سيد القمنى
الحوار المتمدن-العدد: 2259 - 2008 / 4 / 22 - 11:34
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
خريطة الطريق نحو الإصلاح : ( إنقاذ الإسلام من براثن المسلمين ) :
( 5 ) هل غير المسلم غير ذي خلق بالضرورة ؟
قبل أن تقرأ الموضوع : _
بعد نشر الحلقات السابقة من هذه السلسلة نعتني أحدهم بالقمام الذي لا يجمع سوى قمامة التاريخ ، و القمام بالبلدي الفصيح هو ( الزبال ) ، معبراً بذلك عن كوني جامع قمامة ، و جمع القمامة في التراث العربي الأبي التليد هي مهنة حقيرة و محتقرة أراد الكاتب تحقيري بها ، لأن العربي أصلاً يأنف العمل اليدوي كالزرع و الحصد و الصنع ، و و يحتقر الإكاره ( الفلاحة ) ، فما بالك بمن ينظف له قمامته ؟ المهم أنه بعد أن ينظف لهم القمام قمامتهم يحتقرونه ، بهذا المعنى قصدني الأخ المسلم ، دون أن يسأل نفسه من أين لي بهذه القمامة ؟ و ما هي هذه القمامة بالضبط التي أسقط عليها و أجمعها ؟ أليست قمامة ثقافتك يا أخي المسلم ؟ أم أني صانعها ؟ إني عندما أنظف عقلك أكون باحثاً محترماً لا يخجل من النبش في القمامة ، فالباحث كالطبيب ينظف الجروح من القيح و الوسخ و يطهرها من الأدران ، ثم يرقى فوق ذلك بكونه ينظف الدماغ مما فيه من قمامة ، و لنركز هنا إذن على القيم الأخلاقية التي هي الملكية الخاصة للمسلمين التي يباهون بها الأكوان بدلاً عن القمامة.
تعالي يا أخي المسلم نكشف معاً عن قمامة ثقافتك و مناهجك في التفكير ، حتى تعود سليماً معافى تشارك الدنيا بالعطاء و تنعم مع المنعمين فيها بالتقدم و السعادة و الرفاة و المعرفة و الرقي العلمي والأخلاقي ، عوضاً عن القتل والقتال.
الموضوع : _
أعراض عصابية سيكوباتية شديدة الاستعصاء ، أصابت القيم الأخلاقية عند المسلمين في مقتل ، و هي لون من المسلمات التي لا دليل على صدقها في الواقع ، بل أن الواقع ينفيها و يكذبها ، مسلمة تقوم على ما يشبه الاعتقاد الديني ، و هو أن الإسلام تحديداً من بين كل أديان الأرض سماوية و أرضية هو المعبر الصحيح عن القيم الأخلاقية ، و أن غير المسلم هو بلا أخلاق بالضرورة ، فقط لكونه غير مسلم .
مشكلة المسلم مع القيم شديدة التعقيد ، فهو يقيم مناهجه القيمية على عقائد دينية ، و لأنه يعتقد أن عقيدته وحدها هي ما تملك تمام الأخلاق الذي يلازم تمامية المعرفة بالضرورة . لكن ذلك تحديداً هو ما يجعله يفترض بالضرورة أن غير المسلم لا يملك معرفة سليمة ، كذلك هو بالضرورة لا يملك أخلاقاً سوية حتمياً ، و كان سلب القيم الأخلاقية عن العدو و لازال سلاحاً فعالاً في الحرب النفسية و لتجييش من يظنون أنفسهم الأبرار و الأطهار ضد الأشرار ، فيتم تنجيس و تبخيس الغير أولاً حتى يكون الضمير مرتاحاً عند قتل هذا الغيرفي عقيدة الجهاد ، يكون قد استحق مصيره و شن الحرب عليه و قتاله و قتله .
