أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - الموساد في مرمى الاتهام- اغتيال أولوف بالمه وإغلاق التحقيقات عام2025















المزيد.....


الموساد في مرمى الاتهام- اغتيال أولوف بالمه وإغلاق التحقيقات عام2025


عبدالحكيم سليمان وادي

الحوار المتمدن-العدد: 8843 - 2026 / 9 / 29 - 14:54
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الدكتور.عبدالحكيم سليمان وادي
استاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية


مقدمة
في مساء الثامن والعشرين من فبراير عام 1986، وبينما كان أولوف بالمه، رئيس وزراء السويد، يسير مع زوجته ليزبيت في شارع سفيافيجن بوسط ستوكهولم بعد عودتهما من السينما، أطلق مسلح مجهول رصاصة واحدة في ظهره، ثم هرب عبر شارع تونلغاتان المظلم. لم يكن مع بالمه أي حراسة، ولم يكن هناك سلاح في مسرح الجريمة، ولم يشهد أحد الجاني بوضوح. في تلك الليلة، فقدت السويد رئيس وزرائها الرائع المميز المتواضع الإنساني بلا حدود، وفقد العالم سياسيًا استثنائيًا، وبدأت واحدة من أطول وأكثر التحقيقات الجنائية إثارة للجدل في التاريخ الحديث.

التحقيق الذي استمر أكثر من أربعة وثلاثين عامًا، وجمع أكثر من سبعمائة ألف صفحة من الوثائق، وسجل سبعة عشر ألفًا وخمسمائة دليل، وانتهى في عام 2020 بإغلاق الملف دون إدانة قاطعة، ليُعاد فتحه جزئيًا في عام 2025 قبل أن يُغلق مرة أخرى. لكن السؤال الذي لم يُغلق أبدًا هو، ( لماذا أمرت اسرائيل بقتل أولوف بالمه)؛ وبين كل النظريات التي تتنازع الإجابة، تبرز فرضية واحدة فقط؛ بثبات مقلق؛ انها أصابع الموساد الإسرائيلي التي ضغطت على الزناد و اغتالت ألوف بالما.

-السؤال الإشكالي:

ما الذي يجعل الموساد الاسرائيلي في قلب الشكوك؛ وما الأدلة التي يستند إليها من يتبنون هذه النظرية؛ وهل يمكن أن يكون اغتيال رئيس وزراء السويد قد جاء انتقامًا لمواقفه الداعمة للقضية الفلسطينية؛ أم أن القضية أكبر من ذلك بكثير، وتتشابك فيها خيوط الاستخبارات الدولية وتجارة الأسلحة والمصالح الجيوسياسية.

أولاً: من هو أولوف بالمه- الرجل الذي أزعج الجميع.

وُلد أولوف بالمه في الثلاثين من يناير عام 1927 في ستوكهولم، لعائلة أرستقراطية برجوازية؛ درس القانون في جامعة ستوكهولم، ثم في الولايات المتحدة، حيث تعرف على أفكار الحركة العمالية والاشتراكية. بدأ مسيرته السياسية في الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وسرعان ما أصبح أحد أبرز وجوهه، ليصبح رئيسًا للوزراء في الفترة من 1969 إلى 1976، ثم مرة أخرى من 1982 حتى اغتياله في 1986. كان بالمه، كما يصفه أحد الباحثين، "سياسيًا براغماتيًا اشتراكيًا حلم بعالم أكثر عدلاً، ورائدًا في السياسة الدولية".

