كفى إستهانة بخطر التلوث الإشعاعي لذخائر اليورانيوم !
كاظم المقدادي
الحوار المتمدن
-
العدد: 8639 - 2026 / 3 / 7 - 17:09
المحور:
الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر
أنتج إستخدام أسلحة اليورانيوم المنضب تلوثاً إشعاعياً واسعاً، وخلف اَلاف الأماكن المليئة بالركام المشع، في أرجاء العراق.وقد نجم عن الإشعاع أضرار بيولوجية جسيمة. بالمقابل لم تكن إجراءات الحكومات العراقية المتعاقبة بالمستوى المطلوب، بل وإتسمت بالتستر والتضليل، تارة، وبالتجاهل والإهمال السافر، تارة أخرى. وعدا هذا لم تأخذ بالمقترحات والمشاريع المكرسة للتنظيف والعلاج، العراقية والأجنبية، ومنها ورشة العمل الدولية التي نظمتها الجامعة التكنولوجية في ليليو بالسويد خصيصاً لمساعدة العراق على التخلص من مخلفات اليورانيوم المشعة. كما وتجاهلت المستجدات العلمية التالية:
ان ذخائر اليورانيوم الأمريكية مصنعة من نفايات نووية خطيرة، تضم اليورانيوم " المنضب"(DU) بنظرائه الثلاثة: U-234و U-235 وU-238، بالأضافة الى عناصر إشعاعية أخطر، مثل النظير (U-236)، و(البلوتونيوم) و(الأمريشيوم) و(النبتونيوم) والتكنشيوم، وغيرها، شديدة الإشعاع، التي لا توجد في الطبيعة، وإنما تصنع في المفاعلات الذرية،.وقد وجد العديد منها في دم الضحايا.
وتبن بان حوالي 70% من اليورانيوم "المنضب" الموجود في القذيفة يتحول الى غبار كثيف عند إصطدامها بالهدف،حيث يحترق بدرجات حرارة عاليه تصل (3-6 اَلاف) درجة مئوية، وينتج عن الانفجار سحابة مكونة من ترليونات جزيئات أوكسيد اليورانيوم، بحجم اقل من 5 ميكرون µm)) (الميكرون يُعادل جزءاً من مليون من المتر. (وتعمل هذه الجزيئات النانوية Nanoparticles وكانها غاز اكثر من كونها جسيمات.
ويبقى غبار اليورانيوم "المنضب" محمولا في الهواء لفترات زمنية طويلة، وينتقل الى أماكن بعيدة.وهذه هي اخطر طريقة للاضرار بالسكان المدنيين القاطنين جول ميادين القتال- برأي العالمة الأمريكية الكندية الراحلة روزاليا برتل.
حيال هذا،أعلن خبراء في مجال الأشعاع والطب النووي، من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، تشكيكهم في مزاعم البنتاغون النافية لوجود خطر من ذخائر اليورانيوم، في وقت وجدت فيه جزيئات من محتوياتها في مجرى دم وعظام ضحايا. وأعلن جون فرانسوا لا كرونيك- مدير "الوكالة الوطنية للوقاية من الإشعاعات" التي تشرف على سلامة العاملين في مصانع الطاقة النووية في فرنسا، بأنه وجد الـ DU مخزّنا في العظام ، وما دام قد دخل العظام فانه سيصل إلى النخاع. ويمكن لأي إشعاع منه ان يسبب سرطان الدم إرتباطاً بطول فترة التعرض له.
ومن المستجدات العلمية المهمة الأخرى: كشف العلماء ان لا وجود لجرعة آمنة لإشعاع اليورانيوم، مهما كانت واطئة،وليس هناك ما يسمى بمستوى تأثير سلبي غير ملاحظ. وبذلك صححوا المعرفة القديمة السائدة، القائلة بان أشعة (الفا) " ليست خطرة " على الإنسان، ويمكن صدها بورقة عادية.
وقد وجد العالم الأمريكي من أصل كرواتي أساف دوراكوفيتش أن 1 ملليغرام من اليورانيوم يطلق خلال سنة 390 مليون من أشعة (الفا)، و780 مليون من أشعة ( بيتا)، بالاضافة الى اشعة غاما. وإن الملليغرام الواحد من النظير (238- U) ينتج في اليوم الواحد مليون و70 ألف من أشعة (ألفا). ويطلق كل جزيء من أشعة (ألفا) أكثر من 4 ملايين ألكترون فولت (MeV). وعند بلع او استنشاق هذا القدر من الطاقة الإشعاعية، فانها تدمر اقرب 6 خلايا في عضو الجسم . ويحتاج تفكك الحامض النووي DNA)) المخزون في الخلية الى 6-10 الكترون فولت(eV) فقط.