و لهذه الأسباب تحديداً ، و علي مثل هذه العقائد بالذات و بالتخصيص ، قامت حروب الفتن الإسلامية و حروب الفتوحات التي حصدت ملايين المسلمين و غير المسلمين ( حوالي مليون و نصف إنسان خلال السنوات الأربع الأولى من الفتوح خارج الجزيرة في زمن كان المليون إنسان رقماً هائلاً بحسب تعداد المجتمعات حينذاك ) ، لأن هذه الحروب قامت على اعتقاد بامتلاك المسلمين للحقيقة النهائية في فهم الدين و الدنيا ، ثم امتلاك كل طرف مسلم في حروب الفتن للحقيقة التامة ، و أنه وحده من يملك قيماً أخلاقية ، في مقابل اعتقاد الطرف الآخر لذات الاعتقاد في قيم أخرى مخالفة تقوم على فهم آخر للإسلام ، فكانت قيماً ذاتية تتأسس على الهوى و ليس لها في الواقع معياراً محدداً يثمنها بالإيجاب أو بالسلب ، من يحدد القيمة و يصنعها هو شخص صانعها و عادة ما يكون هو القوى المنتصر . هذا رغم أن العالم حينذاك كان قد اكتشف القيم الموضوعية ( الإكسيولوجية ) منذ فلاسفة اليونان قبل الإسلام بقرون و أزمان ، و تواضع الفلاسفة على ثلاث قيم مطلقة لا يختلف حولها اثنان لذلك هي موضوعية يفهمهل الكل بكل وضوح ، و هي : الحق و الخير و الجمال . لكن الإسلام لم يظهر لا في أثينا و لا في روما ، و إنما في فيفافي الحجاز ، و خاطب الناس في هذه البوادي القاسية بلسانهم و فهمهم و معارفهم و قيمهم و ليس بمعارف و قيم الأعاجم .
كانت القيم الذاتية في الجاهلية الأولي هي الشأن الطبيعي في ثقافة العربي ، لأنه لو طبق القيم الغيرية كالكرم و الإحسان لمات في بواديه جوعاً ، فكانت القبائل تتحرك في البوادي بحثاً عن خيرها الضنين ، فتتقاتل عليها قتالاً صفرياً لا توجد فيه موائد صلح و لا مبادرات سلام ، فيه قاتل يا مقتول ، فتقتل القبيلة من تقدر عليه من القبيلة المهزومة ، و تستولى على ما تملك جميعاً عيون الماء و السوائم و المتاع ، و تبقي من البشر على من يمكن الاستفادة منه فقط لأن له فم يأكل ، فيجب أن يكون لوجوده ضرورة ، و عدم وجوده أفضل . لذلك كانت العبودية عموداً من أعمدة المجتمع البدوي من فجر تاريخه ، بينما لم تعرف مصر مثلاً نظام العبودية طوال تاريخها إلا عندما دخلها البدو اليهود زمن النبي يوسف والهكسوس، و لم يرتق العرب إلى التواضع على قيم كالكرم و الوفاء بالوعد و الصدق في القول إلا مع الإستقرار المدني لمكة ، و التي تحولت إلى مركز تجاري ترانزيتي ، ثم أمسكت بعنان تجارة العالم إبان الحرب السبعونية بين إمبراطورتي الفرس و الروم ، و فرضت مصالح التجارة و ضرورة سيولتها و سلامتها التي تعود بالنفع على الجميع ، ضرورة توافق العرب على قيم النخوة و المروءة و الأمانة و النجدة و الإجارة و الكرم و الوفاء بالعهد ، و كان ذلك تحديداً إبان العصر الجاهلي الثاني منبع كل فضائل العرب ، و الذي انتهي بظهور الإسلام و العودة بالعرب إلى قيم الجاهلية الأولى حيث قيم الغزو و السلب و النهب و السبي و الحروب الصفرية .