كان بالمه معروفًا بمواقفه الجريئة والمناهضة للاستعمار. عارض حرب فيتنام بشدة، وانتقد سياسات الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية، وناهض نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا؛ وقد كتب مقالًا شهيرًا بعنوان "المذبحة المبرمجة" انتقد فيه القصف الأمريكي لشمال فيتنام، مما دفعه الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون إلى وصفه بـ"الغبي" وأدى إلى استدعاء السفير الأمريكي في ستوكهولم للاحتجاج على هذا الوصف الحقير من نيكسون. كما كان من أوائل القادة الأوروبيين الذين دعوا إلى الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، والتقى الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات علنًا في عام 1982، مما أثار غضب دولة الاحتلال الإسرائيلي الشديد.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة "نيوز 24" الجنوب أفريقية، فإن "مؤهلات بالمه اليسارية ودفاعه عن القضايا الدولية، من النضال ضد الحكم الأبيض في جنوب أفريقيا إلى انتقاد الولايات المتحدة في حرب فيتنام، أكسبته أعداء كثيرين وأثار تكهنات حول وجود مؤامرات أجنبية لاغتياله". هذا الرجل، الذي أطلق عليه لقب "غاندي الشمال"، لم يكن مجرد رئيس وزراء لدولة صغيرة، بل كان صوتًا أخلاقيًا في السياسة الدولية أزعج القوى الكبرى في عالم ما زال يحكمه منطق الحرب الباردة رغم انهيار الاتحاد السوفييتي ومن قبله جدار برلين.

ثانياً: لماذا الموساد متهم باغتياله-العلاقة المضطربة بين بالمه ودولة الاحتلال الإسرائيلي.

لفهم فرضية تورط الموساد الإسرائيلي في اغتياله، لا بد من العودة إلى جوهر العلاقة بين بالمه وإسرائيل. لم تكن هذه العلاقة عدائية في البداية، لكنها تدهورت بشكل حاد في الثمانينيات، خاصة مع انخراط السويد في وساطة دولية في الشرق الأوسط، ومواقف بالمه المعلنة الداعمة للحقوق الفلسطينية وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس العربية المحتلة.

بحسب صحيفة "نويه تسورخر تسايتونغ" السويسرية، فإن "العلاقة بين السويد وإسرائيل تدهورت بشكل كبير في ظل حكم بالمه. فقد كانت مساعيه من أجل السلام في الشرق الأوسط وقربه من الزعيم الفلسطيني/ياسر عرفات ،لا تحظى بتقدير الإسرائيليين". وتشير الصحيفة إلى نظرية تقول إن "الموساد الإسرائيلي كلف فلسطينيًا بتنفيذ عملية القتل"، وهي نظرية تكررت في تقارير عدة.

لكن الخلاف لم يكن مجرد خلاف أيديولوجي حول القضية الفلسطينية. فقد كان بالمه، بصفته مبعوثًا خاصًا للأمم المتحدة بين دول الخليج منذ عام 1980، قد تعرّف على تفاصيل عمليات سرية لنقل الأسلحة إلى إيران خلال الحرب العراقية-الإيرانية. وتقول صحيفة"نويه تسورخر تسايتونغ" السويسرية،إنه "لم تقم الولايات المتحدة وإسرائيل فقط بتزويد إيران بالأسلحة سرًا، بل إن الشركة السويدية بوفورس باعت صواريخ مضادة للطائرات لإيران وكسبت أموالًا طائلة في هذا الصدد". هذا الكشف خطير لسببين هما:
1- أنه يُظهر تورط إسرائيل في صفقات أسلحة سرية تناقض مصالح حلفائها المعلنة.

2-أنه يضع بالمه في موقع من يعرف أسرارًا حساسة قد تهدد مصالح دول كبرى.

ووفقًا لموقع "ساحة التحرير"، فقد كان بالمه "مكروهًا من قبل جهاز المخابرات الإسرائيلية الموساد ومن جهاز المخابرات الأمريكية CIA والصهاينة". ويشير موقع "قرار" التركي إلى أن "نظرية تقول إن جهاز الاستخبارات الجنوب أفريقي، ونظرية أخرى تقول إن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي الموساد، هو الذي قتل بالمه". كما نشرت وكالة "شهروند" الإيرانية أن "كثيرين يعتبرون جهاز الاستخبارات الجنوب أفريقي، وبعضهم يعتبر الموساد، من المتهمين الرئيسيين في اغتيال رئيس الوزراء السويدي الراحل".

ثالثاً: النظريات المتداخلة-الموساد بين جنوب أفريقيا وإيران.

من الصعب الحديث عن فرضية تورط الموساد بمعزل عن النظريات الأخرى، لأن هذه الفرضية تتشابك مع سيناريوهات عديدة، مما يجعل من الصعب فصل الخيوط عن بعضها البعض.