وهكذا فان أشعة (ألفا) قادرة ان تسبب، بطاقتها الاشعاعية والتأينية العالية، تدميراً خلوياً Cellular damage جسيماً للبناء الحيوي لجسم الانسان، مهاجمة البلعوم والرئتين والعقد اللمفاوية والكلى والدم والعظام والدماغ والكبد والمعدة والمبايض، وحتى الاجنة بأكملها.إضافة لما تسببه نواتج التفاعل من جزيئات أشعة (بيتا) و(غاما) من تلف إشعاعي إضافي.
ومع أن اليورانيوم "المنضب" قد "لا يشكل" ضرراً خارجياً ملحوظاً، إلا أنه يشكل ضرراً داخلياً جسيماً،عن طريق تنفس أو بلع جزيئاته، التي تتحول داخل الجسم الى مصدر دائم لانبعاث أشعة (الفا)، ولسميتها وأضرارها، مسببة العديد من الامراض الخطيرة، إذ بإمكانها ان تتلف الأجنة، والانسجة اللمفاوية، والكلى، والجهاز العصبي، والعظام، وزيادة مخاطر الاصابة بانواع السرطان والاورام الخبيثة..
وأكدت دراسات هامة بأن 57 % من جزيئات اوكسيد اليورانيوم عند دخولها الجسم عبر التنفس وشرب المياه وبلع الطعام الملوث، تبقى غير ذائبة، ولا تخرج منه، حيث تسير جسيمات اليورانيوم مع الدم وتستقر في الغدد اللمفاوية والكلى والعظام والدماغ والأجهزة التناسلية، وغيرها، وتتلفها.
وفسرت العالمة برتل الاضرار المحتملة لليورانيوم "المنضب" في الجسم البشري: بعد استنشاق الهباء الجوي لجزيئاته النانوية، بانها تعبر الحاجز الدموي في الرئه، وتكتسب مدخلا الي خلايا الجسم الأخرى، وهذا ينتج جذور حرة Free radicals. ونتيجه لكون اليورانيوم "المنضب" معدن ثقيل، فان سميته الكيميائية تهاجم البروتين في الخلايا،التي تقوم عادة بمحاربة الجذور الحرة. وبذا ينتج مزيد منها. ويؤدي هذا الي فشل الانزيمات الوقائية، مما يترك خلايا الجسم عرضة للفيروسات والفطريات . كما وتسبب أضراراً لحهاز الاتصالات الخلوية والحبيبات الفتيلية (Mitochondria).
وكشف عالم البيولوجيا التجريبية البريطاني روجرز كوجهيل، أمام المؤتمر الدولي الذي عقد في لندن، وكرس لأضرار اليورانيوم "المنضب"، العلاقة بين اليورانيوم "الناضب"،الذي إستُخدم في العراق وانواع السرطان التي إنتشرت، موضحاً بان جزيئاً واحداً من هذه الـ DU يستقر في عقدة لمفاوية كفيل بتدمير جهاز مناعة الجسم بالكامل، الامر الذي ينجم عنه انواع خطيرة من السرطان وتشوهات الاجنة.
ولعل أخطر ما كشفه العلماء هو ان أشعة (الفا) المنبعثة من اليورانيوم "المنضب" تتميز بخصائص خطيرة فريدة، مثل: تاَزر فعل ((Synergic effect سميتها الكيميائية والأشعاعية، أي أنهما تفعلان فعلهما معاً وفي اَن واحد. والخاصية الفريدة الأخرى، غير المعروفة علمياً من قبل، وسميت Bystander effect (ترجمناها:" التأثير بالجيرة")،التي أثبتت مكتشفتها العالمة الأمريكية الكساندر سي ميللر، بان هذا الأشعاع لا يتلف الخلية المتأثرة به مباشرة، فحسب، بل ويؤثر على الخلية السليمة المجاورة لها، فتتلف هي الأخرى ، وهذه تؤثر على جارتها،وجارتها تؤثر على جارتها، وهكذا دواليك.
