|
|
في الكذب السياسي
نورالدين حنيف
الحوار المتمدن-العدد: 8843 - 2026 / 9 / 29 - 14:03
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
قديماً، تحدّث أفلاطون عن الكذب النبيل، و فولتير عن قيمة الكذب، ومكيافيلى رسم للتاريخ صورة الأمير الذي يكرس ثقافة الحيلة والخديعة و القوة لينتصر في المجال السياسي، و آخرون عديدون اعتقدوا و نظّروا لهذا الاعتقاد أن السياسة مجال كذب لا مجال أخلاق، و أن الفعل السياسي لا ينبغي أن يكون مجال عقل يضبط حركية الكائنات السياسية و يقودها إلى الخير و الحق و الجمال، بقدر ما هو مجال لتكريس قيم أخرى ترتبط أساسا بالمصلحة العامّة و بالنفعية . عندما يتلبس السلوك أو الكلام لبوس الإيهام والخديعة و التضليل عن الحقيقة فهو الكذب لا مراء. و في هذا السياق لا يُشترطُ أن يكون الكذب صريحاً موصوفا بالاسم ذاته حتى نسِمه بذلك مادام صاحبه يقبض على قضية الآخر داخل نية المخاتلة والنصب و التزوي: و نحن هنا لا ندين النية في ذاتها و في إقامتها داخل الذهن، ولكننا ندين النية في تفعيلها و ترجمتها إلى سلوك لا يقف عند حدود الافتراض، بل يتجاوزه إلى المسّ بالآخر في حقوقه. و في هذا المنحى، يتجاوز التفكيرُ كلَّ الخطوط الحمراء التي توجب إدانة الكاذب، و قبل ذلك تجريم فعله مؤسسياً قبل أن يتم تجريمه أخلاقيا . أما الكذب السياسي فهو أشد أنواع الكذب تجاوزا لهذه الخطوط الحمراء، لأنه يفِد إلينا من رحم السلطة التي من المفروض أن تكون بنية فوقية و تحتية منسجمة في ذاتها عبر تجلياتها الفعلية في واقع الناس، لأنها ترجمةٌ قانونية وتنفيذية لحقوقهم و واجباتهم. لكنها عندما تنجب مثل هذا الابن العاق الموسوم بالكذب السياسي، فإنها تفسح المجال أبواباً مُشرعة على احتمال الفساد وانتشاره وبالتالي على طغيانه حتى يتحول إلى أمر واقع ينتقل فيه الكذب من حالة التخفي إلى حالة الظهور المدعوم بشرعية الحضور. و قد يبدو الأمر في أول تجلياته بسيطا على اعتبار أنه كذب أبيض لا يتجاوز في ضرره المساحة الذاتية، لكنه في عمق التحليل تغريضٌ يفتح المجالَ واسعاً لتكريس ثقافة التضليل في قمة ضررها لأنها تتسرب عبر شقوق تبريرية تمتطي صهوات المصلحة العامة، و بالتالي تصنع لذاتها مصداقية الحضور ثم مصداقية التعاطي و في آخر المطاف تتلبس لبوس البديل العصري الذي يرتفع بالكذب إلى الحظوة. هكذا يتحول المسار من فعل الإدانة لهذا السلوك إلى فعل الإشادة... والنتيجة الحتمية أنْ تتوارى خلف الضباب صيحات التجريم، و تعلو على السطح و تطفو قشرات سميكة من الوجود العضوي للكذب السياسي داخل رحم السلطة و المجتمع. تعترف هذه المرحلة الناجحة في تحجيم الكذب السياسي و عملقته بفضل البنيات الفوقية المنافحة عن حضور هذا النوع من الكذب، عبر آليات الدفع به إلى قمّة انتشاره بشرعية متماسكة. و نقصد بذلك، خروج الثقافة العالمة إلى الذود عنه و الكتابة و التشهير و الإعلام فكراً و إبداعاً