العقل الغربي وكمون الرغبة التدميرية ودواعي اللجوء إلى العنف في التظاهرات والإضرابات والمسيرات، مقاربة تاناتوسية


زهير الخويلدي
الحوار المتمدن - العدد: 8862 - 2026 / 10 / 18 - 09:08
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع     

مقدمة
" غالباً ما يُمثّل "ثاناتوس" تجسيداً للموت الهادئ أو المحتوم ويُشير إلى "غريزة التدمير".
يُمثّل العنف الذي يرافق التظاهرات والإضرابات والمسيرات في المجتمعات الغربية ظاهرة متكررة تستدعي تفسيراً يتجاوز التفسيرات السياسية أو الاجتماعية السطحية. لا يقتصر الأمر على مجرد رد فعل ظرفي على سياسات اقتصادية أو قرارات حكومية، بل يكشف عن بنى عميقة في البنية النفسية والثقافية للعقل الغربي. تعتمد هذه الدراسة مقاربة تاناتوسية مستمدة من مفهوم الدافع الموتى (Thanatos) كما صاغه التحليل النفسي، لتفكيك كمون الرغبة التدميرية في هذا العقل، وبيان كيف تتحول الاحتجاجات السلمية ظاهرياً إلى فضاءات تنفجر فيها هذه الرغبة. ان الهدف هو استكشاف الآليات النفسية-الثقافية التي تجعل العنف خياراً متاحاً بل ومرغوباً في لحظات التجمع الجماعي، دون الادعاء بأن العنف حكر على الغرب، بل بالتركيز على خصوصية التكوين الغربي الذي يجعل التدمير متأصلاً في صميم مشروعه الحداثي. فهل الرغبة في التمدير كامنة في العقل الغربي؟ وماهو التحليل التاناتوسي المفصل لظاهرة العدوانية واللجوء الى العنف أثناء الاضرابات والمسيرات والمظاهرات في الشوارع الغربية؟
أولاً: التاناتوس والعقل الغربي
"جوهر المجتمع هو كبت الفرد، وجوهر الفرد هو كبتُه لذاته. "
يشير مفهوم تاناتوس إلى الدافع الموتى الذي يعمل باتجاه تفكيك الروابط، وإعادة الكائن الحي إلى حالة الجمود غير العضوي. يتجلى هذا الدافع في العدوانية الموجهة نحو الخارج أو الداخل، وفي الرغبة في التدمير من أجل التدمير ذاته، لا من أجل تحقيق غاية نفعية مباشرة. في مقابل إيروس الذي يسعى إلى الربط والحفاظ على الحياة، يعمل تاناتوس على التفكيك والتفتيت. العقل الغربي، كما تشكل عبر القرون منذ عصر النهضة والإصلاح الديني ثم التنوير والحداثة الصناعية، يقوم على ثنائية مركزية: الذات الفاعلة مقابل الطبيعة/الآخر، والعقل الحسابي مقابل العاطفة، والتقدم اللامتناهي مقابل التقليد. هذا التكوين يولد توتراً دائماً بين إرادة السيطرة المطلقة وبين الإحساس بالفراغ الوجودي الذي يخلفه تفكيك الروابط التقليدية (الدين، الجماعة، الطبيعة المقدسة). كلما ازدادت قدرة العقل الغربي على السيطرة التقنية والاقتصادية، ازداد شعوره بالانفصال والاغتراب، فينشط تاناتوس كآلية تعويضية: الرغبة في تدمير ما بناه أو ما يحيط به ليختبر حدود الوجود من جديد.
يظهر كمون الرغبة التدميرية في عدة مستويات:
على المستوى الفردي: في النزعة النرجسية المفرطة المقترنة بكره الذات الخفي.
على المستوى الجماعي: في تحويل الجماهير إلى كتلة متجانسة قابلة للانفجار.
على المستوى الثقافي: في تمجيد القوة والتفوق والسيطرة كقيم عليا، مع إخفاء الوجه المدمر لهذه القيم تحت شعارات الحرية والتقدم.
ثانياً: التكوين التاريخي للعقل الغربي وزرع بذور التدمير
"وهناك تقع مساكن "ثاناتوس" المظلم وشقيقه التوأم "هيبنوس" [النوم]؛ وهما إلهان رهيبان لا تصلهما أبداً أشعة الشمس الساطعة..."
