أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أكرم شلغين - سوريا التي لم تعد كما عرفناها














المزيد.....

سوريا التي لم تعد كما عرفناها


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8843 - 2026 / 9 / 29 - 14:54
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الخطأ لم يكن في أن السوريين فرحوا بسقوط الأسد؛ فبعد عقود طويلة من الخوف والقمع، كان من الطبيعي أن يفرح الناس. وكان من حق من فقدوا الأمل في أن يتغير شيء أن يروا في سقوط النظام لحظة طال انتظارها.
لكن الخطأ بدأ عندما تحولت فرحة سقوط النظام إلى ثقة مسبقة بأن سقوطه يعني تلقائيا ولادة الدولة التي يحلم بها السوريون؛ فسقوط نظام ليس هو نفسه بناء نظام. والدولة لا تولد بمجرد رحيل الحاكم. الدولة هي مؤسسات وقانون وأمن واقتصاد وعدالة، وقبل ذلك كله شعور المواطن بأن حياته وكرامته وممتلكاته ليست رهينة لمن يملك القوة.
ولعل السنوات التي مضت منذ سقوط الأسد بدأت تكشف الفارق بين الحلم والواقع.
كان كثير من السوريين يريدون أن يصدقوا أن القادم أفضل. بعضهم رأى في مجرد انتهاء حكم الأسد شبه معجزة بعد أن فقد الأمل، وبعضهم أراد أن يرى في السلطة الجديدة انتقالا إلى مرحلة أكثر استقرارا. وانتشرت على وسائل التواصل عبارات تتحدث عن سوريا المتجهة إلى الأمان، وعن المشاريع والمليارات والازدهار والرواتب التي سترتفع، حتى بدا أحيانا أن الحديث عن المستقبل أصبح بديلا عن الحديث عن الحاضر....

لكن، الحاضر لا يمكن إخفاؤه طويلا.
الأمم المتحدة تقدر أن نحو 15.6 مليون سوري كانوا بحاجة إلى المساعدة الإنسانية في عام 2026، فيما ظل نحو 5.5 مليون شخص نازحين داخل البلاد. وهناك تقديرات أممية أخرى تضع عدد المحتاجين إلى المساعدة عند نحو 16.5 مليون شخص. هذه ليست أرقاما عن سوريا القديمة. إنها أرقام عن سوريا التي نعيشها الآن.
والعودة إلى الوطن لا تعني بالضرورة العودة إلى الحياة الطبيعية. فقد يعود الإنسان إلى بيت مدمر، أو إلى منطقة لا يجد فيها عملا، أو إلى مكان لا تتوافر فيه الخدمات الأساسية. وما زال سوريون كثيرون يعيشون في المخيمات ومواقع النزوح وفي مساكن شديدة الهشاشة. والشتاء يقترب مرة أخرى، ومعه يعود السؤال القديم: من أين تأتي التدفئة؟ ومن أين يأتي الغذاء والدواء والمأوى؟
في بلد يتحدث فيه الخطاب الرسمي والإعلامي عن المشاريع والمليارات والرفاه القادم، تبدو صورة إنسان يحاول تدبير يومه، أو طفل ينتظر شتاء آخر في مسكن هش، أكثر صدقا في وصف الواقع من عشرات الوعود.
ثم هناك سوريا نفسها. سوريا التي عرفناها تاريخيا وجغرافيا لم تعد هي سوريا نفسها. ففي الشمال، لم يعد النفوذ التركي مجرد وجود عسكري. فقد وثقت منظمات دولية وجود نفوذ إداري واقتصادي وخدمي تركي واسع في مناطق من شمال سوريا، مع استخدام الليرة التركية ووجود مؤسسات وخدمات مرتبطة بتركيا، إلى جانب تقارير عن تغيرات ديموغرافية ونزوح واستيلاء على ممتلكات.
وفي الجنوب، توسعت إسرائيل عسكريا بعد سقوط النظام، وتجاوزت في بعض المناطق خطوط المنطقة العازلة التي كانت تشرف عليها الأمم المتحدة، وأقامت مواقع عسكرية جديدة في محيط جبل الشيخ والقنيطرة وأجزاء من درعا.
وهكذا لم يعد السؤال فقط: من يحكم سوريا؟ بل أصبح السؤال أكثر قسوة: أي سوريا بقيت لكي نحكمها؟ وفي الداخل، تظهر أسئلة أخرى لا تقل قسوة. ماذا حدث للعدالة؟
هل تمت محاسبة المسؤولين الحقيقيين عن الجرائم التي ارتكبت خلال عقود الحكم السابق، أم أن بعض الأشخاص الأقل نفوذا أصبحوا كبش فداء بينما استطاع أصحاب النفوذ الحقيقي تسوية أوضاعهم والاختفاء خلف ترتيبات جديدة؟
وماذا عن الأمن؟ ماذا يعني أن يستيقظ المواطن على أخبار الخطف وطلبات الفدية والخوف من أن تختفي امرأة أو طفل أو شاب من دون أن يعرف أهله أين ذهب؟
وماذا عن الملكية؟ إذا كان هناك مواطنون يواجهون اليوم نزاعات على بيوتهم وأراضيهم التي عاش فيها آباؤهم وأجدادهم، فهذه ليست قضية عقارية بسيطة. إنها قضية تتعلق بأحد أكثر الأشياء حساسية في حياة الإنسان: حقه في أن يكون بيته بيته.
لكن كل هذه الأسئلة تحتاج إلى شيء واحد: الدقة. لن نكرر أخطاء الماضي، ولن نضع اتهاما بلا دليل، ولن نحول الإشاعة إلى حقيقة لأننا نختلف مع السلطة الجديدة. إذا كان هناك استيلاء على ملكيات، سنبحث عن الوثائق. وإذا كانت هناك انتهاكات، سنبحث عن التقارير والشهادات الموثوقة. وإذا كانت هناك أرقام عن الاقتصاد والفقر والخطف والعودة والنزوح، سنعود إلى مصادرها الدولية والمحلية ونضعها أمام القارئ كما هي.
فالمشكلة ليست في أن نختلف مع السلطة. المشكلة أن نكذب من أجل أن نثبت أنها مخطئة أو أنها، وعلى نقيض ذلك، الملاك المخلص للشعب.
لقد عانى السوريون طويلا من إعلام يقول لهم إن كل شيء بخير بينما كانت حياتهم تقول العكس. وليس من العدل أن نعيد إنتاج الطريقة نفسها، ولكن بلغة جديدة وأسماء جديدة.
كان السوريون يحلمون بسوريا أفضل بعد الأسد. وهذا الحلم لم يكن خطأ. لكن الأمل وحده لا يبني دولة. والهتاف لا يصنع أمنا. والوعود لا تطعم جائعا. والمشاريع المعلنة لا تعني شيئا لمن لا يستطيع أن يدفع ثمن الخبز أو التدفئة.
والأخطر من ذلك كله أن سقوط نظام مستبد كان يمكن أن يفتح الباب أمام فرصة تاريخية، لكنه لا يضمن أن تستغل هذه الفرصة بطريقة صحيحة. لذلك ربما يكون السؤال الحقيقي اليوم ليس: هل كانت فرحتنا بسقوط الأسد خطأ؟ لا. بل: ماذا فعلنا بعد الفرح؟ هل بدأنا فعلا ببناء دولة يستطيع فيها السوري، أيا كان انتماؤه، أن يعيش آمنا، وأن يحفظ بيته وكرامته، وأن يعرف أن القانون أقوى من السلاح، وأن مستقبله لا يتوقف على قربه من الحاكم؟ إذا كان الجواب نعم، فهناك ما يمكن البناء عليه. وإذا كان الجواب لا، فعلينا أن نمتلك الشجاعة لنقول ذلك الآن، قبل أن يتحول حلم الخلاص إلى كابوس جديد. فالسوريون لا يحتاجون إلى حاكم جديد فقط. إنهم يحتاجون إلى دولة.



