اوراق (من دفتر مذكراتي) للراحل عامر عبد الله (17)


كاظم الموسوي
الحوار المتمدن - العدد: 8790 - 2026 / 8 / 7 - 14:54
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

اعداد وتحرير: كاظم الموسوي

هافانا، و"كاسترو وانت وصدام!"

عندما حطت الطائرة في مطار هافانا، لاحظت فورا ان هناك طائرة عراقية، وهو امر غير مالوف، كما لم اجد السفير العراقي بين المستقبلين الكوبيين، بل القائم بالاعمال الذي اخبرني بان (صدام حسين) والوفد المرافق له قد وصل الى هافانا قبل ربع ساعة على متن طائرة سوفيتية ترافقها طائرة عراقية، واضاف: ان موعد وصوله ظل مكتوما على السفارة وحتى لاقل من نصف ساعة قبل وصولها، كما لم يكن يعرف بذلك غير (كاسترو) وربما بعض القادة الاخرين.
دهشت لهذه المصادفة الغريبة… التي عرفت فيما بعد ان (صدام) قال عن زيارتي انها مقصودة من اجل تخريب محادثاته في كوبا..!
وفي الطريق الى مكان اقامتي، كانت الشوارع لا تزال تغص بالناس، والشعارات بالعربية والاسبانية وصور صدام تملأ الميادين والاشجار. كان الاستقبال كما شهدت شعبيا وضخما وربما لم يسبق له مثيل، وكنت ادرك السبب، حيث كان الكوبيون منذ ايام المؤتمر ولدى وضع خطتهم الخمسية للانماء الاقتصادي، قد طلبوا مني مباشرة، ثم بالحاح متكرر من جانب سفيرهم في بغداد ان اسعى من اجل تامين قرض لكوبا بمبلغ (500) مليون دولار من العراق لتمويل جزء من خطة التنمية التي رسمت على اساس تامين 60‎%‎ منها من مصادر خارجية، لان الاتحاد السوفييتي والبلدان الاشتراكية الاخرى غير قادرة على تغطية هذه النسبة باكملها، ولذلك فهم يطمحون بمساعدة العراق.
اثرت هذا الموضوع مرة بعد اخرى مع رئيس الجمهورية، احمد حسن البكر، ومع صدام حسين بالارتباط مع الدعوة الموجهة اليه لزيارة كوبا. ولكنهما استكثرا هذا المبلغ، وظللت من جانبي الح على تامين نصفه على الاقل، وهذا ما تعهد به رئيس الجمهورية.
ومضى وقت طويل، والمسألة معلقة، والسفير الكوبي يكرر زياراته لي في المكتب وفي الدار لهذا الغرض، وللمساعدة على تشغيل عدد من الاطباء والممرضات في العراق، واناطة بعض مشاريع البناء بالمؤسسات الكوبية.
وذات يوم استدعاني (البكر) الى مكتبه وكان في مزاج رائق، وبعد ان طلب مني ان اجلس، ليتمشى هو قليلا، توقف ليقول لي:
انا اكبر اممي…! اكثر اممية منك..
كنت خالي البال، فتساءلت منه عما يقصد..
قال بنبرة اعتداد ومزح: اليوم وقعت قرارا بتقديم قرض كبير الى (كاسترو) لكي يذبح الاسلام في ارتيريا!… بالله عليك، هل يوجد من هو اممي مثلي؟.
قلت له: حسنا فعلت..كوبا تستحق، وقد وعدناهم منذ زمن طويل بهذا القرض..
كان صدام قد حمل معه القرار في زيارته لكوبا، وتبرع بعشرة ملايين من الدولارات، وقلد وسام (مارتي) وهو ارفع وسام في كوبا، وقوبل بحفاوة بالغة، وكان قبل سفره قد فاجأ السفارة الكوبية بزيارة ليلية،. تبرع على اثرها باثاث جديد للسفارة، وجهاز تلفزيون، ومراوح ومدافيء… وغيرها.