منذ لحظة اكتشاف "الذات" الحديثة، تحولت العلاقة مع العالم إلى علاقة أداتية. الطبيعة أصبحت مادة للاستغلال، والآخر أصبح إما منافساً أو موضوعاً للسيطرة. هذا التحول لم يكن محايداً نفسياً؛ فقد ولّد شعوراً دائماً بالذنب المكبوت والعدوان الموجه. الحروب الأوروبية المتتالية، والاستعمار، والثورات الصناعية، كلها تجليات خارجية لتاناتوس يعمل عبر مؤسسات الدولة والسوق. في العصر الحديث، أدى تفكك البنى التقليدية إلى ظهور الفرد المعزول الذي يجد في التجمعات الجماهيرية فرصة لاستعادة شعور بالقوة المفقودة. التظاهرات والإضرابات ليست فقط أدوات ضغط سياسي، بل فضاءات طقسية يعاد فيها تمثيل الصراع الداخلي بين إيروس وتاناتوس. عندما يتجمع آلاف الأفراد في الشارع، تضعف الرقابة الفردية، وتظهر الهوية الجماعية البدائية، فيجد الدافع الموتى فرصة للتعبير عن نفسه عبر تحطيم النوافذ، وحرق السيارات، ومواجهة الشرطة.
ثالثاً: آليات تفعيل الرغبة التدميرية في سياقات الاحتجاج
"في قرارة نفسه، لا أحد يؤمن بموته؛ ففي لاوعيه، يوقن كلُّ فردٍ بخلوده." سيغموند فرويد، «تأملات راهنة حول الحرب والموت»
الانحلال الجماعي وانهيار الحدود: في المسيرات والإضرابات الكبرى، يذوب الفرد في الكتلة. هذا الذوبان يحرر الغرائز المكبوتة، ويحول العدوانية الداخلية (الموجهة نحو الذات بسبب الإحباط الوجودي) إلى عدوانية خارجية. يصبح تحطيم الممتلكات أو الاعتداء على رموز السلطة تعبيراً عن الرغبة في محو النظام الذي يُشعر الفرد بعجزه.
الرمزية التدميرية: العنف في هذه السياقات نادراً ما يكون عشوائياً تماماً. يستهدف الرموز (المصارف، المتاجر الفاخرة، المباني الحكومية، السيارات الفارهة) لأنها تمثل النظام الذي يُنتج الإحساس بالنقص والحرمان. التدمير هنا ليس وسيلة لتحقيق مطالب محددة فقط، بل غاية في ذاتها: لذة التفكيك التي تمنح شعوراً مؤقتاً بالسيادة المطلقة.
الإحباط الوجودي والتقدم المزعوم: المجتمعات الغربية، رغم رفاهيتها المادية النسبية، تعاني من فراغ معنوي عميق. الوعود الحداثية بالسعادة عبر الاستهلاك والحرية الفردية لم تتحقق بالكامل، بل أنتجت أشكالاً جديدة من القلق والاكتئاب والعدمية. الاحتجاج يصبح مناسبة لتفريغ هذا الإحباط عبر تدمير ما يُنظر إليه كمصدر للخداع الجماعي.
دور الإعلام والتقنية في تضخيم تاناتوس: الصورة المتداولة للعنف تعيد إنتاج اللذة التدميرية على نطاق واسع. المتظاهر الذي يحطم زجاجاً أو يواجه الشرطة يحصل على اعتراف رمزي فوري عبر الكاميرات، فيتعزز الدافع الموتى. التقنية نفسها، التي هي نتاج العقل الغربي الأداتي، تصبح أداة لتسريع انتشار الرغبة التدميرية.
ازدواجية الحرية والقمع: يدّعي العقل الغربي تقديس الحرية والتعبير، لكنه يمارس أشكالاً خفية من الضبط الاجتماعي والاقتصادي. عندما ينفجر العنف في الشارع، يكشف هذا الازدواج: الحرية المعلنة تخفي رغبة في السيطرة، والعنف يصبح محاولة لاستعادة إحساس بالفاعلية الحقيقية عبر التدمير.
رابعاً: دواعي اللجوء إلى العنف
«إذا سلّمنا بأن الكائن الحي لم يظهر إلا بعد المادة الجامدة، وأنه قد نشأ عنها، فلا بد لنا من استنتاج أن "غريزة الموت" تتوافق مع الصيغة المذكورة آنفاً، والتي تنص على أن الغريزة تسعى إلى استعادة حالة سابقة.»— سيغموند فرويد (ما وراء مبدأ اللذة، 1920)
الدافع التعويضي: الفرد الغربي المعاصر يعيش شعوراً مزمناً بالعجز أمام بنى ضخمة (الدولة، السوق العالمية، الخوارزميات). العنف الجماعي يعيد له وهم السيطرة اللحظية على الواقع.