عبر المشّائين الذين تختلف أشكال صيحاتهم و أضربها، لكنها تتفق في غرابة مُغرِضة حول مبدأ واحد - إن جازت تسميته بالمبدأ - هو التسويغ المأجور، سواء تعلق الأجر بالحاجة المادية، أو تعلق بإشباع فكرة نزوعية تميل إلى ضرب فكرة أخرى مناقضة لها مصداقية التاريخ. و خير مثال لذلك ضرب فكرة الأخلاق لتمييع الحياة السياسية العامة كي تتقلص أدوار الدين و القيم في تشكيل المشهد، و لترك الحبل على الغارب كيْ تصول باقي التقليعات المُدّعية و تجول ما شاء لها الصول، و ما شاء لها الجولان . تتبلور العلاقة بين الكذب السياسي و بين الثقافة العالمة بشكل كبير و سريع، عبر السيولة في التأليف لإذاعة مثل هذا الفكر المتلبّس و إشاعته... و تجتهد هذه الثقافة في صناعة الجهاز المفاهيمي الخاص بهذا المولود الواهم بالشرعية، في نظرها القاصر، بل إنها قد تربو على ذلك إلى بناء نظرية في التطبيل للكذب السياسي تطبيلا تبريريا لا تلمس العامّة من الناس فراغ تطبيله، و تلمس بدل ذلك، تعاليه و بهرجته و تعجيزه لفكرهم البسيط الموسوم بالثقة العمياء في المثقف، في تخريجاته الموصوفة في تمثلاتهم الشعبية بالقوة و التأثير. أما في حالٍ آخر يرتبط بقدرة هذه النظرية على مجادلة النقيض في الثقافة فحدّث و لا حرج، إذ تنبري إلى الخروج أشكال زئبقية من السفسطة المبنية على قوة الاستدلال و البرهنة حتى ليصاب المخاطب الذي لا يُعمل فكره عميقا، بالحيرة و الشك في المعطيات التي بين يديه، و عوض أن يتشبث بطرحه القائم يستسلم لحالة من التسليم الانهزامي بالأمر الواقع، و في أشدّ الحالات الموضوعية يخرج من الجدال، إرجاءً للفكرة حتى يستوي عنده الدليل و البرهان. خاصة وأنّ هذا المخاطب يرى في مجادلة هذه الثقافة المدافعة عن الكذب السياسي ثقافة قادرة على التحول من شكل الاِدّعاء إلى أشكال غريبة من القناعة، بمعنى أننا حين نجادل نقيضاً نعلمُ، و يعلم هو أيضا أنه على باطل، تسهل المحاورة ويسهل معها الإفحام... لكننا عندما نكتشف أن المسألة تتعلق عند المُحاور بقناعة جذرية، تصبح المسألة شديدة المفارقة، خاصة و أن الباطل عنده يتحول إلى حق، و النشاز إلى شرعية، و العبور إلى قرار يستحيل أن تقنع صاحب هذه الترسانة الفَقيهة بالنقيض، و بالعدول عمّا اكتسبه في سيرورته الفكرية البعيدة في مديات أهدافها و غاياتها و أجنداتها العملية الداخلة لا في سلوك عابر ومُغْرِض، و إنما في مشروع فكري كوني يمسخ مفاهيم الأخلاق و الشرعية والعدالة و الديمقراطية و يستبدلها بأشكال أخرى من الأخلاق العملية والشرعية الواقعية و العدالة الوضعية والديمقراطية المرنة و هلمّ جرا من أضرب التقليعات الرّنانة و المُقنعة في تمويهٍ غير بائن . أعتبر الكائن السياسي أمهر الكائنات في توظيف حقول الخطابة والجدل والبلاغة و استعمال أدواتها و آلياتها لدعم أطروحاته في التمويه و الخديعة للتأثير في الجماهير و قلب مفاهيمها حول كثير من البديهيات المرسومة