-النظرية الأولى تربط اغتيال بالمه بمناهضته لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. فقد كانت السويد، تحت قيادة بالمه، من أكبر الداعمين للمؤتمر الوطني الأفريقي (ANC)، مما جعلها هدفًا لجهاز الاستخبارات الجنوب أفريقي العنصري آنذاك . وقد اعتُقل مواطن جنوب أفريقي يُدعى نايجل بارنيت في موزمبيق عام 1997، وكان يتحدث السويدية بطلاقة، مما أثار الشكوك حول تورط بلاده. لكن بعض المحللين يرون أن جنوب أفريقيا لم تكن لتنفذ عملية بهذا التعقيد دون دعم من استخبارات أخرى، وهنا يظهر الموساد كشريك محتمل ومنفذ لهذه العملية البشعة هي جريمة (اغتيال بالمه).

-النظرية الثانية تربط الاغتيال بالكشف عن صفقة أسلحة سرية بين شركة "بوفورس" السويدية والهند، وهي الصفقة التي تورط فيها رئيس الوزراء الهندي راجيف غاندي. وتشير الصحيفة السويسرية "نويه تسورخر تسايتونغ" إلى أن بالمه كان قد اجتمع، قبل ساعات فقط من مقتله، مع السفير العراقي محمد سعيد الصحاف، الذي قدّم له تفاصيل عن عمليات بوفورس غير القانونية في الشرق الأوسط. وإذا كان الموساد على علم بهذه الاجتماعات، فقد يكون قد اعتبر بالمه تهديدًا مباشرًا لمصالحه، خاصة إذا كان على وشك كشف تورط دولة الاحتلال الإسرائيلي في صفقات الأسلحة، ولذلك قررت اسرائيل اغتياله كما فعلت مع الرئيس الامريكي/كينيدي الذي عارض ورفض امتلاك اسرائيل للسلاح النووي.

3-النظرية الثالثة، وهي الأكثر إثارة للجدل، تتحدث عن تورط مباشر لعميل موساد في تنفيذ العملية. ووفقًا لبعض المصادر، "في عام 1985، قررت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة اغتيال أولوف بالمه لإيقافه شحنات الأسلحة الإسرائيلية إلى إيران عبر السويد. ويُقال إن الإسرائيليين قدموا/ فيلهلم كرام، المعروف أيضًا باسم/ فريتزل، ككبش فداء"؛ وتشير هذه النظرية إلى أن الموساد، بالتعاون مع أجهزة استخبارات غربية أخرى، خطط للعملية ونفذها عبر وكيل محلي لتضليل التحقيق.

رابعاً: أدلة ظرفية-ماذا تقول الوقائع.

على الرغم من أن فرضية تورط الموساد لم تُثبت قانونيًا ولكنها ثابتة سياسياً وواقعيا بدون اي ادلة جنائية، طبعاً هناك مجموعة من الأدلة الظرفية التي تدفع بعض المحللين إلى أخذها على محمل الجد للأسباب التالية:

1- التوقيت. فقد وقع الاغتيال في لحظة كان بالمه؛ فيها على وشك كشف معلومات حساسة عن صفقات أسلحة سرية تورط فيها لاعبون دوليون، بما في ذلك دولة الاحتلال الإسرائيلي؛ حيث اجتمع (ألوف بالمه) مع السفير العراقي قبل ساعات من مقتله، وهو اجتماع نادر لرئيس وزراء سويدي في ذلك الوقت.

2- أسلوب التنفيذ. فقد أطلق الجاني رصاصة واحدة في ظهر بالمه وهي رصاصة من النوع المتفجر وملوثة بمواد خطيرة قاتلة لن ينجوا منها أبدا اي شخص، ثم هرب في الظلام دون أن يُلقى القبض عليه. هذا الأسلوب يشبه عمليات الاغتيال الاحترافية التي تنفذها أجهزة الاستخبارات وتحديداً جهاز الموساد الإسرائيلي، حيث يكون الهدف تصفية الشخص بأقل قدر من الضجيج وبأقل عدد ممكن من الشهود.