و هو الأمر الذي تعبر عنه رواية ابن عبد ربه في عقده الفريد ( ج 5 ص 132 ) عن صحابة لرسول الله جلسوا يتذاكرون الجاهلية الأخيرة مقارنين بينها و بين زمن الصحابة ، " قيل لبعض أصحاب رسول الله ( ص ) : ما كنتم تتحدثون به إذا خلوتم في مجالسكم ؟ قالوا : كنا ننشد الشعر و نتحدث بأخبار جاهليتها . و قال بعضهم : وددت أن لنا مع إسلامنا كرم أخلاق آبائنا في الجاهلية ، ألا ترى عنترة الفوارس جاهلي لا دين له ، و الحسن بن هانئ مسلم له دين ، فمنع عنترة كرمه ما لم يمنع الحسن بن هانئ دينه ، فقال عنترة في ذلك :
و أغض طرفي إن بدت لي جارتي . . . حتى يواري جارتي مأواها
فقال الحسن بن هانئ مع إسلامه :
كان الشباب مطية جهل . . . و محسن الضحكات و الهزل
والباعثي والناس قد رقدوا . . . حتى أتيت حليلة البعل "
قامت حروب الفتن الإسلامية على اعتقاد كل فريق بصوابيته المطلقة ، فيخوض حرباً صفرية ضد الطرف الآخر ، وكانت الحرب الصفرية إبادة تامة بمعنى الكلمة ، و هو ما تمثل في إبادة بيوت بكاملها كما في أبشع مثال مخزي في تاريخنا إبادة آل بيت الرسول حتى قتلوا الأطفال الرضع ، ثقافة أكلت بيت مؤسسها ، و تمثلت أيضاً في حروب الفتوح حيث تمت إبادة ممالك بكاملها مثل مملكتي الغساسنة و المناذرة التي انتهت من الوجود في الجغرافيا و في التاريخ ، و كانت ممالك عربية ، لا فارسية ، و لا رومية .
حرب العربي إما كل شئ ، أو لا شئ ، من النهر إلى البحر و لو فني الجميع ، لأنه لا يري الآخر مطلقاً و لا حق لهذا الآخر في الحياة ، فهذه مفاهيم حديثة لم تكن قد وجدت في القرن السابع الميلادي بعد في مجتمعات البداوة ، التي لم تعرف لا قوانين روما و لا فلسفة الأخلاق اليونانية و لا ديمقراطية أثينا ، و لم توجد في بلادنا حتى اليوم لأننا لازلنا نعيش في القرن السابع الميلادي بعد ، بل و حولنا بلادنا إلى القبلية العنصرية الطائفية المتناحرة ، زيادة في الأخلاص حتى نعيش نفس المكان و نفس الزمان عند خير القرون . و بقيم ذلك الزمان ، و هي القيم التي تحتاج إلى دراسة متأنية مستفيضة ، لأنها الموجه لسلوك المسلم اليوم و تصرفاته ، و تقف وراء تفكيره و أهدافه ، لبحث مدى تأثير هذه القيم إن إيجاباً أو سلباً ، في عملية الهدم و البناء الضرورية في عملية الإصلاح المرتقبة .
تعجب اليوم في العراق _ الذي عشقته كمصر و تيمت به و بأهلي و ناسي هناك _ إذ أخذه أهلي و ناسي ( ليمزقوا نياط قلبي ) إلى نفق الطائفية المظلم فعاثوا في عراقنا الفساد و سفكوا الدم البرئ ، في فتن جديدة تقوم على فتاوي جديدة ترى كل منها ذاتها الكمال كله وعداها الباطل كله ، عادوا قبائل متفرقة بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد يصبحون بنعمته إخوانا .
