أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمود محمد طه - دراسات سودانية:(6)الفرد والكون في التفكير الفلسفي















المزيد.....

دراسات سودانية:(6)الفرد والكون في التفكير الفلسفي


محمود محمد طه

الحوار المتمدن-العدد: 1975 - 2007 / 7 / 13 - 11:17
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


الفرد والكون في التفكير الفلسفي

وعجز الفلسفة الاجتماعية المعاصرة في إدراك العلاقة بين الإنسان والكون ، أكبر من عجزها عن أدراك العلاقة بين الفرد والجماعة ، ولكن أثره أقل ظهورا ، ذلك بأن علاقة الفرد بالجماعة واجهت التطبيق العملي ، في السياسة والتشريع والتنفيذ ، بينما لا تزال العلاقة بين الفرد والكون في الحيز النظري ، وما ذاك إلا لأننا لا نزال في قبضة غريزة القطيع ، لم يقو بنا الفكر حتى نبرز إلى منازل الفرديات . ولكن ، مما لا ريب فيه ، أن عهد الجماعة أصبح يخلي مكانه لعهد الفرد الذي أخذت شمسه تؤذن بشروق ، وسيحل يومه حين يتم نظريا ، ثم عمليا ، فض التعارض المتوهم بين الفرد والجماعة ، وهو أمر سنتحدث عنه بالتفصيل بعد قليل ، إن شاء الله .
والفهم الدقيق للعلاقة بين الإنسان والكون ليس أمر فلسفة نظرية يمكن أن تلحق بالترف الذهني ، وإنما هو أمر عملي ، عليه يتوقف تحقيق الفردية ، في مضمار المجهود الفردي ، وفي مضمار تنظيم الجماعة لتكون والدا شرعيا للأفراد الذين يرجى لهم أن يحققوا فردياتهم .
وضلال الفلسفة الاجتماعية عن فهم العلاقة بين الإنسان والكون فهما صحيحا إنما يلتمس سببه في استقراء التاريخ البشري منذ بداياته ، ذلك بأن الإنسان الأول ، عندما وقف على رجليه لأول مرة ، واستقبل بعقله البيئة الطبيعية التي عاش فيها ، وجدها تزخر بالقوى الهائلة التي ، فيما يبدو له ، تتركب بطريقة تختلف عن تركيبه ، وتتصرف بأسلوب لا يستقيم مع تفكيره ومع رغباته ، وهي بعد لا تبالي بحياته أو موته ، بل إن كثيرا منها ليسعى في إهلاكه سعيا حثيثا ، والذين يشاركونه الحياة ، بين هذه القوى الصماء الهائلة ، هم بين صيد وصياد - صيد يصيد ويصاد ، وصياد يصيد ويصاد ، فكأن البيئة كلها ، أنياب زرق ، ومخالب حمر ، وأصبح عليه هو ، إذا كان لا بد له أن يحفظ مهجته ، أن يكيد أصناف الكيد ، وأن يحتال لنفسه ألوان الحيل .
ثم إن هذه القوى الصماء ، منها الهائل الرهيب الذي يعجز حيلته ، ويعيي عقله ، ومنها ما يغلب منه الضرر ، ومنها ما يغلب منه النفع ، فهدته حيلته إلى التزلف إليها جميعا ، بدوافع الخوف ، أو بدوافع الحب ، فتذلل ، وتخشع ، وقدم الهدايا ، وقرب القرابين ، ورسم مراسيم العبادات . ومن القوى التي تموج بها البيئة الطبيعية التي عاش فيها ، قوى تنالها الحيلة ، وتبلغ منها المناجزة ، فاحتال أفانين الحيلة ، فبنى البيوت فوق الأشجار ، وعلى قمم الجبال ، وعلى أعمدة اتخذها من سيقان الشجر وغرزها في أرض برك المياه ، وفي الأماكن المحصنة الأخرى . ثم هو باتخاذ الآلة ، من فروع الأشجار ، ومن قطع الأحجار ، قد مد في قدرته على المناجزة .
والإنسان ، بين العبادة والمناجزة ، تغلب عليه الوحشة ، ويساوره القلق بأنه وحيد من نوعه ، يحتوشه الأعداء من جميع أقطاره ، يتحينون منه الغرة ، ويتربصون به الدوائر ، ومن ههنا قام في خلد الإنسان أن مكانه من الكون مكان اللدد والخصومة .
ولقد انتهت الفلسفة ببعض أبنائها الآن إلى أن يقرروا أن التدين ، الذي دفع إليه الإنسان الأول ، بالعوامل الطبيعية التي جرى ذكرها آنفا ، إنما هو لازمة من لوازم الطفولة ، وأن الدين ، حيث وجد والى اليوم ، إنما هو ظاهرة طفولة ، إذ لجأ الإنسان الأول إلى إله تخيله ليسد به حاجة الطفـل فيه إلى أب يحميه . وأن الأصل في مواجهة البيئة هو المناجزة ، لا التمليق ، وما دفع الإنسان إلى التمليق إلا العجز عن المناجزة ، والآن ، وبتطويره لسلاحه الأول ، من فروع الأشجار وقطع الأحجار ، إلى أن بلغ به القنبلة الهيدروجينية ، فإن مقدرته على المناجزة اكتملت ، أو كادت ، ويجب إذن أن يقلع عن التمليق ، أو قل عن التدين ، وعن الأديان ، وعـن الله.
وإلى خروشيف ينسب قول ، زعموا انه قاله ، وهو أن قاقارين عندما دار في الفضاء الخارجي وكان ذلك لأول مرة في تاريخ تقدم العلم الحديث ، لم يجد ذلك الكائن الذي يدعونه الله ، فكأن خروشيف لا يتصور الله إلا من نوع المادة التي يزعم أنه يعرفها ، وفي الحق ، أن فلسفتهم ، حين عجزت عن تصور شئ وراء المادة ، اتخذت من عجزها فضيلة ، فأنكرت وجود كل شئ وراء المادة ، وذلك لكي يستقيم لها القول بأن الإنسان ، أثناء مناجزته لبيئته المادية ، يتطور في فهمه لها ، ويحسن من وسائله في مناجزتها ، حتى يتم له قهرها وتسخيرها ، ويصبح بذلك سيد مصيره .
إن الضلال في فهم علاقة الإنسان بالكون لم يبلغ ، في أي وقت من الأوقات ، هذا البعد الذي بلغه على عهد الشيوعية ، وباسم العلم والفلسفة ... والشيوعية هي طليعة الفلسفة الاجتماعية المعاصرة ، وهي صاحبة الدور التقدمي ، الذكي ، في المدنية الغربية الآلية الحاضرة .. على أيسر تقدير ، هذا ما يبدو للشعوب الآن .
أم تقولون أن الغرب المسيحي يختلف في مسألة الدين ، وفي أمر الله ، عن الشرق الشيوعي .
قد يكون هذا حقا من الناحية التقليدية ، ولكنه ليس بحق من الناحية العملية ، وليس في فكرة الغرب عن الدين ، وعن الله ، ما يعصم الغرب من أن يصبح شيوعيا ، ولقد كانت روسيا ، قبل الثورة الشيوعية ، مسيحية ، وكانت أورثوذكسية في ذلك .
وفي الحق ، ان الدين ، سواء كان مسيحية أو إسلاما ، إن لم يستوعب كل نشاط المجتمع ، ونشاط الأفراد ، ويتولى تنظيم كل طاقات الحياة الفردية والجماعية ، على رشد وعلى هدى ، فإنه ينصل من حياة الناس ، ويقل أثره ، ويخلي مكانه لأية فلسفة أخرى ، مهما كان مبلغها من الضلال ، ما دامت هذه الفلسفة قادرة على تقديم الحلول العملية لمشاكل الناس اليومية ، أو حتى ما دامت قادرة على تضليل الناس، إلى حين ، باسم خدمة مصالحهم المعيشية ، فإن الناس ، ما داموا أصحاب معدات وأجساد ، يجب ألا تهمل دعوتهم إلى الفضيلة حاجة معداتهم وأجسادهم ، بل إن المعرفة بطبائع الأشياء تقضي بأن تكون دعوتهم إلى الفضيلة عن طريق معداتهم وأجسادهم .
مهما يكن من الأمر بين الشرق الشيوعي ، والغرب المسيحي ، فان المدنية الغربية الآلية الحاضرة ليست مسيحية ، وهي قد عجزت عن إدراك العلاقة بين الفرد والجماعة ، كما عجزت عن إدراك العلاقة بين الفرد والكون ، وهي من جراء هذا العجز قد منيت بالقصور العملي عن الجمع بين الاشتراكية والديمقراطية وذلك أكبر مظاهر فشلها .
ولسنا نحن الآن بصدد الزراية عليها ، ولا بصدد التقليل من شأنها ، وإنما نحن بصدد دراسة علمية لها ، تضعها في موضعها ، وتعـرف لها حقها ، وتـدعو إلى سـد النقـص فيها لتغـدو مدنية بعد أن أصبحت حضارة .





