علاء اللامي
الحوار المتمدن-العدد: 111 - 2002 / 4 / 24 - 08:42
المحور:
اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
يكشف التعليق السياسي على قرار الحكم في العراق بوقف تصدير النفط احتجاجا على العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني وتضامنا مع هذا الشعب الذي بثته إذاعة الحزب الشيوعي العراقي والمسجل حاليا على الموقع الإلكتروني الخاص بالحزب المذكور يكشف عن عدة حقائق مؤسفة مازالت سائدة في ساحة المعارضة العراقية والعربية التقليدية عموما يختزلها شعار : عدوي السياسي على خطأ حتى إذا قال إن الأرض كروية ! وقد آثرنا التوقف سريعا عند هذا التعليق الصادر عن هذا الحزب ،ولم نتوقف عند ما أصدرته "فرق الردح " السياسية الأخرى من بيانات رافضة في تلك المعارضة والمعروفة بارتباطاتها وعلاقاتها المدانة وخاصة تلك التي أبدت استعدادها لعقد معاهدة سلام بين " حكومتها العراقية القادمة على متن الدبابة الأمريكية وبين العدو لصهيوني كما ورد في تصريح علي بن حسين زعيم الحركة الملكية الهاشمية الدستورية ( راجع العدد 3323 من القدس العربي ) لقد آثرنا التوقف سريعا عند هذا التعليق احتراما لتاريخٍ مجيد وتراث غزير المعاني ، وأملا في وقفة جادة من قبل فصيل صاحب التعليق تقطع مع ذلك التقليد المجافي للحقيقة والذي لا علاقة له بالسياسة كعلم ولا بالسياسة كعلاقات إنسانية لا ينعدم وجودها حتى في مضافة القبيلة وجلسات المقاهي .
فبعد مقدمة نارية و حافلة بعبارات خطابية قوية من قبيل (الجريمة الصهيونية الجبانة ) و ( المدافعين الأبطال عن مدنهم وقراهم ) و (الجزار المستهتر شارون والحكام الإسرائيليين الفاشيست ) و ( الحكام العرب و نزعتهم التخاذلية الاستسلامية ) بعد مقدمة كتلك يكاد المستمع أن يتوقع من أصحابها مطالبة النظام العراقي ليس بقطع النفط فقط عن الغرب بل وبقطع والماء والهواء أيضا ، بعدها يفهم من كلمات كاتب التعليق أن الحاكم العراقي أخطأ بقراره القاضي بوقف تصدير النفط .. مهلا ! فالرفاق العراقيون ليسوا ضد هذا الإجراء من حيث المبدأ ولكنهم يسجلون على النظام أنه لم يهيئ له ما يلزم من إجراءات ! مثل ماذا يا رفاق ؟ هاكم القائمة التالية التي وردت في التعليق :
- إشراك الجماهير في صنع القرار عبر أحزابها وممثليها .
- توفير الديموقراطية .
- تأمين الحرية للمواطن .
- حل القضية القومية حلا عادلا . ( وعلى فكرة ،فالقارئ أو السامع لا يعرف على جهة التحديد عن أية قضية قومية يعلو الصراخ : العربية أم الكردية أم الاثنتين معا ؟ )
- التنسيق مع المصدرين الآخرين للنفط .
انتهت قائمة المؤاخذات أو المطالب ، والبادي للعيان إننا إزاء شريط للرسوم المتحركة (فلم كارتون ) حقا وليس في حضرة بيان لحزب سياسي فتعليق اتخاذ القرار أو اشتراطه بقيام الديموقراطية وحل القضية القومية يعني أيضا تجميد أو تعليق كل شيء في الحياة ، الطارئ والعادي والمختلط ، بدءاً من عمليات جراحة القلب وتعبيد الطرقات وليس انتهاء بدفن الموتى وتأبير النخيل في البصرة ! فهل هذا التعليق من جاد الكلام والتفكير ،أم إن حالة المعارضة العراقية انتقلت من الإطار السياسي الى الإطار الصحي النفساني فصار الرفض والتشكيك وتوجيه اللعنات للنظام طقسا غريزيا بل وبالغ بعضهم فصب لعناته على الوطن وهوية وتراثه أيضا ؟
نعم ، لقد صار كل هذا جزءا من أعراض حالة إدمان العقلية المانوية التي تختصر جميع ألوان الوجود الى الأسود والأبيض فكل ما يصدر عن النظام ، ولأنه نظام حاكم ، هو أسود، وكل ما يصدر عنا ولأننا معارضة فهو أبيض .
