علاء الزيدي
الحوار المتمدن-العدد: 2026 - 2007 / 9 / 2 - 11:18
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
***************
حكاية محمد المجموعي !
***************
أعاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب الكرّة ، وحاول السفر مجدّدا ً إلى الشام ، لكنه أعرض عن السفر لأسباب غير معلومة . فرجع إلى الأحساء ، ومن هناك ذهب إلى " حريملة " . فلازم أباه . لكنه راح ، أيضا ً ، يستهزىء بعقائد المسلمين ومذاهبهم . فحصل جدال بينه وبين أبيه وأهل منطقته . ودام هذا الأمر سنين . حتى توفي أبوه العام 1153 الهجري .
وأشار عبد اللطيف الشوشتري في ذيل " تحفة العالم " (1) إلى سفر ابن عبد الوهاب إلى إيران . وقال إنه جاء إلى أصفهان . وأكد عبد الرزاق الدنبلي في " المآثر السلطانية " (2) أنه توقف في أصفهان ، وتعلم الفقه والأصول والصرف والنحو في مدارسها (3) .
وقال مؤلف كتاب " ناسخ التواريخ " في الجزء الخاص بالمرحلة القاجارية من حكم الشاهات الإيرانيين (4) أن محمد بن عبد الوهاب سافر إلى البصرة زمنا ً – كما مرّ آنفا ً – وتعلـّم لدى أحد علمائها واسمه " محمد المجموعي " (5) – نسبة إلى إحدى ضواحي البصرة – ثم توجه من هناك إلى إيران .
وفي الواقع ، أن مسألة الشيخ محمد المجموعي هذا تبعث على التساؤل : لماذا لم يتوفر لدينا الكثير من المعلومات عنه ، رغم كونه من كبار علماء البصرة – كما تشير إلى ذلك ادّعاءات المتأخرين من الوهابيين – ولماذا ظلت العبارة التوصيفية التالية حوله متماثلة ، تقريبا ً، في كل كتابات الأجيال اللاحقة من الوهابيين ، بشأن السيرة الذاتية لشيخهم ؟
ماوجدناه من توصيف للشيخ محمد المجموعي البصري لم يتعدَّ العبارة التالية :
· " واشتهر من مشايخه ، هناك – أي في البصرة - شخص يقال له الشيخ محمد المجموعي ، وقد ثار عليه بعض علماء السوء بالبصرة وحصل عليه وعلى شيخه المذكور بعض الأذى " ( من مقال للشيخ الوهابي الراحل عبد العزيز بن باز الرئيس السابق لهيئة الإفتاء في السعودية ) .
· " وناظر هنالك - في البصرة - من العلماء ، واشتهر من مشايخه ، هناك شخص يقال له الشيخ محمد المجموعي ، وقد ثار عليه بعض علماء السوء بالبصرة وحصل عليه وعلى شيخه المذكور بعض الأذى " ( من مقال لأحد الوهابيين نشره تحت اسم ٍ مستعار هو أبو أيوب ) .
· " ولقد كان لعدد من العلماء السلفيين دور في تشكيل وبناء فكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، ومنهم الشيخ محمد المجموعي ، وبعض علماء العراق الآخرين " ( من مقال لوهابي يدعى عبد المنعم الهاشمي ) .
· " فأقام مدة بالبصرة ، ودرس العلم فيها على جماعة من العلماء .
فمنهم الشيخ محمد المجموعي " ( من مقال للشيخ الوهابي أحمد بن حجر بن محمد آل أبو طامي ) .
" ثم شد الرحال لطلب العلم فرحل إلى العراق ، ، وكان غالب استفادته في البصرة حيث نزل عند الشيخ محمد المجموعي " ( من مقال للوهابي أسامة العتيبي ) .
وهكذا ، نلاحظ أن التوصيف الوحيد لهذا الشيخ البصري أنه ( من علماء البصرة ) وأنه ( سلفي ) وأنه ( أوذي مع تلميذه الشيخ محمد بن عبد الوهاب ) لاتفاقه معه في الرأي ، كما يبدو . لكن السؤال يعود إلى الإلحاح " كيف غابت التفاصيل الأخرى لهذا الشيخ ، في مدينة كبيرة ومنفتحة على الاتجاهات الأربعة كالبصرة . ولماذا لاتتوفر معلومات أخرى عنه وهو بهذه الأهمية .
إننا نعتقد أن أهمية الشيخ محمد المجموعي لاتقل بحال عن أهمية جدّ الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، أي شولمان قربوزي الدونمي ، الذي ساقته الأقدار ( أقدار العرب والمسلمين وسكان جزيرة العرب ) من أسبانيا حينما طرد مسيحيوها اليهود " السفارديم " فاستوطنوا بورسا بتركيا في نهايات القرن الثالث عشر وبدايات القرن الرابع عشر ( بالضبط ؛ العام 1492 ) فالأول أستاذ الشيخ الذي علـّمه مختلف العلوم السلفية ( كما فهمنا من كتابات الوهابيين اللاحقين ) والثاني جدّه الذي صنع شخصيته وصاغ أهدافه في الحياة .