#محمود_محمد_طه (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دراسات سودانية (5)الفرد والجماعة في التفكير الفلسفي
- دراسات سودانية:(3)توطئة البحث
- دراسات سودانية(2):السنة والشريعة
- دراسات سودانية:الرسالة الثانية من الاسلام(1)أ
- المراة في المجتمع العربي القديم والحديث
- ملامح من الفكر السوداني المعاصر:(7-7)خاتمة تطوير شريعة الاحو ...
- ملامح من الفكر السوداني المعاصر(7-7) ا لزواج في الحقيقة والز ...


المزيد.....




- الكويت تدين اقتحام وزير إسرائيلي المسجد الأقصى
- “نزلها واستمتع”.. تردد قناة طيور الجنة الفضائية 2025 على الأ ...
- كيف تنظر الشريعة إلى زينة المرأة؟
- مجلس الإفتاء الأعلى في سوريا.. مهامه وأبرز أعضائه
- الرئيس بزشكيان: نرغب في تعزيز العلاقات مع الدول الاسلامية ود ...
- ضابط إسرائيلي سابق يقترح استراتيجية لمواجهة الإسلام السني
- المتطرف الصهيوني بن غفير يقتحم المسجد الأقصى
- اكتشافات مثيرة في موقع دفن المسيح تعيد كتابة الفهم التاريخي ...
- سياسات الترحيل في الولايات المتحدة تهدد المجتمعات المسيحية
- مفتي البراميل والإعدامات.. قصة أحمد حسون من الإفتاء إلى السج ...


المزيد.....

- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي
- مأساة العرب: من حزب البعث العربي إلى حزب الله الإسلامي / حميد زناز
- العنف والحرية في الإسلام / محمد الهلالي وحنان قصبي
- هذه حياة لا تليق بالبشر .. تحرروا / محمد حسين يونس
- المرحومة نهى محمود سالم: لماذا خلعت الحجاب؟ لأنه لا يوجد جبر ... / سامي الذيب
- مقالة الفكر السياسي الإسلامي من عصر النهضة إلى ثورات الربيع ... / فارس إيغو
- الكراس كتاب ما بعد القرآن / محمد علي صاحبُ الكراس
- المسيحية بين الرومان والعرب / عيسى بن ضيف الله حداد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمود محمد طه - دراسات سودانية:(6)الفرد والكون في التفكير الفلسفي