مصر القديمة تحولت إلى بلد حضاري مستقر متماسك منذ ما يزيد عن سبعة آلاف عام ، و لم يكن فيها كعبة ، و لم تكن فيها قباب مقدسة لآل البيت ، و لم يكن فيها إسلام هو الحل ، و أيضاً لم تحدث فيها تلك الفتن بين أهلها و بعضهم ، لم تحدث في مصر حرب أهلية واحدة في أزمنتها القديمة. هنا الفارق الثقافي الذي تصنعه البيئة مع الإنسان جنباً إلى جنب ، ليبرز الفارق القيمي بين قيم الإستقرار و قيم التبدي . كذلك كان العراق ، فمن إسمه اشتق اللسان العربي معنى ( العراقة ) ، و مع الغزو الحقيقي التتري التكفيري للعراق ، آتيا من السعودية و مصر و إيران و سوريا و الجزائر و اليمن ، بعد سقوط الطاغية ، و كل بفتواه ، و كل قد حول الرأى إلى قول مقدس ، فتتقدست الفتوي إلى حد يباح فيها دم الذي لا يأخذ بها فهو من الكافرين ، إن سنة نبي الأمة كان فيها ما إن لم نأخذ به لم نأثم ، فجاءنا فقهاء آخر الزمان بفتاوي قاطعة الثبوت و الدلالة قاطعة الصحة و اليقين ، دون أن يشيروا إلى مصدر قدسيتهم التي تعلو على صاحب الوحي جبريل و على رسول الله ( ص ) ؟ ! فتاوي تصل إلى قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، لأنهم يرون الحق كله معهم وحدهم .
ما الذي سيترسخ في ذهن الطفل الصغير عندما يتعلم و يحفظ الآيات القائلة : " أرأيت الذي يكذب بالدين ؟ ! فذلك الذي يدع اليتيم ، و لا يحض على طعام مسكين / 31 / الطاغوت " .
أن معني الدين في الإسلام هو الإسلام وحده ، و إن الذين لا يؤمنون بهذا الدين ، هم الجفاة القساة غلاظ النفوس ، أنهم يدّعون اليتيم ، بل و زيادة على هذه الخشونة في الضمير هم أشرار ، فهم لا يكتفون بدع اليتيم ، إنما لا يتداعون بينهم بالنصح و الإرشاد لإطعام المسكين . إن فهم هذه الآيات منزوعة من سياقها الزمكاني التاريخي و الموضوعي في أحداث الأرض زمن الدعوة ، هو فهم سطحي سريع ، و ليس في وقت المسلم اليوم أمام المكتبة الإسلامية الهائلة كماً و كيفاً ما يجعله يبحث عن السياق و عن التاريخ ، هو في حاجة لمختصر مفيد بسيط ، يكرره الفقهاء و يصدقه العوام ، و هو أن غير المسلم بلا أخلاق و بلا إنسانية ، بل أنه من البديهيات لمن يعلن أنه مسلم ، أنه بالضرورة و بالتلازم القسرى صاحب قيم أخلاقية رفيعة ، ألا ترون عبد المنعم أبو الفتوح القطب الإخواني ذائع الصيت في حوار معه علي شبكة إسلام أون لاين ، يقول متسائلاً مستغرباً مندهشاً مستنكراً : " كيف يُتصوّر أن يكون هناك أخ مسلم يدعو الناس إلى الصدق و الأمانة ، ثم يكون في سلوكه و أعماله صورة سيئة ضد الصدق و الأمانة " ! ! ؟
