|
المشروع التنموي الفلسطيني بين انابولس وباريس
محسن ابو رمضان
الحوار المتمدن-العدد: 2148 - 2008 / 1 / 2 - 11:20
المحور:
القضية الفلسطينية
لقد أصبح واضحاً مدى الترابط بين التمويل الدولي واستجابة السلطة الفلسطينية للمعطيات السياسية الدولية والتي تقودها الولايات المتحدة بالمنطقة على طريق تحقيق التسوية مع إسرائيل بغض النظر عن عدالة تلك التسوية واستجابتها مع قرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي . ولذلك لم يكن غريباً انعقاد مؤتمر واشنطن للدول المانحة على اثر توقيع اتفاق اوسلو ، حينما قرر هذا المؤتمر تمويل السلطة الفلسطينية بمبلغ 2.2 مليار دولار ، وقد استمرت اجتماعات المانحين بهدف دعم البنية التحتية والمؤسساتية الفلسطينية بسبب استمرارية التزام السلطة الفلسطينية باتفاق اوسلو وتبعاته من محطات وحلقات تفاوضية أخرى مثل واي ريفروغيرها ، ولكن تلك الاجتماعات والأموال تراجعت أو تجمدت عندما كان يحدث استعصاءً في المسار التفاوضي أو عند قيام السلطة برفض الاشتراطات السياسية الدولية وخاصة الأمريكية وهذا ما حدث على ضوء رفض الرئيس الراحل ياسر عرفات شروط التسوية في كامب ديفيد برعاية الرئيس الأمريكي كلنتون في ذلك الوقت ، وقد ارتبط التعهد التمويلي للسلطة بضرورة قيام الأخيرة وفق توجهات وشروط المانحين بإجراءات إصلاحيه لها أهداف سياسية إضافة إلى الأبعاد المؤسسية الخاصة بالشفافية والإدارة الرشيدة ومن تلك الأهداف السياسية التي كانت في تلك الفترة إضعاف قيادة الرئيس عرفات عبر استحداث منصب رئيس وزراء يتمتع بصلاحيات واسعة وعند وصول العقل السياسية لقناعة بعدم استجابة السلطة للشروط المفروضة كانت تتم بصورة جدلية عملية تأخير أو تأجيل ضخ المساعدات المالية إلى ان توقفت على اثر فوز حركة حماس بأغلبية واسعة بالانتخابات التشريعية التي تمت في يناير 2006 . حيث قامت إسرائيل باحتجاز أموال الضرائب الفلسطينية " المقاصة " والتي وصلت إلى حوالي 700 مليون دولار كما ترابط ذلك مع تجميد المانحين لمساعداتهم المالية للسلطة في إطار الترابط بين الحصار السياسي والمالي . لقد استمرت سياسة الحصار حتى بعد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية التي ربما كانت الأمل باتجاه إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس من الشراكة والديمقراطية وخطوة باتجاه إعادة إحياء منظمة التحرير الفلسطينية وترسيخها ممثلاً شرعياً ووحيداً لشعبنا على قاعدة من الديمقراطية وعبر انضواء كافة القوى والفاعليات في تكوينها على أساس البرنامج السياسي الذي اعتمد في حكومة الوحدة الوطنية " وثيقة الوفاق الوطني " والذي قلص المسافات بين القوى جميعها بما في ذلك حماس وفتح لصالح رؤية واقعية تستند إلى الحق الفلسطيني المكفول بالقانون الدولي وبقرارات القمة العربية . لقد نظر الاقتصاديين بعين من القلق اتجاه المساعدات المالية والتي تأتي إلى السلطة والمجتمع الفلسطيني ، لأنه لم يتزامن بقدرة المجتمع الدولي للضغط على إسرائيل لرفع الحواجز والسماح بحرية الحركة للأفراد والبضائع بصورة حرة ، خاصة ان الحواجز والاغلاقات تلحق الأضرار والخسائر الاقتصادية بالاقتصاد الفلسطيني بما يتجاوز حجم المساعدات الدولية التي تأتي إليه. كما ناشدوا بالعديد من المرات دول الاتحاد الأوروبي بعدم الاقتصار على الدور التمويلي