|
توصُّلاً إلى الفصل بين الدين والسياسة
جواد البشيتي
الحوار المتمدن-العدد: 2014 - 2007 / 8 / 21 - 10:45
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
في حملتها الأمنية (وغير الأمنية) على جماعة "الأخوان المسلمين"، قالت السلطات المصرية، غير مرَّة، إنَّ حملتها مستوفية لمبرِّراتها وأسبابها القانونية، فقانون الأحزاب السياسية في مصر يحظر قيام أحزاب سياسية على أُسُسٍ دينية، ويُقيم برزخا بين "الدين" و"السياسة".
إنَّنا مع الفصل التام والنهائي بين "الدين" و"السياسة"، فامتزاجهما، أو مزجهما، هو مشكلة لا بدَّ من حلِّها؛ ولكن الحل في حدِّ ذاته مشكلة أكبر، ويمكن أن يُولِّد مشكلات عديدة. ولا شكَّ في أنَّ هذا الفصل يشتد صعوبة واستعصاء في حال كان الإسلام هو الدين الذي يراد الفصل بينه وبين السياسة على اتِّساع مفهومها وفهمها.
وأحسب أنَّ الحكومات العربية التي تسعى، أو تميل، إلى الفصل، جزئيا أو كليا، تدريجا أو دفعة واحدة، بين الدين (الإسلامي) والسياسة لم تتوصَّل بعد؛ وربَّما لن تتوصَّل أبدا، إلى أن تجيب إجابة مُقْنِعة لمواطنيها (المسلمين) عن السؤال الكبير الآتي: هل يملك الدين الإسلامي، في أُسُسه ومبادئه ومفاهيمه، وجهة نظر سياسية ولو عامة، أو في منتهى العمومية؟ من هذا السؤال تتفرَّع أسئلة وتساؤلات عديدة، لعلَّ أهمها: هل في الدين الإسلامي من "الفكر السياسي" ما يمكن أن يُتَرْجَم، أخيرا، بقيام، أو بضرورة قيام، "نظام سياسي إسلامي"، يَكْمُن في جوهره شكلا ومحتوى محدَّدَيْن للعلاقة بين الحاكم والمحكوم؟ لا بدَّ من التوصُّل إلى إجابة مُقْنِعَة حتى يصبح ممكنا التأسيس لحياة سياسية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية لا نَزِن فيها أمور السياسية بـ "الميزان الديني للحلال والحرام"، فثمَّة كثير من مواطنينا المسلمين يَفْهمون، استنادا إلى مَصادِر دينية إسلامية، كثيرا من أمور وشؤون السياسة على أنَّها حلال أو حرام.. ترضي الله، أو تغضبه.
و"الحل" إنْ بدأ على هذا النحو، وفي حيِّز العلاقة بين الدين (الإسلامي) والسياسة، فلن يتوقَّف عند هذا الحد؛ فثمَّة جوانب أُخرى من حياتنا العامَّة يمكن أن تَبْرُز فيها الحاجة إلى الفصل بينها وبين الدين، وكأنَّ ما بدأ في ذاك الحيِّز من حياتنا العامة، وهو السياسة، يمكن ويجب أن يتطوَّر ويَتَّسِع، وأن ينتهي، أخيرا، إلى الفصل بين الدين (الإسلامي) والحياة العامَّة للمجتمع بأوجهها كافة، فيَتَركَّز الدين، وجودا وتأثيرا، في حيِّز العلاقة بين الفرد وربِّه.
وحتى لا يبقى من وجود لسياسة الكيل بمكيالين ينبغي للحكومات العربية الراغبة ضمنا أو صراحة في الفصل بين الدين والسياسة أن تبدأ بنفسها، وأن تَتْرُك الدين (الإسلامي) حُرَّا من قبضتها السياسية، أي أن تكف عن توظيفه واستخدامه بما يخدم مصالحها وأهدافها ومآربها المتقلِّبة المتغيِّرة، فكيف يحقُّ لها أن تدعو، عَبْر ما تسنه من قوانين وتشريعات للعمل الحزبي والسياسي، إلى الفصل بين الدين والسياسة، وهي التي تُضَمِّن دساتيرها مادة تنص على أنَّ الإسلام هو دين الدولة (الرسمي) ومَصْدَر التشريع (في أمور تخصُّ جوانب عديدة من الحياة العامَّة للمجتمع)؟!