وبذلك، فان خطرها يهدد الجسم بكامله إرتباطاً بعمر النصف لليورانيوم "المنضب" (المدة الزمنية اللازمة للنظير المشع كي يفقد فيها 50 في المئة من نشاطه الأشعاعي) الذي يتجاوز 4 مليارات سنة.
سقنا هذه المقدمة العلمية الطويلة لننبه من جديد الى خطورة التلوث الإشعاعي الناجم عن إستخدام نحو 3200 طناً مترياً من اليورانيوم "المنضب، في حربين مدمرتين، وما خلفه من ركام مشع في أرجاء العراق بلغت بالآلاف- حسب برنامج الأمم المتحدة للبيئة((UNEP، بينما قدرها (مركز الوقاية من الإشعاع) التابع لوزارة البيئة بأنها 360-400 موقعاً. ولم يتم تنضيفها كلها لحد اليوم، ويسعى مسؤولون في جهات رسمية معنية الى التعجيل بإعلان "خلو العراق" من التلوث الإشعاعي، بينما لم يتم تنظيف العراق منه، ويتم بإستمرار الكشف عن مواقع جديدة ملوثة، في بغداد والمحافظات الأخرى، واَخرها جسر الطوبجي ببغداد. وهو ما إنتقدناه في " المدى"( العدد: 5709، في 19/7/2024). وحذرنا من خطورته.وتساءلنا طيلة العقدين المنصرمين في العديد من وسائل الإعلام، بما فيها مجلة وزارة البيئة، متى يتم تنظيف البيئة العراقية من التلوث الإشعاعي ؟
وبنفس الوقت ما سقناه هو رد على بيان (الهيئة الوطنية للرقابة النووية والإشعاعية والكيميائية والبيولوجية العراقية) بشأن تلوث جسر الطوبجي،الذي تستهين فيه بالتلوث الإشعاعي في الجسر، مفندة " شائعات وجود التلوث الإشعاعي"، مؤكدة بان " الجسر اَمن تماماً" ، نافية " ما يتم تداوله حول وجود مخظر إشعاعية "، معتبرة إياه "تهويل إعلامي" !!..بينما هي تعترف بوجود التلوث، لكنه " محدود وموضعي وغير قابل للإنتشار، وتمت السيطرة عليه، ولا يشكل أي تهديد للصحة العامة أو البيئة ".ودعت المواطنين إلى "عدمِ الانجرار وراء الشائعات أو التهويل، والاعتماد على البيانات الرسمية الصادرة عنها"، والتي جاءت دون المستوى المطلوب، ومتناقضة، ومليئة بالمفارقات.
لقد بدت الهيئة غير مرتاحة للقلق الذي أبداه المواطنون، ناسية أو متناسية ان القلق الذي أثاره الحادث هو قلق مشروع ، وهو، في كل الأحوال، أفضل من التجاهل واللامبالاة تجاه وجود الإشعاع ومخاطره ..
المفارقة ان التلوث الإشعاعي لم تكتشفه فرق الهيئة الحكومية، ولا أي جهة رسمية معنية، وإنما كشفه مواطن عراقي، بجهازه الخاص.ويبدو انه من شهود قصف الجسر بقذائف اليورانيوم "المنضب"، من قبل غزاة العراق في عام 2003. وتداول المواطنون الفيديو الذي سجل عملية الفحص وكشف التلوث الإشعاعي، في وسائل التواصل الأجتماعي..و بفضل ذلك تحركت الجهات الحكومية نحو الموقع للتأكد من تلوثه إشعاعياً.
وهذه ليست المرة الأولى التي يكشف المواطنون التلوث الإشعاعي قبل الجهات الرسمية المعنية. فقد
حصل ذلك في بناية المطعم التركي السابق، وفي مدرسة ببغداد، وفي أماكن أخرى في المحافظات. ويفترض ان تنمي الهيئة الوطنية المذكورة هذا الوعي وتثمن الميادرات، لا ان تنزعج منها..
لقد أوحت بيانات (الهيئة الوطنية للرقابة النووية والإشعاعية والكيميائية والبيولوجية العراقية) بشأن التلوث الإشعاعي في جسر الطوبجي ببغداد، الذي تم الكشف عنه قبل أيام، بإستهانتها بخطر التلوث الإشعاعي لذحائر اليورانيوم عبر "طمأنتها " للمواطنين: " لا خطورة إشعاعية في الموقع على الصحة العامة والبيئة "، ولم تتأكد بعد من وجود، أو عدم وجود، الإشعاع هناك.