نتوقف هنا ، مكتفين بهذا القدر من قصة الشيخ محمد المجموعي في البصرة . لكننا نحبـّذ على القاريء الحصيف أن يتأمـّل السطور الآتية بوعي وتجرّد . ولن يكون من العسير عليه أن يتعرف ، على الطبيعة ، على الشيخ السلفي الصالح محمد المجموعي !
ومهما يكمن من أمر ، فقد أقام الشيخ محمد بن عبد الوهاب في أصفهان . ودرس عند علمائها الشيعة أصول الفقه . وحصل على ملكة الإجتهاد . وزعم أنه يجتهد من القرآن فقط ، شانـّا ً حملاته الدعائية وهجماته الكلامية على ما أسماها بدعة بناء القباب العالية على قبور الأئمة والأنبياء ، وتذهيب العتبات المقدسة والطواف (6) حول الأضرحة وتقبيل العتبات . وادعى أن كل مايفعله المسلمون شرك ، وساوى بينهم وبين عبدة الأصنام .
والغريب ، أن ثمة اتجاها ً حاليا بين أوساط اليهود الأرثذوكس في نيويورك والقدس يعتبر المسلمين عموما وثنيين ، ويرمز لوثنيتهم بطوافهم حول مبنى ً أو حجارة تسمى الكعبة !
وقد أكد الأميركي " لوتروب ستيفدارد " ذهاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى إيران (7) . كما ذكر ذلك أيضا ً أحمد أمين المصري (8) وقال إنه ساح في مختلف البلدان الإسلامية . حيث أمضى أربع سنوات في البصرة . وخمسا ً في بغداد . وسنة واحدة في كردستان . وسنتين في همدان . ثم ذهب إلى أصفهان ، ودرس فيها فلسفة الإشراق والتصوف . ثم تركها وذهب إلى قم . ومنها عاد إلى نجد . حيث اعتكف بعيدا ُ عن الناس مدة ثمانية أشهر ، قبل أن يعلن الدعوة الجديدة .
**********
معاينة ميدانية !
**********
إن وقفة متأنية عند المحطات التي تنـقــّل محمد بن عبد الوهاب فيما بينها ، تدفع إلى الاعتقاد بأنه يقوم بمهمة ذات حجم وأبعاد ليست عادية . فالظاهر أن الشيخ كان مكلفا بمعاينة تجمعات المسلمين الآخرين ميدانيا ، للتعرف على عاداتهم وتقاليدهم وطقوسهم ، في عقر دورهم ، والبحث عن أية ثغرة – أو مايبدو كذلك – للنفاذ منها بغية التبشير بالدعوة الوهابية الجديدة . هذا فضلا ً عن انخراطه ، حسب الأصول والأوامر ، في حلقات الدرس التي تعتمد مذاهب إسلامية أخرى ، لإكمال إحاطته التامة بالعلوم الإسلامية ، على أساس المذاهب المختلفة ، تمهيدا ً للإنقضاض عليها جميعا ً ، في المرحلة التالية .
إن سياحة ابن عبد الوهاب ، في العراق وإيران بالذات ، تشبه إلى حد ٍّ بعيد رحلات المستشرقين وزياراتهم للشرق العربي الإسلامي . فهي ذات طابع علمي بحت ظاهريا ً ، لكنها في العديد من الحالات تستهدف جمع البيانات والمعلومات والإحصاءات لصالح جهات أخرى ، تستخدمها في الصراعات اللاحقة مع بلدان هذا الشرق .
وإذا كنا لاندري بالضبط ، لماذا كان الشيخ يهم ّ بزيارة الشام (9) لكن السطور التالية تكشف عن بعض جوانب وأسباب استقراره في البصرة .
_______________________________________________________________________________________________________
(1) علي أصغر فقيهي – وهابيان ( بالفارسية ) – ص 144 .
(2) نفس المصدر .
(3) هل يدرس الناقم على كل المذاهب الإسلامية باستثناء مذهبه الحنبلي ، مذهب الشيعة الروافض حسب تعبير الوهابيين ، الذي كانت أصفهان تتعبـّد به وتدرسه ، إلا لحاجة ؛ أي إعداد العدّة لمواجهته ومحاربته مستقبلا ً .
(4) وهابيان – ص 145 .
(5) قلنا فيما سبق أن المجموعي هذا مجهول الحال ، وربما تعرف عليه القارىء في تضاعيف البحث .
(6) لايطوف المسلمون جميعا ً إلا حول الكعبة .
(7) إمروز جهان إسلام ( بالفارسية ؛ حاضر العالم الإسلامي ) – ج1 – ص 261 .
(8) زعماء الإصلاح في العصر الحديث – ص 10 .
(9) مع أننا نميل إلى الاعتقاد بأنه كان يريد اللقاء بمن كان يلتقي بهم جدّه ليتسلـّم منهم الأوامر مباشرة ً .
______________________________________________________________________________________________________
[email protected]
#علاء_الزيدي (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