على هذه الحكومات أن تَعْرِف كيف تُزاوِج، في الحياة السياسية لمجتمعاتها وشعوبها، بين "الديمقراطية" و"العلمانية"، فلا تُنشئ من "الديمقراطية" ما يَحول بينها وبين "العلمانية"، ولا تأخذ بـ "علمانية" تتقلَّص فيها، أو تتلاشى، الحقوق والحرِّيات الديمقراطية للمجتمع، ولأفراده وجماعاته المختلفة، فالديمقراطية المنافية للعلمانية إنَّما تنفي جزءا مهما من ذاتها؛ والعلمانية المنافية للديمقراطية إنَّما هي لون من الاستبداد السياسي.
لقد عَرَفْنا "الدولة" التي يُحْكِم رجال الدين قبضتهم عليها، أي الدولة الثيوقراطية، كما عَرَفْنا "الدولة" التي فيها يُحْكِم رجال الدولة، أي الساسة، قبضتهم على الدين، فكانت العاقبة هي اشتداد الحاجة لدى مجتمعاتنا إلى "التحريرين" معا: تحرير الدولة من قبضة الدين، وتحرير الدين من قبضة الدولة. وهذان "التحريران" إنَّما يعنيان "إعادة الدولة إلى صاحبها الشرعي الوحيد وهو الشعب"، و"إعادة الدين إلى حيِّزه الطبيعي وهو العلاقة بين الفرد وربِّه".
في زمن اضطهاد الشيوعيين في بلادنا، أي في الزمن الذي كان يجعلهم خطرين بالنسبة إلى حكوماتنا، رَأيْنا دُوَلِنا ذاتها تؤسِّس وتٌوطِّد العلاقة بين الدين والسياسة، فالأحزاب الشيوعية حُظِرَت؛ لأنَّها تقوم على "الكُفْر" و"الإلحاد"؛ أمَّا الجماعات السياسية الدينية كمثل جماعة "الأخوان المسلمين" فتلقَّت من الرعاية الحكومية ما أظْهَر وأكَّد حرص دُوَلِنا على وجود أحزاب سياسية تقوم على أسُس دينية!
إنَّ الإبقاء على التداخل بين الدين والسياسية في مجتمعاتنا هو الذي يبقي على ظاهرة "الانتهازية" في العلاقة بين الشعب والساسة (في الأحزاب والحكومات) فالحزب السياسي الذي يُصَوِّر نفسه للناس (المسلمين) على أنَّه فكر سياسي مشتق من الآيات القرآنية وتفاسيرها، ومن الأحاديث النبوية، لا يلقى صعوبة تُذْكَر في اجتذاب عقول وقلوب كثير من المواطنين (المسلمين) إليه، وفي أن يؤسِّس لنفسه قاعدة شعبية واسعة، فخطابه السياسي ـ الديني لا يلقى صدَّاً له في ثقافة ووعي الناس العاديين؛ والمتوفِّرون على إنتاج وتسويق هذا الخطاب لا يجدون مقاومة فكرية شعبية تُذْكّر في سعيهم لتحويل الوعي الكامن في خطابهم هذا إلى قوَّة مادية (شعبية). وطالما سَمِعْتُ ناخبين يقولون إنَّهم سيدلون بأصواتهم لمصلحة مرشَّحين إسلاميين لكون هؤلاء يقولون عن أنفسهم إنَّهم مرشَّحون إسلاميون؛ وكفى الله أولئك الناخبين شرَّ البحث والتدقيق والتمحيص!