والمفارقة هي قيام فريق الهيئة بما يلزم في مثل هذه الحالة ( إحتمال وجود خطر إشعاعي):بإرتداء الألبسة الواقية، من بدلات وكمامات وكفوف وأحذية خاصة، وتهيئة الأدوات اللازمة للعمل، قبل الدخول للمنطقة المشكوك بتلوثها بالإشعاع. وعزل وتطويق المكان الملوث، ووضع إشارات تمنع الإقتراب من الموقع. وقد شاهد ذلك الملايين على شاشات التلفزيون. وحذا حذوهم صحفيون نصحهم أطباء بوجوب إستخدام الأدوات الواقية أثناء إجراء تحقيقاتهم في المنطقة.
المفارقة الأخرى هي تفنيد الهيئة بوجود تلوث إشعاعي، وإتهمت الإعلام بالتهويل، بينما أكد فريقها وجود التلوث الإشعاعي. والهيئة نفسها قالت: " الجهات المختصة تواصل أعمال معالجة التلوث الإشعاعي الذي تم رصده في إحدى ركائز الجسر، وان (مديرية النفايات المشعة وتصفية المنشآت النووية) التابعة لـ(هيئة الطاقة الذرية) هي التي تُنفذ عمليات الإزالة. وأوضح مدير (مديرية الطوارئ النووية والإشعاعية) محمد جاسم محمد: "الإجراءات الميدانية شملت عزل الموقع وتطويقه بالأشرطة التحذيرية وتقييد الدخول إلى المنطقة بالمخولين فقط، فضلاً عن اتخاذ تدابير وقائية للحد من انتشار التلوث، تضمنت استخدام مواد عازلة وتأمين بيئة عمل آمنة للفرق الفنية المنفذة". وشدد على أن "جميع الإجراءات تُنفذ وفق الضوابط المعتمدة وبما يضمن حماية المواطنين والعاملين والبيئة المحيطة" ..
ونعود الى إنزعاج الهيئة من القلق الذي أبداه المواطنون تجاه وجود التلوث الإشعاعي في الجسر، ولم تشاركهم القلق، متجاهلة خطورته، ناكرة على المواطنين حقهم ان يقلقوا حتى لو كانت جرعة الإشعاع واطئة، لأنهم عاشوا ومازالوا يعانون تداعيات الكارثة البيئية والصحية المتفاقمة، التي سببها التلوث الإشعاعي، وعجزت السلطات، بل فشلت في درئها، رغم الظاهرة التي ميزت بها العراق، ألا وهي تعدد الجهات الرسمية التي تقوم بمهمة واحدة، وتعدد المسؤولين غير الكفوئين والجهلة والفاشلين، ضمن الصراع على النفوذ والأمتيازات.
ففي موضوعنا، توجد: (هيئة الرقابة من الإشعاعات المؤينة) و(مركز الوقاية من الإشعاع) و(الهيئة الوطنية للسيطرة على المصادر المشعة) و(مديرية السلامة الإشعاعية والنووية) و(الهيئة الوطنية للرقابة النووية والإشعاعية والكيميائية والبيولوجية) و(هيئة الطاقة الذرية العراقية) وتشكيلاتها العديدة، ومنها: "مديرية التطبيقات" و"مديرية النفايات المشعة" و"مديرية تصفية المنشاَت والمواقع النووية" و"مديرية السلامة الإشعاعية والنووية" و (مديرية الطوارئ النووية والإشعاعية)، وغيرها.
ويتضح بجلاء ان الجهات المذكورة لها نفس المهمة، وهي مثال صارخ على التعددية غير المبررة للمؤسسات العراقية، وكثرة المدراء العامين ووكلائهم وممستشارهم،وبناياتها ومعداتها وكوادرها وفنيها، وصرفياتها.