والاقتصادي أي القيام بدفع فاتورة ما يخلفه الاحتلال من خسائر بل من الضروري ان يرتقى هذا الدور إلى البعد السياسي وفق استخدام آليات من الضغط على حكومة إسرائيل لرفع الحواجز وإنهاء الاغلاقات وصولاً لتمكين شعبنا من تحقيق أهدافه في تقرير المصير والسيادة بوصفها شروطاً حاسمة لضمان عملية التنمية الاقتصادية المستدامة . لقد ترابط ذلك مع عم نجاح السلطة الفلسطينية في تحقيق خطة مناسبة للإصلاح الإداري والمالي بل ان التضخم في القطاع الحكومي عبر التوظيف السياسي أدى إلى تحويله إلى أكبر مشغل للعمل وكما لم تنجح السلطة بسبب غياب أو ضعف الخطط واستمرار ممارسات الاحتلال من القيام بتوفير بيئة تنموية مشجعة لعملية الإنتاج والاستثمار لاستيعاب نسبة معقولة من العاطلين سنوياً عن العمل ،الأمر الذي حول المجتمع الفلسطيني إلى رهينة للمساعدات الخارجية بانتظار الراتب الشهري كما حول قسم آخر من المجتمع إلى باحثين عن البرامج الاغاثية أو الكوبونة في إطار عمق من مظاهر الاستلاب وتعطيل التنمية والارتهان مرة إلى المانحين واشتراطاتهم السياسية والتقنية ومرة إلى إسرائيل التي عطلت من أية فرصة للإنتاج المستقل وأبقت على الاقتصاد الفلسطيني كاقتصاد تابع ومستهلك . من هنا يتضح مدى الترابط بين التمويل والشروط السياسية الأمر الذي يجب ان يدفعنا لعدم النظر بانبهار إلى حجم المساعدات التمويلية التي تعهد بها مجتمع المانحين في باريس ، حيث ارتفعت فيه قيمة التعهد إلى 7.4 مليار دولار ، وهو أكثر من المبلغ الذي طلبته السلطة وهو 5.6 مليار دولار وذلك في سياق الترابط بين حضور السلطة مؤتمر انابولس ومحاولة إقناعها بالثمن المالي والاقتصادي وراء هذا الحضور خاصة مع عدم التقدم بالمجال السياسي في ظل استمرارية سياسة الاستيطان والإغلاق والحواجز والجدار . إن معادلة تعويض الاقتصاد بالأموال بدلاً من الحقوق السياسية لشعبنا يجب ان لا ينطلي على احد فالاقتصاد الفلسطيني قادر على التعافي بدون تلك المبالغ الهائلة التي خصصت له في باريس وذلك إذا رفعت الحواجز وتم السماح بحرية الحركة والبضائع والأفراد بالتنقل بين الضفة والقطاع على قاعدة وحدة السوق المرتبط بوحدة الوطن والهوية والمصير . وإذا كانت تلك المساعدات لن تستطيع ان تحقق تنمية في ظل الاحتلال والاستيطان والجدار والحواجز فإن التنمية التي يمكن ان تحقق نتائج ايجابية هي تلك الناتجة عن مشروع التحرر الوطني الفلسطيني أي المرتبطة بحق تقرير المصير وبقدرة السلطة الفلسطينية على السيطرة على المعابر والحدود والموارد عبر إدارة رشيدة قادرة على توزيع الثروات بحيث تعزز من مقومات الصمود الوطني وخاصة لصالح الفئات الاجتماعية الفقيرة والمهمشة وليس لصالح الشركات الاحتكارية المرتبطة مصالحهم مع مصالح سياسية نافذة بالسلطة " الحكم " . إن القلق ينتاب المنتمين للمشروع التحرري الوطني الفلسطيني ، عندما يتم تحويل هذا المجتمع إلى رهينة لقرارات المانحين المرتبطة مع القرارات السياسية الدولية وخاصة الأمريكية منها والتي كانت وما زالت تناصر المصالح الإسرائيلية على حساب الحقوق العربية و حقوق الشعب الفلسطيني. إن التنمية الانعتاقية والتي تربط بين الحقوق الوطنية وعملية البناء الاجتماعي والمؤسساتي الرشيد والديمقراطي تتطلب التفكير ببلورة آليات تمويلية بديلة عبر الاعتماد على الرأسمال الفلسطيني المتواجد