و مثله الشيخ قرضاوي يحدثنا عن المجتمع المسلم فيقول : " و يقوم ذلك المجتمع على آداب و تقاليد خاصة ، تجعله نسيجاً وحده غير مقلد لغيره ممن بعد عنه زماناً أو بعد عنه مكاناً / ملامح المجتمع / مكتبة وهبة / ص 109 " . و في كتابه ( الإخوان المسلمون / مكتبة وهبة 1999 ) ، يقول الشيخ قرضاوي ناقلاً عن سيده حسن البنا ، واصفاً المجتمعات غير المسلمة : " من أهم الظواهر التي لازمت المدنية ، الإلحاد و الشك في الله و إنكار الروح و نسيان الجزاء الأخراوي ، و الإباحية و التهافت على اللذة و التفنن في الإستمتاع و إطلاق الغرائز ، و الإثرة في الأفراد فكل إنسان لا يريد إلا خير نفسه ، و الربا و الاعتراف بشرعيته و اعتباره قاعدة للتعامل ، و قد أنتجت هذه المظاهر المادية البحث في المجتمع الأوروبي فساد النفوس وضعف الأخلاق ، و التراخي في محاربة الجرائم فكثرت المشكلات و ظهرت المبادئ الهدامة ، و أثبتت المدنية الحديثة عجزها التام عن تأمين المجتمع الإنساني . . و فشلت في إسعاد الناس / ص 139 ، 140 " ، و هو ما يكرره قرضاوي بعد ذلك كمسلمات في معظم كتبه ، فهو مثلا يقول في كتاب ( ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده / مكتبة وهبة / 2001 ) : " إن المجتمع المسلم متميز عن سائر المجتمعات بمكوناته و خصائصه ، فهو مجتمع رباني إنساني أخلاقي متوازن ، و المسلمون مطالبون بإقامة هذا المجتمع حتى يمكنوا فيه لدينهم و يجسدوا فيه شخصيتهم ، و يحيوا في ظله حياة إسلامية متكاملة ، حياة توجهها العقيدة الإسلامية ، و تزكيها العبادات الإسلامية ، و تقودها المفاهيم و تحملها الآداب الإسلامية ، و تهيمن عليها القيم الإسلامية ، و تحميها التشريعات الإسلامية ، و توجه إقتصادها و فنونها و سياستها التعاليم الإسلامية / ص 7 " .
أنظر حركات الشعوذة و أساليب الحواة الرخيصة و الثلاث ورقات ، إن الفقيه المسلم التقي الورع يسم غير المسلمين جميعاً بكل نقيصة أخلاقية يعددها واحدة فواحدة ، و ذلك كي تظهر الفروق بين المجتمع المسلم و المجتمع غير المسلم ، ثم يمنح المجتمع المسلم كل الصفات الإيجابية لأنه مجتمع رباني إنساني متوازن . . إلخ . . إلخ ، ثم تكتشف فجأة أن هذه المقارنة تتم بين واقع غير المسلمين ، و بين المجتمع المسلم الذي يطالبنا الشيخ بإقامته ، فهو مجتمع غير قائم بالفعل ، مقارنة بين واقع أهل الغرب ، و بين وهم و حلم بمجتمع غير موجود بيننا . ناهيك عن عنوان الكتاب المخصص لبيان ( ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده ) ، الشيخ قرضاوي بعد مضي ألف و أربعمائة سنة و ربع القرن و نيافة عليه ، جاي النهاردة يبحث لنا عن ملامح المجتمع المسلم المزمع إيجاده إن شاء الله ، لأنه لازال في مرحلة التمنى ، فهو ( الذي ننشده ) ، فكم من القرون سننتظر يا ترى ؟ هل هناك خلل فادح في أخلاق المسلمين كذباً على الذات أظهر من هذا و أجلي ؟ هذا الرجل من كبار أولى الأمر و لفتاواة أثرها الجليل الذي نراه اليوم في مجازر العراق و غيرها من بلاد المسلمين و غيرالمسلمين . فانظر إلى ما يعتور قوله المدهش دون أن يشعر هو و لا أتباعه بأي عوار و لا بأي دهشة ! ! ......... يا عينك . . يا جبايرك !!! . . هكذا تكلم الشيخ سيد درويش احد أعلام نهضة مصر المقبورة بفتاوي مشايخ آخر الزمان .