اللذة المرتبطة بالتدمير: التحليل النفسي يؤكد أن تاناتوس يحمل لذة خاصة، لذة العودة إلى السكون عبر التفكيك. في لحظات الاحتجاج، يتحول هذا إلى نشوة جماعية تتجاوز الحسابات السياسية العقلانية.
إسقاط العدوان الداخلي: الكثير من الإحباطات الشخصية (الفشل المهني، الوحدة، الإحساس بانعدام المعنى) تُسقط على النظام الخارجي. الشرطة أو المتاجر تصبح أهدافاً بديلة للعدوان الموجه أصلاً نحو الذات أو نحو الآخرين المقربين.
البحث عن التجاوز الوجودي: في مجتمع يقدّس الحياة الآمنة والمريحة، يصبح العنف شكلاً من أشكال اختبار الحدود، وتجربة الموت الرمزي. المتظاهر الذي يواجه الخطر يستعيد إحساساً بالحياة الحقيقية عبر الاقتراب من تاناتوس.
ديناميكية الجماهير: الجماهير، كما وصفها منظرو علم النفس الجماعي، تميل إلى التفكير البدائي والانفعال الشديد. تاناتوس يجد في هذه الديناميكية بيئة مثالية للانتشار السريع، حيث تنتقل العدوانية بالعدوى العاطفية.
خامساً: الخصوصية الغربية في تجلّي تاناتوس الاحتجاجي
يتميز العقل الغربي بقدرته الفائقة على إنتاج خطاب يبرر العنف أو يجمّله (مقاومة، ثورة، دفاع عن الحقوق). هذا الخطاب يخفي الأصل التاناتوسي للفعل. في المقابل، المجتمعات التي تحتفظ بروابط تقليدية أقوى غالباً ما توجه العدوانية بطرق طقسية أو رمزية أكثر انضباطاً. الحداثة الغربية، بتفكيكها المستمر للروابط، تجعل الانفجار العنيف أكثر احتمالاً وأقل قابلية للضبط. علاوة على ذلك، فإن النزعة الفردية المتطرفة تنتج أفراداً أكثر هشاشة نفسياً، وأكثر عرضة للانخراط في أفعال تدميرية عندما تتاح لهم الفرصة الجماعية. الرفاهية المادية نفسها لا تلغي تاناتوس، بل قد تغذيه عبر توليد الملل الوجودي والبحث عن الإثارة القصوى.
• العودة إلى الحالة غير العضوية: بالنسبة لفرويد، لا يمثل "ثاناتوس" رغبةً في الموت بالمعنى الحرفي فحسب، بل هو نزوعٌ جوهري لدى كل كائن حي للعودة إلى حالةٍ من الاستقرار والهدوء والخمول، وهي الحالة التي سبقت نشأة الحياة.
• التدمير والعدوان: يوضح فرويد أن هذه الغريزة، حين لا تظل "صامتة" داخل الفرد، فإنها تتجه غالباً نحو الخارج في صورة عدوان أو تدمير.
• ثنائية "إيروس" و"ثاناتوس": تتسم الحياة النفسية برمتها بتوترٍ دائم بين "إيروس" (الذي يعمل على الربط والتوحيد والحفاظ على الكيان) و"ثاناتوس" (الذي يعمل على التفكيك والفصل والدفع نحو النهاية).
خاتمة
تكشف المقاربة التاناتوسية أن العنف في التظاهرات والإضرابات والمسيرات الغربية ليس انحرافاً عرضياً عن مسار التقدم، بل تعبيراً أصيلاً عن بنية نفسية-ثقافية تحمل في صميمها رغبة تدميرية كامنة. العقل الغربي، بقدر ما يبني ويسيطر ويتقدم، يولد في الوقت نفسه قوة مضادة تسعى إلى التفكيك والتدمير. الاحتجاج الجماعي يصبح المسرح الذي يلتقي فيه الإيروس (الرغبة في العدالة والتغيير) مع تاناتوس (اللذة في التحطيم). فهم هذه الديناميكية لا يعني تبرير العنف أو إدانته أخلاقياً فحسب، بل يدعو إلى إعادة التفكير في أسس المشروع الحداثي الغربي نفسه: هل يمكن بناء نظام اجتماعي يحتفظ بالقدرة على التغيير دون أن يفتح الباب على مصراعيه أمام الدافع الموتى؟ الإجابة تتطلب أكثر من إصلاحات سياسية؛ إنها تتطلب مواجهة صادقة مع الظل التدميري الذي يسكن العقل الغربي منذ نشأته الحديثة. وكيف يمكن الانتقال من التاناتوس الى الايروس ومن العنف والتدمير الى اللاعنف والبناء ؟
كاتب فلسفي