بالخارج ، والذي يملك ثروات كبيرة وعلى المحيط العربي وعلى قوى التضامن الدولي وذلك بهدف خلق الترابط ما بين التمويل الضروري وبين الحفاظ على استقلالية القرار السياسي وعدم استخدام التمويل كأداة ابتزاز لتحقيق اشتراطات وتنازلات سياسية . وللتدليل على ما ذكرنا نذكر بتصريحات السيد بلير مبعوث الرباعية الدولية والذي أكد بها على أهمية التلازم ما بين الآليات العملية لتنفيذ التمويل وقيام السلطة بتنفيذ الشق الأول من خارطة الطريق ، وهذا ايضاً ما يستدل من قرار الكونغرس الأمريكي الأخير والقاضي بتخفيض حجم المساعدات للسلطة الفلسطينية عام 2008 وبصورة كبيرة جداً . إن الإجابة على سؤال أي تنمية فلسطينية نريد مرتبطة بالإجابة على سؤال أي مشروع سياسي نريد ، فالارتهان سيقود إلى الاستجابة إلى الحلول المنقوصة ومنها الدولة المؤقتة اما الاعتماد على الذات والقدرات والحلفاء العرب والمتضامنين الدوليين فسيقود إلى تحقيق مجتمع سياسياً بالضرورة، ينتصر لحقوق وأهداف تضحيات شعبنا . اعلم ان تحقيق ذلك ليس سهلاً وهو بحاجة إلى جهود ، تلك الجهود التي لا يمكن تحقيقها في ظل الانقسام وضعف المؤسس السياسية الجامعة " منظمة التحرير الفلسطينية " وبالتالي غياب الرؤية الإستراتيجية الموحدة . ان ما تقدم يشكل الشرط الحاسم للإجابة على تلك الأسئلة المفصلية والقادرة على الربط ما بين التمويل والتنمية ومشروع التحرر الوطني الفلسطيني .
#محسن_ابو_رمضان (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
في مواجهة الاستقطاب السياسي الحاد هل من مبادرة نوعية جديدة
-
دور منظمات المجتمع المدني في مكافحة الفقر
-
هل اضاعة حركة حماس الفرصة ؟
-
مرة أخرى عن الانتخابات والديمقراطية
المزيد.....
-
جيش إسرائيل يوضح ما استهدفه في غارة جديدة بسوريا
-
مجلس أوروبا يُرسل بعثة تقصي حقائق إلى تركيا للتحقيق في احتجا
...
-
الجيش الإسرائيلي يعلن قصف الجنوب السوري ويحذر: لن نسمح بوجود
...
-
ارتفاع حصيلة قتلى زلزال ميانمار إلى 3085 شخصا
-
تأييد أداء ترامب يتراجع إلى أدنى مستوياته منذ توليه منصبه
-
تأثير نيزك تونغوسكا على النظم البيئية المائية
-
زار القبيلة الأكثر خطورة في العالم.. سائح أمريكي ينجو من موت
...
-
مباشر: إعصار أمريكي من الرسوم الجمركية... الصين تطالب بإلغاء
...
-
بالأسماء.. دول عربية بقائمة التعرفة الجديدة لترامب.. إليكم ا
...
-
الجيش الإسرائيلي يعلن قصف الجنوب السوري ويحذر: لن نسمح بوجود
...
المزيد.....
-
تلخيص كتاب : دولة لليهود - تأليف : تيودور هرتزل
/ غازي الصوراني
-
حرب إسرائيل على وكالة الغوث.. حرب على الحقوق الوطنية
/ فتحي كليب و محمود خلف
-
اعمار قطاع غزة بعد 465 يوم من التدمير الصهيوني
/ غازي الصوراني
-
دراسة تاريخية لكافة التطورات الفكرية والسياسية للجبهة منذ تأ
...
/ غازي الصوراني
-
الحوار الوطني الفلسطيني 2020-2024
/ فهد سليمانفهد سليمان
-
تلخيص مكثف لمخطط -“إسرائيل” في عام 2020-
/ غازي الصوراني
-
(إعادة) تسمية المشهد المكاني: تشكيل الخارطة العبرية لإسرائيل
...
/ محمود الصباغ
-
عن الحرب في الشرق الأوسط
/ الحزب الشيوعي اليوناني
-
حول استراتيجية وتكتيكات النضال التحريري الفلسطيني
/ أحزاب اليسار و الشيوعية في اوروبا
-
الشرق الأوسط الإسرائيلي: وجهة نظر صهيونية
/ محمود الصباغ
المزيد.....
|