بدر الدين شنن
الحوار المتمدن-العدد: 2182 - 2008 / 2 / 5 - 10:34
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
إن المراقب للأوضاع السورية ، منذ انقلاب 8 آذار 1963 وما تلاه من انقلاب على الانقلاب في 16 تشرين ثاني 1970 ، وصولاً إلى الوقت الراهن ، يستطيع الجزم ، بأن الدولة السورية التي جاء بها الاستقلال عام 1946 ، المؤسسة على الشرعية الديمقراطية والعقد الاجتماعي المعبر عنه بالدستور ، الذي يوفر العدل والمساواة وسيادة القانون ، حسب الظروف السياسية والاجتماعي السائدة آنذاك ، قد موهت أو أذيبت قسرأً في السلطة التي أتت بها قوة الانقلابين الآذاري والتشريني الآنفي الذكر . وأن كل ما يتعلق بالدولة من صفات ومضامين وقيم قد تم تكييفها عن عمد بما يتناسب مع السلطة ، التي احتوت الدولة المنقلبة عليها ووضعتها في خدمة أهدافها .. وخاصة آلياتها القمعية ، التي صارت منذ ساعات الانقلابين الأولى ، تمثل ما تفرضه حالة الطوارئ والأحكام العرفية من عسف ، مرآة وقبضة السلطة بوجه المجتمع والآخر المعارض .
وكان من الطبيعي أن تتكيف وتنتقل القيم المعنوية مع القيم المادية ، التي كانت قد تضمنتها أطر الدولة الأولى إلى السلطة " الدولة " الجديدة ، ومنها ما يسمى ب " هيبة الدولة " . على أن التكيف الذي طاول " هيبة الدولة " وانعكاسه على حقوق المواطنة ، كان أكثر فجاجة وتشويهاً مما جرى من تكييف لقيم الدولة الأخرى ، وذلك من خلال شرعنة احتكار وشخصنة الدولة ، حيث تركزت " هيبة الدولة " وفق المادة 8 من دستور 1972 ، ليس ب " هيبة الحزب القائد " فحسب ، وإنما بصورة أكثر تركيزاً بشخص أمينه العام الذي هو في الآن نفسه رئيس الدولة ، إذ أصبحت هيبة الدولة هي " هيبة الرئيس " . وهكذا أصبحت " هيبة الدولة " هرمية مقلوبة البنية والحضور والمسؤولية ، حيث صارت " هيبة الدولة " تستمد قيمتها من قمة هرم السلطة وليس من الشعب الذي يمنحها الاحترام والرضى الطوعي عبر آليات التعبير الحر الديمقراطي ، وأصبح معيار التعاطي معها يبدأ ويتحدد أولاً بمصالح وأهواء رئاسة الدولة .
----------------
وعنمدما غدت " هيبة الدولة " فئوية حزبية وشخصية ، على هذا القدر من المحدودية ، تهمشت تجليات الدولة القيمية الأساسية ، وتحولت من اعتباراتها الوطنية العامة إلى محدودية الخصخصة ، حيث أدى استخدامها الخاص إلى نخر وهشاشة ما تبقى لها من أطر عامة ، وإلى تعرضها لمخاطر جدية جمة . وبذا انقلب مفهوم " هيبة الدولة " من العام " الاحترام " إلى الخاص " القمع " .. إلى الرهبة والرعب ، وضاعت المواطنة بكافة مضامينها الوطنية والحقوقية والإنسانية .
وقد دفع الشعب السوري ثمن هذا التشويه لبنية وهيبة الدولة إهدار نحو نصف قرن من تاريخه المعاصر ، تميز بإحكام قبضة الاستبداد على الدولة والمجتمع ، أمنياً وسياسياً واقتصادياً ، وتعرض عشرات آلاف المواطنين للاعتقالات والسجون السياسية التعسفية ، واحتكار السياسة والسلطة بشكل حديدي وشمولي ، وتمايزات اجتماعية طبقية إرادوية سلطوية ظالمة ، وسيطرة الطبقة السياسية الحاكمة على الهرم الاقتصادي ، وانتشار الفساد والغلاء وتجميد الرواتب والأجور ، وانحدار مستويات معيشة أكثر من 60 % من المواطنين إلى ما دون خط الفقر ، والسير باتجاه خصخصة القطاع العام وبقية مؤسسات الدولة الانتاجية والخدمية ، وإدخال البلاد في مضمار اقتصاد السوق وتداعياته الحاملة للآلام الاجتماعية للغالبية الكبرى في المجتمع .