3-غياب الدافع الشخصي الواضح. فبعد أربعين عامًا من التحقيق، لم ينجح المحققون في تحديد دافع مقنع لأي من المشتبه بهم المحليين. كريستر بيترسون، المجرم الصغير الذي أُدين ثم بُرّئ، لم يكن لديه دافع سياسي واضح. وستيغ إنجستروم، الذي اتُهم في 2020 ثم تراجعت النيابة عن اتهامه في 2025، كان مصممًا جرافيكيًا يكره بالمه، لكن الدافع يبدو شخصيًا أكثر منه سياسيًا. في المقابل، الدوافع السياسية للدول التي كانت تعتبر بالمه تهديدًا واضحة ومحددة وهي التي دفعت اسرائيل لاغتياله.

4- التداخل بين أجهزة الاستخبارات. فقد أشارت تقارير عديدة إلى أن عمليات الاغتيال في الثمانينيات كانت تتم غالبًا عبر شبكات متداخلة بين أجهزة استخبارات متعددة، لكن جميع الأدلة تشير إلى ان الموساد الاسرائيلي هو من نفذ عملية اغتيال بالمه بموافقة واشنطن وصمت باقي اجهزة الاستخبارات المتضررة من بقاء (ألوف بالمه) على قيد الحياة . ووفقًا لكتاب "في شبكة العناكب" لباتريك باب وروبرت هاركافي، فإن "أجهزة الاستخبارات مثل CIA وFSB وMossad وBND هي بالنسبة لنا منطقة محظورة، حيث لا يتم التجسس بشكل سري فحسب، بل يتم أيضًا القيام بالعمل القذر الدموي في سرية تامة"؛ وهذا ما يفعله جهاز الموساد الاسرائيلي؛ورغم ذلك يمكن قراءة خطوات ووقائع هذه الجريمة التي تحمل بصمات الموساد؛مع التأكيد ان اسرائيل هي المتضرر الوحيد من إفشاء اسرار بيع الأسلحة إلى ايران ومن تقارب بالمه مع الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات ومن بقائه على قيد الحياة الذي يمكن أن يتسبب بالإطاحة بالحكومة الإسرائيلية بسبب فضيحة الأسلحة وكذلك الإطاحة بالحكومة الأمريكية آنذاك.

خامساً: التحقيقات السويدية تجاهلت الموساد بسبب الضغوط الأمريكية.

قد يكون أحد أكثر الأسئلة إثارة للدهشة هو، لماذا لم تركز التحقيقات السويدية على فرضية تورط الموساد بشكل جدي في هذه الجريمة؛وطبعاً هناك عدة تفسيرات محتملة منها التالي:

1-التفسير الأول هو أن التحقيق الأولي، بقيادة هانز هولمير، ركز بشكل مفرط على فرضية "حزب العمال الكردستاني" (PKK)، مما أدى إلى إهمال مسارات أخرى. وقد تم انتقاد هولمير بشدة بسبب هذا التركيز الضيق والمفرط، مما دفعه إلى الاستقالة في عام 1987.

2-التفسير الثاني هو الضغوط السياسية. فالسويد، كدولة صغيرة، لم تكن لترغب في الدخول في مواجهة دبلوماسية مع إسرائيل أو الولايات المتحدة، خاصة في خضم الحرب الباردة انذاك. وقد يكون التحقيق قد تعرض لضغوط امريكية-اسرائيلية؛ودول اخرى وازنة؛لتجنب المسارات التي قد تؤدي إلى أزمات دبلوماسية وتفضح تورط الموساد في عملية الاغتيال إلى ألوف بالمه.

3-التفسير الثالث هو عدم كفاءة التحقيق نفسه. فقد وُصف التحقيق السويدي بأنه "فوضوي" و"مليء بالأخطاء"، حيث تم إسقاط الأدلة المهمة وتجاهل الشهادات الحاسمة. على سبيل المثال، تجاهل المحققون شهادة شاهدة رأت رجلًا يركض من مكان الجريمة، ووصفته بأنه يرتدي بدلة، وهو وصف يتناقض مع الصورة النمطية للمجرم المحلي الذي كانوا يبحثون عنه؛ثم اتضح أن هذا الشخص يعمل في السفارة الاسرائيلية في السويد وسرعان ما غادرها إلى اسرائيل بعد عملية الاغتيال.