والمفارقة المُعيبة ان رئيس (هيئة الطاقة الذرية) حاليا هو المليشياوي نعيم العبودي،أضافة لوظيفة وزير التعليم العالي والبحث العلمي والعلوم والتكنولوجيا.وهو لا علاقة له بالعلم والأشعاع والنفايات النووية والطاقة الذرية. ويحمل شهادتي ماجستير ودكتوراه مزورتين إشتراهما من جامعة إسلامية لبنانية مشبوهة
ولمن لا يعرف، ولمن يستهين بمخاطر التلوث بإشعاعات اليورانيوم، نقول:
لقد إستخدمت القوات الأمريكية وحليفاتها على العراق، في حربين مدمرتين، كميات هائلة من ذخائر اليوراينوم "المنضب"، وخلفت اَلاف الأطنان من المخلفات الحربية المُشعة في العراق. تؤكد تقديرات الخبراء العسكريين والمتخصصين ان الكمية تجاوزت الـ 3200 طناً مترياً، لوثت بإشعاعاتها حتى المحافظات التي لم تقصف بأسلحة اليورانيوم، من خلال إنتقال الإشعاعات إليها عبر الرياح، وعبر نقل الحديد السكراب المضروب إليها.
وقد أحدثت كارثة صحية رهيبة لا مثيل لها، بحيث لا توجد عائلة عراقية سلمت من تداعياتها، منتجة
كم هائل من الحالات المرضية الغريبة والشديدة لدى سكان المناطق التي تعرضت للقصف، خصوصاً في محافظات العراق الوسطية والجنوبية، ومنها:
• كثرة حالات الأجهاض (الإسقاط) المتكرر، والولادات الميتة.
• ظهور حالات تشوهات ولادية (خلقية) ليست فقط رهيبة، بل وغير معروفة طبياً من قبل.
• إنتشار العقم لدى الرجال والنساء، وبينهم من خلف أو أنجب من قبل. يشهد على ذلك مستشفى
السامرائي التخصصي ببغداد.
• إنتشار الإصابات السرطانية في المناطق التي قصفت باسلحة اليورانيوم.
• إنتشار الأصابات السرطانية وسط عوائل لم يُصب أحد منها من قبل،أي لا تحمل العامل الوراثي، وإنما لكونها تقطن في مناطق قُصِفت باسلحة اليورانيوم.وأصابة أكثر من فرد في العائلة الواحدة.
• لاحظ الأطباء في المناطق الجنوبية، وأولهم الباحث الراحل الدكتور جواد العلي، في البصرة، إصابة المريض الواحد بأكثر من حالة سرطانية (2 و 3 وحتى 4 حالات) في اَن واحد.
• إنتشار أمراض سرطانية وسط أعمار غير الأعمار المعروفة طبياً، مثل سرطان الثدي لدى فتيات بعمر 10 و 12 سنة، وسرطانات أخرى نادراً ما تصيب شريحة الأطفال.
• إرتفاع الأصابات السرطانية والوفيات بالسرطان بنسب عالية جداً، بلغت أضعاف ما كانت عليه قبل عام 1989.
نتيجة للتلوث بإشعاعات اليورانيوم أُصيب مئات الآلاف من المواطنين العراقيين بأمراض عضال، في مقدمتها الأمراض السرطانية الخطيرة. وقد أثبت العلماء العراقيون والأجانب علاقتها الإرتباطية بالتعرض لإشعاعات تلك الذخائر ومخلفاتها الحربية المُشعة .
وإتخذ إنتشار السرطان في العراق طابعاً وبائياً.وحصد ويحصد منذ ثلاثة عقود ونيف، بلا هوادة ولا رحمة، حياة الآلاف من العراقيين والعراقيات، وفي مقدمتهم الأطفال.وقد تجاوزت الأصابات السرطانية أكثر من مليون و 100 ألف إصابة، والوفيات بالسرطان أكثر من 300 ألف وفاة.
ومع ان وزارة الصحة لا تسمح بالأطلاع على الأحصائيات الحقيقية، وتعتم عليها، بل وتشوهها، بهدف التقليل منها، إلا ان الحقائق سرعان ما إنكشف. ففي عام 2008 أعلنت د.نرمين حسن، وزير البيئة أن عدد الأصابات السرطانية إرتفع الى أكثر من 140 ألف إصابة. وفي اَيار 2011،أعلنت د. لقاء الياسين، رئيسة لجنة الصحة والبيئة النيابية سابقاً،إرتفاع العدد الى 640 ألف. وفي نيسان 2014 كشف محافظ بغداد علي محسن التميمي، ان المحافظة تملك إحصاءات رسمية تؤكد تسجيل 600 ألف مواطن مصاب بالسرطان من بغداد وحدها.