وكنت لدى اشغالي وزارة الصحة في فترة سابقة، قد وقعت على هذه الهدية التي قدمت باسم هذه الوزارة، فضلا عن توقيع عقد باستقدام نحو 800 من الاطباء والممرضات الى العراق، الذين وزعوا على مختلف المحافظات، وكوفئوا برواتب جيدة. وفي فترة ما في عام 1977، وكانت العلاقات مع كوبا آخذة في التحسن، عرضت على المسؤولين، وخاصة وزير التخطيط (ثم على صدام والبكر ايضا) مسألة تطوير العلاقات الاقتصادية مع كوبا. ولما جرى الاستفسار عما يستطيعون ان ينجزوه من مشاريع اشرت الى الفائض عندهم من الاطباء المتمرسين والممرضات الذين كان ا يرسلونهم الى انغولا واثيوبيا، كما اشرت الى خبرتهم في البناء،. كان الكوبيون قد اخبروني بذلك، وراحوا يلحون عليّ بانجاز وعد قطعته لهم، وقد تحقق بالفعل الكثير من ذلك، حيث اخبرني (عدنان الحمداني) وزير التخطيط آنذاك، انه استعرض فقرات الخطة، فوجد انه من الممكن احالة 800 وحدة سكنية بعهدة الكوبيين، الى جانب بناء طريق بري بين كركوك - والموصل، رغم انه على حد قوله، غير واثق من تخصصهم وقدراتهم الفنية.
لم اتابع هذه التعاقدات بعد خروجي من العراق، واعتقد انها لم تنجز، بسبب القطيعة المفاجئة بين العراق وكوبا في عام 1982، حيث علم العراق بان كوبا كانت تسعى لدى دول عدم الانحياز لتجديد رئاستها للحركة بسبب تورط العراق بالحرب. وهنا بادر العراق الى انهاء جميع التعاقدات وكل نوع من ان اع التعاون مع كوبا.
كانت مصادفة وجودي في كوبا محرجة، كما بينت، بالنسبة للكوبيين الذين راحوا يقترحون علي المبادرة بزيارة صدام والوفد العراقي في مكان اقامتهم.. ولما اعتذرت على ذلك، وشرحت لهم الاسباب، عادوا مرة اخرى وفي اخر ليلة من وجود صدام، في هافانا، يدعونني باسم كاسترو للعشاء في حديقة احدى الاستراحات الجميلة، في الهواء الطلق وفي ظلال الشجر وبين الورود، كما وصفوها لي. كما نوهوا لي بان هذه الحفلة ستقتصر عليكم انتم الثلاثة، كاسترو وانت وصدام.
سالتهم: هل يعرف صدام بذلك؟، قالوا: لا !، انها فكرة كاسترو.
توجست من العواقب،. كنت في مزاج سيء، جراء ما انتهت اليه الامور بيننا وبين البعثيين، فاعتذرت مرة اخرى.
والواقع، اني كنت يائسا من اصلاح الوضع، ومن جدوى مثل هذا اللقاء.
في اليوم التالي، وفي الساعة العاشرة صباحا، توجه اليّ ثلاثة من القياديين والعاملين في جهاز اللجنة المركزية، ويدعوني لمرافقتهم الى لقاء في مقر اللجنة المركزية، وكان هؤلاء الثلاثة - وبينهم فتاة - قد استطلعوا الاوضاع في العراق، ومظاهر التردي في العلاقة بيننا وبين حزب البعث. قبل ثلاثة ايام اذكر اني اجبتهم على تساؤلاتهم، بضجر، ومع ذلك، فقد دونت الفتاة عدة صفحات من حديثي على دفتر استصحبته معها، وكنت قد طلبت منهم، منذ اليوم الاول، ان يخبروا قيادة الحزب، برغبتي في انهاء هذه الزيارة والتوجه الى موسكو، بالطائرة التي ستسافر في اليوم التالي، ولكنهم استمهلوني بالحاح.
التقيت في مقر اللجنة المركزية بكارلوس روفا.ئيل رودريغوس، عضو المكتب السياسي ورئيس الوزراء، وبرئيس قسم العلاقات الدولية، وهو الاخر عضو في المكتب السياسي …واخرين.
بادرتهم بالسؤال: هل سافر الضيف، وكيف كانت النتائج؟
اجاب رودريغوس:
اجل سافر… وهو حقا كما قال يوما ما كوسيجين "رجل شرف"، اما النتائج فكانت ممتازة.
واضاف: نحن قلقون عليكم للغاية،. عليكم ان تفكروا جيدا، في المتاعب التي ستواجهكم.
وهنا دخلنا في حديث طويل استغرق جلستين، قبل الظهر وبعد الظهر، وحتى منتصف الليل، دون الاتفاق على شيء محدد، باستثناء التحذيرات والمناشدات..
كان ثمة تفاوت في تقديرات الرجلين للوضع الذي تكون مؤخرا في العراق، اذ بادر رئيس قسم العلاقات الدولية، بعد ان انفردنا معا في الليل الى الاعراب بحرارة عن تضامن الحزب الشيوعي الكوبي مع الشيوعيين العراقيين والشعب العراقي.
وقد علمت فيما بعد انه اقصي من منصبه، وانيطت به مهمة ممثل الحزب الشيوعي الكوبي في مجلة قضايا السلم والاشتراكية في براغ.