ثم يكرر قرضاوي عاطفاً مقارناً بين المجتمع غيرالمسلم و بين المجتمع المسلم الوهمي المتخيل ، فيعطينا وصفاً لهذا المجتمع المسلم ، حشده بطول كتابه و ما أطول كتبه من حيث المساحة ، سأحاول هنا العثور على ما أجمله فيها من عبارات بلسانه : " فهو مجتمع العدل و الإحسان و البر و الرحمة و الصدق و الأمانة و الصبر و الوفاء و الحياء و العفاف و العزة و النجدة و السخاء و الشجاعة و الإباء و الشرف و البذل و التضحية و المروءة و النجدة و النظافة و التجمل و القصد و الاعتدال و السماحة و الحلم و التضحية و التعاون و الغيرة على الحرمات و الاستعلاء عن الشهوات و الإيثار للغير و الإحسان للخلق كافة و بر الوالدين و صلة الأرحام و إكرام الجار ، و الإخلاص له و التوبة إليه و التوكل عليه . . مجتمع يحرم كل الرزا-ل و الأخلاق الرديئة فيجعلها في مرتبة الكبائر، فيجرم الخمر و الميسر و الزنى و الشذوذ الجنسي و يحرم عقوق الوالدين و إيذاء الآخرين باليد أو باللسان و يجعل من خصال النفاق الكذب و الخيانة و الغدر و إخلاف الوعود و الفجور في الخصومة / ص 90 ، 91 " .
و هكذا حشد الشيخ كل ما تفتقت عنه قريحته من أحلام بدوية على قيم حداثية على فضائل متخيلة، للمجتمع المنشود و الذي سيقيمونه عندما يتمكنون في الأرض ، يمني به المسلمين أمانى وأحلام بالمدينة الفاضلة التى لم تقم على الأرض يوما ، و يتفاخر به على قيم وأخلاق الكفرة العراة الفساق الفجرة ؟ ! ! فخر بما لا يملك في الواقع بدليل أنه يتمناه و يرسم له الخطط ، فخر العربي الكاذب الفقير الجاهل القليل المريض العارى القائل :
" نحن قوم إذا ولد الوليد فينا * * * خرت له جباة الملوك ساجدينا "
شاعر أخر عبر عن قيم العروبة في العداء الصفري بقوله :
" نحن قوم لا توسط عندنا * * * لنا الصدر دون العالمين أو القبر "
فيعطيه الواقع القبر دون العالمين .
الأخ أبو الفتوح لا يتصور من أخ مسلم غير الصدق و الأمانه فقط لأنه أخ مسلم ، و لو كان يقصد الإخوان وحدهم فهو يصورهم لنا مجتمعاً من الملائكة الأطهار ، و هو بمقارنته بالواقع يظهر كلامه مجرد شعر فخر كاذب ، فلا هو تخر له جباة الجبابرة و الملوك ساجدين ، و لا هو حقيقة ، هو مجرد شعارات ترويجية ليس أكثر ، ألا ترونهم يعلنون تحريم الربا و يتحايلون عليه ألف حيلة في بنوك إسلامية هي ربوية بالكلية و إلا سقطت و إنهارت بين بورصات الأوراق العالمية . و يفعلون و هم يعلمون ، " ويل للذين يحرفون الكتاب بأيديهم و هم يعلمون " ، و يخادعون ربهم علناً عياناً بياناً ، فأى مرض عصبي و عقلي لحق بالضمير المسلم ؟ !
يتكلم قرضاوي و أبو الفتوح عن الشرف ، لكنهم لا يعلنون انتهاء العمل بأحكام آيات انتهى زمنها ، لا يعلنون انتهاء زمن هتك عرض غير المسلمين و السبي .
يتكلمون عن الحريات و يقيمون علم فقه كامل للعبودية يدرسه عيالنا في المدارس الدينية حتى اليوم .
يتكلمون عن حقوق الإنسان و هو مفهوم معاصر لم يكن في تاريخنا و لا تاريخ غيرنا في تلك الأزمان ، و في الوقت ذاته لا يعترفون بأي حقوق لغير المسلمين ، فهم كفار ، إنهم خارج الإنسانية ، فالإنسانية للمسلمين وحدهم .
يتحدثون عن حق الأمن و السلام و يرون أوطان غيرهم ديار حرب ، و من الشرع في أرفع الدرجات الاعتداء على غير المسلم و قتله و سلبه و نهب و سبي عياله و نسائه حسب عقيدة الولاء والبراء ، و الجهاد .