4-التفسير الرابع هو أن فرضية تورط الموساد الاسرائيلي، هي الاحتمالية الثابتة ولكن بسبب الضغوطات الأمريكية على السويد تم تجاهل كافة الدلائل والوثائق الرسمية التي أشارت إلى تورط الموساد؛ كما تم تجاهل شهادة موثوقة لسيدة شاهدت القاتل وهو يهرب من مكان الجريمة وهو يلبس بدلة وتم التعرف عليه فيما بعد انه كان يعمل في السفارة الاسرائيلية بشكل مؤقت وغادر السويد بعد عملية اغتيال بالمه؛كل الأدلة تشير إلى تورط الموساد بشكل قاطع. لكن الضغوط الأميركية ودول اخرى على السويد جعلتها تتراجع عن اتهام الموساد الاسرائيلي؛مما جعل من الصعب على المحققين توجيه اتهامات رسمية إلى اسرائيل؛كانت ستفجر مشكلة دبلوماسية في الدول الأوروبية مع اسرائيل ومع واشنطن.

سادساً: الإغلاق الأخير: 2025 وما بعده.

في الثامن عشر من ديسمبر عام 2025، اتخذ المدعي العام السويدي/ لينارت غونيه؛ قرارًا نهائيًا بعدم إعادة فتح التحقيق في اغتيال أولوف بالمه، لكنه غيّر مبرر الإغلاق. فبدلاً من القول إن المشتبه به توفي، قال إن "الأدلة غير كافية" لتوجيه الاتهام إلى أي شخص. وقد جاء هذا القرار بعد طلب تقدمت به جهات لإعادة فتح التحقيق باستخدام تقنيات الحمض النووي الحديثة لتحليل عينات من معطف بالمه. لكن المدعي العام رأى أن "الظروف المعروفة اليوم لا يمكن أن تؤدي إلى إعادة فتح التحقيق للوصول إلى اتهام وحكم".

هذا الإغلاق النهائي، رغم أنه يبدو وكأنه يطوي القضية، إلا أنه في الواقع يتركها مفتوحة أكثر من أي وقت مضى. فإذا كانت الأدلة غير كافية لتوجيه الاتهام إلى ستيغ إنجستروم أو أي مشتبه به محلي، فإن هذا يعني أن المسارات الأخرى، بما في ذلك فرضية الموساد، تظل مطروحة على الطاولة. بل إن إغلاق التحقيق بهذه الطريقة قد يُفسر على أنه اعتراف ضمني بأن القضية أكبر من قدرة النظام القضائي السويدي على حلها بمفرده بسبب الضغوط الأمريكية بجانب ضغوط دول اخرى على السويد جعلتها تقرر إغلاق ملف الاغتيال عام 2025.

-اقتراحات:

1. إنشاء لجنة تحقيق دولية مستقلة: بالنظر إلى الطابع الدولي لقضية اغتيال أولوف بالمه، وتشابكها مع أجهزة استخبارات أجنبية، ينبغي إنشاء لجنة تحقيق دولية مستقلة تضم خبراء من دول محايدة، وتُمنح صلاحية الوصول إلى الأرشيفات السرية في الدول المعنية. هذه اللجنة يمكن أن تعمل تحت إشراف الأمم المتحدة، وتُقدم تقريرًا نهائيًا يُنشر علنًا.

2. رفع السرية عن الوثائق المتعلقة بالموساد: على الرغم من أن أرشيفات أجهزة الاستخبارات عادة ما تكون سرية، إلا أن مرور أربعين عامًا على الجريمة يبرر رفع السرية عن الوثائق المتعلقة بالقضية. يمكن لدول مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وإسرائيل أن تبدأ برفع السرية عن الوثائق التي قد تساعد في كشف الحقيقة، خاصة تلك التي تتعلق بصفقات الأسلحة في الثمانينيات مع ايران.

3. الاستفادة من التقنيات الحديثة في تحليل الأدلة: يمكن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة لإعادة فحص الأدلة القديمة، مثل كاميرات المراقبة وتسجيلات المكالمات والسجلات المالية. هذه التقنيات قد تكشف عن أنماط أو اتصالات لم تكن مرئية للمحققين الأصليين.