------------------
بعد ممارسات طوال عقود من السنين ، لم يعد يتطلب كبير جهد التوصل إلى أنه ، لما تنقلب " هيبة الدولة " من معناها العام " الاحترام ، الذي يسوغه فقط تمتع الدولة بالشرعية الديمقراطية المستمدة من الشعب ، إلى المعنى الخاص المعبر عن المصالح الفئوية والشخصية على حساب المجتمع ، عبر آليات رعب ناتج عن القمع اللاقانوني واللاأخلاقي ، تفقد مثل هذه " الهيبة " شرعيتها ، التي تشكل خلفية التهم التي يعتقل ويحاكم بذريعتها المعتقلون السياسيون على اختلاف أطيافهم ، وتفقد معها حقها باحترام المواطن لها وبالتزامه الطوعي بها ، وتتكرس " هيبة الدولة الملتبسة " هذه جزءاً أساسياً من الأزمة البنيوية في المجتمع ، وينفتح في المجال لمفاعيل الصراعات الداخلية السياسية والاجتماعية ، دون أي ضمان للسيطرة عليها عندما تبلغ تداعياتها الحدود المأساوية ، وتبرز ، تعبيراً أصيلاً عن ذلك ، في المشهد العام ، شرعية المعارضة و" هيبة المعارضة " التي تبشر بعودة المواطنة المفعمة بحقوق الإنسان ، والتي تعلو على شرعية هيبة الخوف والرعب . بل إن ذلك يعطي المعارضة شرعية مضاعفة ، لاتتأتى من حق الاختلاف وحق التعبير والاعتراض فحسب ، وإنما من حق الوطن عليها ، أن توقف الانحدار الوطني العام ، وتعيد بناء البلاد على أسس عقد اجتماعي جديد يعبر عنه د ستور ديمقراطي يؤمن العدالة والمساواة وسيادة القانون ، وينبني عليه عهد جديد تكون من أولى مهامه بناء هيبة للدولة ، تأتي عبر الآليات الديمقراطية ، من رضاء الشعب وقناعاته وإرادته ، بحيث تشكل قيمة وطنية عامة تمنح الوطن الهيبة بوجه أعدائه وتمنح المواطن الأمان والدفء والثقة بالمستقبل .
--------------
على أن المآلات الموضوعية للتداعيات الانحدارية المتواصلة على كل الصعد ، إذ وضعت المعارضة في مكانتها الشرعية المضاعفة ، فإنها تحملها مسؤوليات مضاعفة أيضاً . وذلك بأن ترتقي بمستوى بنائها الفصائلي والتحالفي إلى مستوى المهام الكبرى المطروحة أمامها ، فتعف عن السجالات العلنية اللامسؤولة المعبرة عن انقساماتها المؤسفة وعن حساسياتها إزاء بعضها البعض ، وخاصة السجالات التخوينية والتبخيسية ، وتتجه لترسيخ تقاطعاتها تمهيداً لبناء تحالفات نوعية نضالية جديدة ، وأن يكون خطابها شفافاً موجهاً للعقول وليس للعواطف ، بحيث يطاول المضامين السياسية الداخلية والخارجية على مستوى عال من المسؤولية الوطنية والديمقراطية ، ويطاول بعدالة المضامين الاجتماعية عامة ، وخاصة ما يتعلق بحقوق ومقومات المعيشة الكريمة للطبقات الشعبية بصورة مواكبة للتغيرات الاقتصادية الاجتماعية المتسارعة .
---------------
وعود على بدء ، إذا كان التسليم الجدلي يسمح باعتبار أن فعل " النيل من هيبة الدولة " يستوجب محاسبة المواطن الذي يقوم بذلك قضائياً ، فإن من العدل أولاً محاسبة من شوه وأضعف " هيبة الدولة " وعرضها لقلة الاحترام . وبالتالي فإن من حق هذا المواطن أن يقاوم الرعب القمعي غير المبرر قانونياً وأخلاقياً ، الذي يمارسه القيمون على الدولة و " هيبتها " لحرمانه من حرياته وحقوقه الدستورية الديمقراطية ، وأن يقف القضاء إلى جانبه ، الذي يتعين عليه أن يثبت هرم الدولة على قاعدته ، بمعناها الوطني الشامل ، وأن يصون هيبة الشعب ، التي هي وحدها تمد هيبة الدولة بالاحترام .. وبذا فقط تستحق هيبة الدولة عدم النيل منها ، حسب ادعاء السلطة ، وتستحق الاحترام .
والسؤال هنا ، أليس من حق المواطن ، قبل الجهات الرسمية ، أن يقيم الدعوى على المسؤولين في الحكم ، الذين وظفوا الدولة وهيبتها بأفعال فساد مشهودة سافرة ومارسوا جرم " النيل من هيبة الدولة " من خلال تسخيرها لخدمة سياسات لادستورية ولاعقلانية على كل الصعد ، ما أدى إلى فلتان القمع والقهر والنهب والفساد وإلى ضعف الوطن وتعريضه للأطماع الأجنبية ؟
الجواب يستدعي لائحة طويلة من الأسئلة .. من .. ومتى .. وإلى أي قضاء يوجه مثل هذا الادعاء المشروع ؟
#بدر_الدين_شنن (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