان الديمقراطية نشأت قبل الليبرالية، فالليبرالية كمّلت الديمقراطية عملياً لانها ضمنت المساواة بين الافراد وحققت التوازن بين المجتمع والسلطة من خلال القوة الاقتصادية التي اعطتها للمجتمع مقابل قوة السلطة السياسية، فضلاً عن حماية حقوق الاقليات الموجودة في المجتمع الديمقراطي .. يقول الاستاذ رجاء بهلول في كتابه - حكم الله، حكم الشعب - (ان الديمقراطية تعني دوماً وحتماً التسليم والاعتراف بالحريات الليبرالية، وان الحريات الليبرالية لا توجد بمعزل عن ممارسة الديمقراطية، وبعبارة اخرى ان الديمقراطية الليبرالية تعني حكم الاغلبية زائداً حماية حقوق معينة تعود الى افراد، اي وجود مجال خاص لا تتدخل فيه السلطة الحاكمة مهما كان حجم الاغلبية خلفها) انتهى كلام بهلول.
من هنا فان الديمقراطية تعني عملياً وضع السلطة السياسية بيد الاغلبية، اما الليبرالية - التي اصبحت شرطاً اساسياً من شروط نجاح الديمقراطية فيما بعد - فتعني وضع السلطة الاقتصادية بيد المجتمع من اجل تحقيق التوازن بينهما، وان لا تتحول الديمقراطية الى دكتاتورية (دكتاتورية اكثرية) كما آلت اليه الشيوعية في نهاية المطاف. وبعد كل الذي تقدّم، هل هناك شكّ بأن الايمان بالديمقراطية هو ايمان بصورة او باخرى بالليبرالية مهما تظاهر البعض في رفض ذلك ؟!
باعتقادي ان الاسلام يمثل حالة وسطية بين الفكرين الشرقي والغربي مثلما ركّز القرآن على الوسطية التي ذكرها صراحة ً في الآية التي تقول (وكذلك جعلناكم امة ً وسطاً) .. وعليه فالاسلام اشتراكي المنحى عندما يُفلسف للملكية العامة وضرورة دعم الدولة مالياً في مجالات القضاء على الفقر عن طريق الضرائب التي يفرضها تحت عنوانين متعدّدة وكذلك حينما يضع قيوداً معيّنة على التجارة والاموال باعتبارها ملك للمجتمع وليس فقط ملك الفرد، وفي نفس الوقت ليبرالي التوجّه في اصل حرية الفرد في العمل ومشروعية الاقتصاد الحر دون ان تُمارَس القسرية الشيوعية عليه. لا نتناول هذه المصطلحات من زاوية علاقتها بالميتافيزيقيا بل من ناحية سياسية واقتصادية بحتة لا علاقة لها بالفكر والعبادة وغيرها من الامور الغيبية.
عندما نقول بأن هناك اسلاميٌ - ونعني به الذي يؤمن بالسياسة الاسلامية ويدعو لها - يؤمن بالديمقراطية فلا نعني هنا الاّ باسلامي يؤمن بالليبرالية كذلك، لانها متلازمة فكراً ومضموناً مع الديمقراطية كما اسلفنا اعلاه. وبالتاكيد لا نقصد الايمان بطابعها العلماني الرافض للتديّن، بل بمفاهيمها التي تضمن الحرية والمساواة وحماية الاقليّة في المجتمع، مع مراعاة ضرورة تقنين حجم الليبرالية الاقتصادية وتحديد السقف المفتوح لأقتصاد السوق بشيء من المعقولية كي لا يكون مصير الدولة مرهون بحفنة من الرأسماليين الوحشيين كما هو حاصل فعلاً في بعض البلدان بدرجة لا يمكن نكرانها.
الاسلامية الليبرالية لا تؤمن بالليبرالية على اطلاق معانيها، بل بما لا تتقاطع مع الثوابت الدينية، والتي يُمكن لها ان تُعالج مشاكل الدول التي تضم في ثناياها قوميات وطوائف متعددة لا يمكن حكم الاسلام فيها .. وان آمنوا الاسلاميون او اقتربوا من اي فكر آخر كالليبرالية في بعض مفاهيمها، هذا لا يعني انهم آمنوا بفصل الدين عن السياسة بمعناها الجاف والمتشدّد. فمثال الصين وهي تتعامل باقتصاد السوق رغم شيوعيتها، وامثلة دول الاسكندنافية الرأسمالية في اجراءاتها الاجتماعية والاقتصادية ذات المستوى العالي من العدالة والاشتراكية، امثلة موفقة جداً على ما نطرح نحن هنا وليس العكس، لأنها كانت نماذج ناجحة في تكييف رؤيتها وتلقيحها مع الافكار والنماذج العالمية الاخرى، وبالتالي اثبتت نجاحها على الاقل لحد هذه الفترة. وما الاسلامية الليبرالية الاّ مُحاكاة لما قامت به هذه الدول في طريقة تفكيرها حول النظام الاصلح والانجح في ادارة الدولة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً بغض النظر عما اذا كانت هذه الافكار مهجّنة او اصيلة طالما تعطي نماذج ناجحة .. فليس هناك فكراً خالصاً نشأ بمعزل عن مكتسبات الانسان على طول التاريخ. وليست الافكار كلها غير قابلة للتطوّر الاّ بالخروج عن اسسها ومبادئها ... هذه راديكالية مُجحفة.
نعم .. لست رافضاً لحكم الله في الارض، لكني في نفس الوقت لست فارضاً له على الآخرين المخالفين، فقد علّمنا القرآن الكريم كيف ندعو الآخر الى المشتركات الموجودة بيننا وفق قاعدة (قل يا اهل الكتاب تعالوا الى كلمة ٍ سواء بيننا وبينكم) .. وهو ما يعني ان الاسلام تنازل عن نبوّة محمد (ص) مُقابل نقطة الاشترك الموجودة (كلمة ٍ سواء) بين الاديان كلها وهو (الله) عز وجل.
فهل من سبيل لاحترام الآخر والقبول به وباختلافه سوى بالليبرالية التي لا تتقاطع مع الاسلام!!
واذا كان الاسلاميون قد آمنوا بالديمقراطية دون اي حسّاسية، فما المشكلة في الايمان بالليبرالية بعد !!!
#سليم_سوزه (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