ومن الطبيعي والصحيح مجتمعيا الاستنتاج إن النظام و عبر قمعه الهمجي طوال أكثر من ثلاثين عاما يتحمل نصيبه " الأسدي " عن شيوع هذه المرض النفسي والذي لا تعاني منه أغلب أطراف المعارضة الوطنية وغير الوطنية بل ويعاني منه المواطنون العاديون أيضا والسبب هو إن هذا النظام لا يملك لغة أخرى غير الرصاص والمشانق طريقة للتعامل مع الأعداء والمختلفين والمجتهدين والمُطَلقين بالثلاث أي الذين لا علاقة لهم بالسياسة ، فكلهم في القمع سواء لأنهم لا يسبحون بحمد الحكم الفردي المستبد ! ولكن ذلك ، والحق يقال ، لا ُيعفي مَن أصابه هذا العارض من مسؤولية البحث أو محاولة القيام بالعلاج ذاتيا . واختصارا نتساءل : هل يعقل والنظام الاستبدادي على ما هو عليه من صفات أن نشترط مشاورته لممثلي الشعب ؟ وأين هم هؤلاء السادة الممثلون البارعون وعلى أية خشبة مسرح يقفون ؟ وهل يعقل أن نقول له : لا توقفْ تصدير النفط يا حضرة النظام حتى تسود الديموقراطية وتُحل القضية القومية ؟ أي تسطيح للتعامل والتفكير هذا ؟
كان يمكن ، بوصفكم حزبا معارضا ذا تاريخ حافل ، أن تسجلوا احتجاجاتكم على النظام وتقولوا فيه جميع أغانينا المتشابهة ثم تقولوا كلمة الحق الوحيدة التي تليق بالقرار معياريا وسياسيا وأخلاقيا وتاريخيا على أساس أنه قرار سليم وصائب وينبغي تبنيه . وبالمناسبة فالفقير الى الله " كاتب هذه السطور " لجأ الى طريقة المرحوم أبي الطيب المتنبي في خلط المدح بالهجاء بالرثاء فوصف ، في مقالة نشرت على صفحات إحدى الصحف العربية الصادرة في لندن يوم 10/4/2002 وكان موقع حزبكم المناضل قد رفض نشرها لأسباب "ديموقراطية جدا" ، وصفـتُ إذن قرار النظام بوقف تصدير النفط وقرار دعم الشعب الفلسطيني ماليا بأنهما( نقطتان مضيئتان على سطح النظام الشمولي وتسجلان لصالحه بحروف تنير ظلام القمع والدكتاتورية ! ) ولنا في المتنبي حصة كبرى فهو من أهل الكوفة كما تعلمون .
ولكن لنتساءل بصراحة ووضوح، ونحن اليوم في الرابع عشر من نيسان : هل يمكن اعتبار الاستمرار بوقف تصدير النفط العراقي بعد اليوم قرارا صائبا ومفيدا ؟ ربما سنفاجئ القارئ ، بعد كل هذا التأييد لهذه الخطوة المهمة ، حين نجيب على هذا التساؤل بالنفي . لقد استنفد القرار وحقق أغراضه السياسية والاقتصادية والإعلامية تماما و بنسبة مائة في المائة. فقد ظهرت الأنظمة العربية والإسلامية وبخاصة ذات الألسنة الطويلة والشعارات الصداحة على حقيقتها التي لم تكن خافية أصلا على أحد بوصفها عصابات مفروضة بقوة الدبابة الانقلابية أو معينة ومحمية من قبل أساطيل الولايات المتحدة الأمريكية . أما من الناحية الاقتصادية فقد بدأ سعر النفط بالاستقرار وهو مرشح للانخفاض وخصوصا بعد محاولة الانقلاب الأمريكية على الرئيس الفنزويلي اليساري المنتخب شافيز و عودة النفط الفنزويلي الى الأسواق . وهكذا سيكون الاستمرار بتطبيق قرار وقف التصدير عبثيا بل ومفيدا جدا لتلك الأنظمة اللصوصية التي رفضت مساندة الشعب الفلسطيني بل واستفادت من الارتفاع السريع في الأسعار . ليس ثمة ما هو أخطر من الخطأ سوى الاستمرار بارتكاب الخطأ ونعتقد أن الاستمرار بوقف تصدير النفط العراقي اعتبارا من الآن خطأ كبير ويمكن في الواقع مصارحة الناس بكل هذه الظروف و اتخاذ قرار جديد شجاع بالعودة الى تصدير النفط وتخصيص نسبة مهمة من العائدات لصالح الشعب الفلسطيني وإعادة بناء وإصلاح البنية التحتية التي دمرها جيش عدو السلام شارون . في الحقيقة ليست لدينا أية أوهام في أن يقدم النظام على اتخاذ قرار كهذا لأنه لا يسمع إلا صوته الداخلي طوال عمره ولأنه لا يريد ( لكلمته أن تكون اثنين ) فيفهم الآخرون أنه تراجع ، حتى لو كان هذا التراجع عن شفير الهاوية !
وبالعودة الى التعليق الإذاعي للحزب المذكور نجد أن أغرب ما ورد فيه قوله بأن دوافع اتخاذ القرار من قبل النظام هي : اللهاث وراء الشهرة وتملق المشاعر النبيلة للجماهير و التنافس على كسب الحظوة .. الخ .
إنها فكرة معتوهة تكتيكيا ، والعبارة لنعوم تشومسكي ، تلك التي تريدنا أن نقتنع بأن صدام حسين اتخذ هذا القرار بحثا عن الشهرة ! فعلى الأقل ،وبفعل بيانات ونشاطات المعارضة العراقية فقط ، أصبحت حتى حيوانات البطريق في القطب الشمالي تعرف شيئا ما عن صدام حسين وعن نظامه !! أما من ناحية التنافس على الحظوة فلا وجود للتنافس - ولله الحمد - فحكامنا العرب والمسلمين صاروا جميعا عقلانيين ومعتدلين و أعضاء شرفيين في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي المريخي !
علاء اللامي
#علاء_اللامي (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