والحكومات أيضا تمتطي الحصان ذاته، وتقيم علاقة سياسية انتهازية مع مواطنيها، موظِّفةً ومستخدِمةً الدين في خدمة مصالحها السياسية وغير السياسية، غير متورِّعة عن تفسيره وتأويله بما يعود بالنفع والفائدة على كل ما هو دنيوي من مآربها وأهدافها.
لقد حان لمجتمعاتنا أن تملك من التديُّن والإيمان الديني ما يُمكِّنها من أن تُخْرِج الدين من السياسة، والسياسة من الدين، وأن تَزِن كل الأمور التي تخصُّ حياتها السياسية، وحياتها العامَّة بأوجهها كافة، بغير ميزان الحلال والحرام، فيميزان الحقوق والمصالح والحاجات هو وحده الذي يمكن ويجب إقامته إذا ما أرَدْنا أن نُبْعَثُ من بعد موت!
#جواد_البشيتي (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
التربية
-
بين -أيلول بن لادن- و-أيلول بوش-!
-
هناك مَنْ جَعَلَ الشفاء في الدواء!
-
هي الآن -خريطة الطريق- إلى بغداد!
-
الأخلاق والدين
-
أهو خيار فلسطيني جديد؟!
-
كثرة في -الأحزاب- وقِلَّة في -الحياة الحزبية-!
-
لا تلوموا هاولز!
-
وكان الدكتور علي جمعة قد أفتى ب ..
-
مفتي مصر يفتي.. ثم ينفي ويوضِّح!
-
إنَّها سياسة -المكابرة- و-الانتظار-!
-
هذا -التتريك- المفيد لنا!
-
من أجل -مَغْسَلة فكرية وثقافية كبرى-!
-
مرجعية السلام في خطاب بوش
-
-سلام- نكهته حرب!
-
طريقان تفضيان إلى مزيد من الكوارث!
-
أعداء العقل!
-
عشية -الانفجار الكبير-!
-
كيف يُفَكِّرون؟!
-
بعضٌ من المآخِذ على نظرية -الانفجار العظيم- Big Bang
المزيد.....
-
الكويت تدين اقتحام وزير إسرائيلي المسجد الأقصى
-
“نزلها واستمتع”.. تردد قناة طيور الجنة الفضائية 2025 على الأ
...
-
كيف تنظر الشريعة إلى زينة المرأة؟
-
مجلس الإفتاء الأعلى في سوريا.. مهامه وأبرز أعضائه
-
الرئيس بزشكيان: نرغب في تعزيز العلاقات مع الدول الاسلامية ود
...
-
ضابط إسرائيلي سابق يقترح استراتيجية لمواجهة الإسلام السني
-
المتطرف الصهيوني بن غفير يقتحم المسجد الأقصى
-
اكتشافات مثيرة في موقع دفن المسيح تعيد كتابة الفهم التاريخي
...
-
سياسات الترحيل في الولايات المتحدة تهدد المجتمعات المسيحية
-
مفتي البراميل والإعدامات.. قصة أحمد حسون من الإفتاء إلى السج
...
المزيد.....
-
السلطة والاستغلال السياسى للدين
/ سعيد العليمى
-
نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية
/ د. لبيب سلطان
-
شهداء الحرف والكلمة في الإسلام
/ المستنير الحازمي
-
مأساة العرب: من حزب البعث العربي إلى حزب الله الإسلامي
/ حميد زناز
-
العنف والحرية في الإسلام
/ محمد الهلالي وحنان قصبي
-
هذه حياة لا تليق بالبشر .. تحرروا
/ محمد حسين يونس
-
المرحومة نهى محمود سالم: لماذا خلعت الحجاب؟ لأنه لا يوجد جبر
...
/ سامي الذيب
-
مقالة الفكر السياسي الإسلامي من عصر النهضة إلى ثورات الربيع
...
/ فارس إيغو
-
الكراس كتاب ما بعد القرآن
/ محمد علي صاحبُ الكراس
-
المسيحية بين الرومان والعرب
/ عيسى بن ضيف الله حداد
المزيد.....
|