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عن العلاقات التي لا تحتاج إلى لغة
- نتكلم عن الكون ونحن نجهل كوكبنا
- هل نحن أذكى ممن قد يكونون هناك؟
- من يحق له أن يقف هنا؟
- مات قبل أن يسكن
- الماضي الذي كنا عليه: هل يحق للإنسان أن يصبح شخصا آخر؟
- إذا أصبح الخيال العلمي واقعا... ماذا يفعل الإنسان بمخلوقاته؟
- الوطن بين مكان يمكن العودة إليه ومكان لا نستطيع العودة إليه، ...
- اللاذقية والغياب
- سوريا ليست لأحد وحده
- يكفي أن نعيش
- كيف يصبح المستقبل تهديدا
- التابع الذي لا يموت : يتغير الزعيم ولا يتغير التابع
- عندما يصبح الخيال أصدق من الواقع
- الوحش الكامن
- أنت موجود وغيرك موجود: الاختلاف وحق الإنسان في أن يعيش كما ه ...
- سقط الأسد وبقيت الأسدية
- الدفاع عن الجلاد: السلطة التفسيرية وصناعة الولاء في الخطاب ا ...
- القمح والورد:* ماذا يحتاج الإنسان لكي يحيا؟
- كتاب مقدس في الإنسانية


المزيد.....




- الصراع في إثيوبيا: اتهامات تنفيها مصر والسودان بدعم خصوم أبي ...
- انفجار خط غاز في دير الزور يوقف الإمدادات لمحطات الكهرباء ال ...
- غالانت يكشف السر وراء تفجيرات البيجر.. لماذا سارعت إسرائيل إ ...
- قاليباف لترامب: استدر لنستدر!
- نيران الحرب تشتعل في إثيوبيا.. وخبير يتحدث عن -انقلاب قواعد ...
- الجيش الإسرائيلي ينشر فيديو لعملية اغتيال قائد لواء شمال قطا ...
- كازينو سري بـ4 ملايين دولار.. شرطة أوزبكستان توقف 11 مشتبها ...
- خلال اتصال من البرهان.. محمد بن سلمان يجدد دعم السعودية لاست ...
- ماسك يقدم نصيحة غريبة لمحاربة حرقة المعدة وتحسين الهضم.. هل ...
- روسيا.. اختبار أحدث ليزر قتالي ذاتي الحركة لمكافحة الطائرات ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أكرم شلغين - سوريا التي لم تعد كما عرفناها