وقد شهد الجميع كيف تقف وزارة الصحة عاجزة تجاه المعضلة، وللتغطية على عجزها وفشلها يردد المتحدثون بإسمها كذباً وزوراً:" لاتوجد زيادة في الإصابات السرطانية في العراق" و"معدلات السرطان في العراق ضمن الحدود الطبيعية" ، وبلغت مزاعم المتحدث الحالي حد القول: " معدل السرطان في العراق أفضل من المعدلات الأوربية"!!..وقد فندت مزاعمهم إحصاءات (مجلس السرطان العراقي) التي بينت تصاعد الإصابات السرطانية الجديدة السنوية، والتي بلغت في عام 2024 أكثر من 46 ألف حالة سرطانية جديدة، من المسجلة لديه فقط. وهو ما يعكس تصاعداً كبيراً في معدلات المرض مقارنة بتقديرات ما قبل حرب عام 1991.
ولكثرة الأمراض السرطانية،وأضطرار المرضى للسفر للخارج للعلاج، إضطرت وزارة الصحة ان تعلن، قبل أيام، أنها تسعى الى إنشاء وإفتتاح المزيد من المراكز المتخصصة بعلاج الأورام الخبيثة والسرطانات، وتوفير الكوادر والمعدات اللازمة لعملها.
لقد لعب التعتيم والتضليل واللامبالاة والإهمال والتقصير وسوء الإدارة، بل وفشلها طيلة عقدين من الزمن، دوراً كبيراً في إنتشار الإشعاع في أرجاء العراق، وفي تفاقم الكارثة الصحية التي سببها، والتي راح ضحيتها مئات اَلاف العراقيين.
ولو كانت لدينا سلطتان تشريعية وقضائية ورئاسة إدعاء عام، تمتلك الكفاءة المهنية،والحرص الوطني، وتؤدي واجباتها بإخلاص وفاعلية لخدمة الشعب والوطن ولحمايتهما، لا لخدمة المصالح الحزبية، في ظل المنظومة السلطوية الفاسدة ، لما سكتت عن المسؤولين والجهات المتورطة والمقصرة والفاشلة،التي أوصلت البلد الى هذه الحالة المزرية والأنهيار الخطير في مكافحة التلوث الإشعاعي وفي أنقاذ ومعالجة ضحاياه، في ظل "بركات" المنظومة السلطوية،التي جعلت العراق يتميز بظاهرة لا مثيل لها في أي بلد اَخر، ألا وهي تعدد الجهات الرسمية التي تقوم بمهمة واحدة، وتعدد المسؤولين ضمن الصراع على النفوذ والأمتيازات.وفرضت مسؤولين ليس لهم علاقة بالمهمة لا من قريب ولا من بعيد.
ففي موضوعنا توجد-كما أسلفنا: (هيئة الرقابة من الإشعاعات المؤينة) و(مركز الوقاية من الإشعاع) و(الهيئة الوطنية للسيطرة على المصادر المشعة) و(مديرية السلامة الإشعاعية والنووية) و(الهيئة الوطنية للرقابة النووية والإشعاعية والكيميائية والبيولوجية) و(هيئة الطاقة الذرية العراقية) وتشكيلاتها: "مديرية النفايات المشعة" و"مديرية تصفية المنشاَت والمواقع النووية"و"مديرية السلامة الإشعاعية والنووية"، وغيرها.
ولكل هذه الجهات نفس المهمة، وهي مثال صارخ على التعددية غير المبررة للمؤسسات الرسمية، وكثرة المدراء العامين ووكلائهم ومستشارهم، عدا بناياتها ومعداتها وكوادرها وفنيها وصرفياتها.
ختاما: كفى تضليلاً وإستهانة وتجاهلاً للتلوث الإشعاعي لذخائر اليورانيوم ومخلفاتها الحربية المشعة، فهي جريمة لا تغتفر بحق الشعب والوطن، التي حصدت أرواح الآلاف من أبناءه وبناته وعماد مستقبله !
الأستاذ الدكتور كاظم المقدادي أكاديمي عراقي متقاعد، متحصص بالصحة والبيئة والأضرار البيولوجية لإستخدام أسلحة اليورانيوم.