4. تعزيز التعاون بين السلطات السويدية والجنوب أفريقية: بالنظر إلى أن إحدى النظريات القوية تربط الاغتيال بنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، ينبغي تعزيز التعاون بين السويد وجنوب أفريقيا للوصول إلى الأرشيفات التي قد تكشف عن تورط جهاز الاستخبارات الجنوب أفريقي السابق في عهد النظام العنصري، وبالتالي عن شركائه المحتملين رغم استبعاد تورط جنوب أفريقيا.

5. إعادة فتح ملف صفقة بوفورس: يجب إعادة فتح التحقيق في صفقة الأسلحة بين شركة بوفورس السويدية والهند، والتحقيق في تورط دول أخرى فيها، بما في ذلك إسرائيل. هذه الصفقة قد تكون المفتاح لفهم الدافع الحقيقي وراء الاغتيال، خاصة إذا ثبت أن بالمه كان على وشك كشف تفاصيلها؛مما دفع اسرائيل لاغتياله بموافقة الحكومة الأمريكية آنذاك .

6. تكريم ذكرى أولوف بالمه دوليًا: يمكن للأمم المتحدة أن تخصص يومًا عالميًا لتكريم ذكرى أولوف بالمه، تكريمًا لجهوده في مجال السلام وحقوق الإنسان. هذا التكريم سيبقي قضيته حية في الذاكرة الجماعية، ويزيد الضغط على الحكومات للكشف عن الحقيقة.

7. دعم عائلة بالمه في مطالبتها بالحقيقة: يجب على المجتمع الدولي دعم عائلة أولوف بالمه في مطالبتها المستمرة بالحقيقة. زوجته ليزبيت، التي نجت من الجريمة، عاشت حتى عام 2017 دون أن تعرف من قتل زوجها. هذا الظلم لا يمكن أن يستمر، ويجب أن تكون هناك آليات قانونية تسمح للعائلات بالمطالبة بالكشف عن الحقيقة حتى بعد إغلاق التحقيقات رسميًا.

ختاماً، يظل اغتيال أولوف بالمه لغزًا لم يُحل، وفرضية تورط الموساد تظل واحدة من أكثر الفرضيات إثارة للجدل في تاريخ الجرائم السياسية. صحيح أن الأدلة المادية المباشرة على تورط الموساد لا تزال غائبة، لكن الظروف المحيطة بالجريمة، وتشابك المصالح الدولية، وتوقيت الاغتيال، وغموض التحقيقات، كلها عوامل تجعل من الصعب استبعاد هذه الفرضية بشكل قاطع وتورط اسرائيل في عملية اغتيال بالمه؛ كما اغتالت الرئيس الامريكي/جون كينيدي عام 1963.

ربما لن نعرف الحقيقة أبدًا، وربما نعرفها في يوم من الأيام. لكن ما نعرفه يقينًا هو أن أولوف بالمه، الذي عاش من أجل العدالة والسلام، قُتل في ليلة باردة من فبراير1996، تاركًا خلفه سؤالًا لم تجب عليه لا السويد ولا العالم. وقد يكون الدرس الأهم الذي تقدمه لنا هذه القضية هو أن العدالة، عندما تتعطل، لا تموت، بل تتحول إلى وصمة في جبين المجتمع الدولي، تنتظر من يزيلها ويكشف الحقيقة وتورط الموساد الإسرائيلي في هذه الجريمة البشعة؛ولكن كما تم إخفاء تورط الموساد في اغتيال الرئيس الأمريكي/جون كينيدي عام 1963؛ سوف يتم إخفاء تورط الموساد الإسرائيلي في اغتيال رئيس الوزراء السويدي/ألوف بالمه عام 1996.

-المراجع:

1. Daraj, "دماء على الثلج: من قتل أولف بالمه؟", 21 June 2020.
2. News24, "Did SA murder Olof Palme?", 25 February 2001.
3. NZZ, "Geheime Akten und widersprüchliche Theorien: Wer tötete Olof Palme?", 9 August 2026.
4. Polismyndigheten, "Palmeutredningen", 9 February 2026.
5. Åklagarmyndigheten, "Beslut i överprövningsärende i Palmeutredningen", 18 December 2025.
6. Reflex, "Vrah švédského premiéra nebyl nikdy dopaden", 28 February 2021.
7. Clarín, "Quién fue Olof Palme: el hombre que quiso ser Don Quijote", 10 June 2020.
8. La Razón, "El asesinato del primer ministro de Suecia, Olof Palme", 4 September 2020.
9. Perfil, "El asesinato de Olof Palme es la pesquisa más cara y larga de Suecia", 28 February 2024.
10. Fokus, "Med komplotten som tröst", 27 February 2011.
11. Patrik Baab & Robert E. Harkavy, "Im Spinnennetz der Geheimdienste", Westend Verlag, 2019.
12. Karar, "Filistin dostu İsveçliler", 18 July 2018.
13. Youm7, "ذكرى اغتيال أولوف بالمه.. هل قتلت جنوب أفريقيا صديق صدام حسين", 28 February 2025.
14. Sahat Altahreer, "لقد مات أولف بالمة بسببي", 28 February 2020.
15. Aangirfan, "Classic Mossad Blackmail", 6 August 2010.



#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجيوبنيوية في مشروع بونتيس والسيادة الأوروبية والاستقلال ال ...
- بونتيس والسيادة الأوروبية-التحرر الرقمي من العقوبات الأمريكي ...
- اللعبة ذات المستويين في السياسة الدولية من التفاوض الداخلي إ ...
- الجيوبنيوية وتأثير مفهوم ناش على ضعف الدول في معالجة الأزمات
- أطروحة دكتوراه تتكون من 26 صفحة تنال جائزة نوبل
- الخط الأصفر في غزة وهشاشة التحصينات الثابتة وفشل خط بارليف و ...
- هل يمكن لأطروحة دكتوراه ان تكتب بدون مراجع في تحدّي للتقاليد ...
- صدمة فيلم نازا- أعتراف جنود الاحتلال الاسرائيلي-تعمدنا قتل ا ...
- صناعة القادة المخادعين عبر براند سياسي
- الذكاء الاصطناعي في الأبحاث وأطروحات الدكتوراه بين الرفض وال ...
- الجيوبنيوية القوة والمركز والمنطق البنيوي – مقاربة نظرية في ...
- بلطجة أمريكية جديدة تفرض عقوبات على رئيسة المحكمة الجنائية ا ...
- اتفاق مكة الثلاثي يحتاج للطرف الرابع إيران كفاعل أساسي لاستق ...
- الدول غير الأعضاء في الأمم المتحدة- الأسباب، الآثار، والتأثي ...
- المعايير المزدوجة للإعلام الغربي- لماذا تغطى أحداث سبتة وتُه ...
- نتنياهو وفلسفة تعطيل السلام عبر عقود من الجمود السياسي وموت ...
- الهند تحولت إلى شريك اسرائيل في الإبادة الجماعية بقطاع غزة
- كيف نتجاوز خطاب الكراهية ونحقق السلام الحقيقي في فلسطين المح ...
- قراءة قانونية في مذكرة اعتقال نتنياهو ومآلات العدالة الدولية ...
- حاجز ترابي اسرائيلي عملاق في غزة -جيش الاحتلال يعيد رسم الحد ...


المزيد.....




- الصراع في إثيوبيا: اتهامات تنفيها مصر والسودان بدعم خصوم أبي ...
- انفجار خط غاز في دير الزور يوقف الإمدادات لمحطات الكهرباء ال ...
- غالانت يكشف السر وراء تفجيرات البيجر.. لماذا سارعت إسرائيل إ ...
- قاليباف لترامب: استدر لنستدر!
- نيران الحرب تشتعل في إثيوبيا.. وخبير يتحدث عن -انقلاب قواعد ...
- الجيش الإسرائيلي ينشر فيديو لعملية اغتيال قائد لواء شمال قطا ...
- كازينو سري بـ4 ملايين دولار.. شرطة أوزبكستان توقف 11 مشتبها ...
- خلال اتصال من البرهان.. محمد بن سلمان يجدد دعم السعودية لاست ...
- ماسك يقدم نصيحة غريبة لمحاربة حرقة المعدة وتحسين الهضم.. هل ...
- روسيا.. اختبار أحدث ليزر قتالي ذاتي الحركة لمكافحة الطائرات ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - الموساد في مرمى الاتهام- اغتيال أولوف بالمه وإغلاق التحقيقات عام2025