الشيخ المسلم و هو يكذب على نفسه و على المسلمين ، سواء داعية و مرجعية للجميع مثل قرضاوي ، أو كان عنصراً سياسياً حركياً مثل أبي الفتوح ، يتحول إلى نصاب من وجهة نظر القيم الأخلاقية ، أليس نصاباً من يعطي قيمة لشئ و يسلبها عن مثيلة ؟ أليس أفاقاً من يقف فوق رؤوس الأشهاد يعلن منحه القيم لهؤلاء و يسلبها عن هؤلاء ، بينما هو يمنح شيئاً ليس بيديه ليميز بهم بشراً لا يستحقون عن بشر يستحقون ، أترون إلى أين وصل الخبال بالعقل المسلم ؟ ! إن من لا يملك يعطي لمن لا يستحق ببساطة و خفة و على رؤوس الأشهاد جهاراً نهاراً ، بالكلام و البلاغة ، فنجرة بُق ، مجرد كلام لا أصل من واقع له . إن من يعلن نفسه مانح القيم أو صاحبها الأصلي هو نصاب أشر ، لأن القيمة الأخلاقية ليست ملكية خاصة لقوم دون قوم ، و ليس فيها عرب و عجم ، القيمة هي جزء أصيل في الموضوع أو في الواقع ، و تظهر إلى الوجود عندما يتم اكتشافها و تفعيلها في أى مكان أو زمان ، بينما المسلمون يمنحون أنفسهم القيم منحاً كريماً و سخياً إلى حد الإبتذال ، لإن العاطي في هذه الحال هو رب المسلمين الذي خص أمته وحدها بالخير دون بقية عيال الله في الأرض جميعاً ، و أعلنها خير أمة أخرجت للناس .
و هكذا هو ينفي القيم الأخلاقية الموجبة عن غير المسلمين جميعاً ، لذلك يتحدث عن حقوق الإنسان لكنه لا يعطي المرأة في بلادنا حقوقها كالذكر من باب العدالة ، لأن هذا الحق تحديداً ظهر عن الغربيين و هم بلا أخلاق لأنهم غير مسلمين ، و بهذه الطريقة ينفي الرقي عن قيم غير المسلمين لأنها عنده لا تخضع لمعيار الصواب و الخطأ و النفع و الضرر و الخيرية و الشرية ، إنما تخضع لمعيار الحلال و الحرام كمنظومة قيمية ربانية ثابتة لا تقبل تغيراً أو تطوراً . هنا سيكون الكلام عن حقوق الإنسان كحريته في اختيار معتقده ، أو حريته في نقد دين من الأديان كعمل بحثي أكاديمي ، أو نقده لبقاء فقه الرق حتى اليوم في معاهدنا الدينية ، سيكون ذلك كله فهماً غربياً في بلاد يعيش أهلها " حياة بهيمية " ، كما يصفهم كتاب التوحيد المقرر على أولى ثانوي بالسعودية المباركة . و مثله بالضبط سيكون الكلام عن الحرية هو قول كفري ضد الدين ، لأن الدين فيه فك رقبة ! فكيف سنفكها إن لم نفعل فقه الرقيق و نعمل به حين نعيد فتح البلاد لأنوارنا ؟ الخلل حادث نتيجة منح القيم لأنفسنا و سلبها غيرنا ، فلا نفهمهم و لا يفهموننا ، و نتحول إلى عالمين متباعدين في وقت تتوحد فيه الأرض كلها ، الخلل أن المسلم لا يدرك أن الحرية كقيمة أو أى قيمة أخرى لا علاقة لها بأى دين ، لأن القيم بما نفهمها من قيم اليوم الراقية لو كانت موجودة في أى دين لأمر بتحريم الرق فوراً و هو ما لم يفعله أى دين ، لأن هكذا كان منطق زمانه و نظم عصره .
و مازالت لنا وقفات ربما ستطول مع القيم الأخلاقية و المسلمين .
#سيد_القمنى (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