في أذهانها باعتبارِها معطيات غير قابلة للتعديل. و منها معطى الواقع الذي يحوّله السياسي الكاذب في ذهنية المتلقي من حقيقة معيشة إلى استعارة مرنة قابلة للتأويل. بل وقابلة لكثير من التأويل المفتوح على مصاريع غير مشروطة . و تبلغ مهارات السياسي الكاذب في أبرز تجلياتها وهي تحول الواقع من موضوع محايد في نظر العامّة إلى موضوع مسؤول عن وضعيات هذه العامّة المزرية، و بالتالي تنشأ الإدانة و تتنامى، و تعلو و تتدحرج سريعةَ الحركة وهي تكبر في سيرورتها المُغرِضة مثل كرة الثلج لتصبح إدانةً مشروعة. في هذه المرحلة بالذات تتطور، بموازاةٍ غريبة، نفسياتُ العامّة و يكبر فيها صوت الإدانة و يعلو على كل الأصوات، و تنشأ لديها حالاتٌ شديدة بالرغبة في محاسبة هذا الواقع. في هذه المرحلة يكون التأزيم موضوعياً لكنه يتحول بفعل تدخل السياسي الكاذب إلى تأزيمٍ ذاتيٍّ لا ينفع في اقتلاعه الحل المستقيم اللائذ بالقيم الإنسانية النبيلة التي يضعها هذا السياسي الكاذب موضع اتهامٍ و يزجّ بها في أقفاص الإدانة، على اعتبار أنها عمّرتْ كثيرا في التاريخ و لم تجلب للناس سعادة حقّة، و لم تقضِ على أشكال التقهقر في واقعهم، و لم تجلب لهم إلا تأخيراً لمشاريعهم الحياتية و تعطيلا . هكذا، يعلو صوت العاطفة و الاندفاع على صوت العقل و التحليل، لأن السياسي الكاذب يتدخل في وقت الذروة عندما يصاب العامّة باليأس، و لا يرون في الأفق إلا من يلوّح لهم بالانفراج داخل خطابات مُلمّعة تُحدِّث فيهم رغباتهم في تجاوز وضعيات القهر، حتّى و لو تعلّق الأمر بقشّة في خضم اليمّ. أما عن الصيحات الجادّة و العامرة بالحق فقد برّزها السياسي الكاذب على أنها مجرّد أوهام تاريخية و أساطير دينية أكل عليها الدهر وشرب، و بالتالي، يذهب السياسي مذهب النقر على صوت الحداثة العالمية لأنها في منظوره المُغرض أشد الخطابات إقناعاً بحكم التصاقها بتجارب دولية ناجحة على أرضية الواقع، و لا يحول بيننا و بينها إلا فارق بسيط هو السعي إلى استجلابها و استنباتها في بيئاتنا العطشى للديمقراطية و للعدالة الاجتماعية . إن عملية التطويق للعقل ( الثالث ) انسجاما مع التصنيف الأيديولوجي للعالم إلى عالم متقدم و عالم ثالث، هي عملية ماكرة بذكاء نوعي. تُظهرُ الحقيقةَ في جزئها الخادم لأجندات هذا السياسي المسلّح إما بثقافة مهارية نوعية عالمة، أو بديماغوجية بديلة للثقافة العالمة تضرب على أوتار الشعبوية و تنقر على الوجدان الفردي و الجمعي لإنسان هذا العالم الثالث. يمارس هذا التطويق قبضاً بيدٍ من حرير على أعناق المخاطبين بهذا الخطاب القائم على فعل التزيين المقنّع و البهرجة المُلَمَّعة و التسويف الجميل و الوعد المعسول و اللغة المنسابة... في إطار شبكة من أنماط المكر السياسي القادر على ردم المسافات بين الكائن و الممكن. و القادر على بناء صرحٍ مارد من الحقيقة الذاتية بديلا عن الحقيقة الموضوعية. و هي حقيقة متعددة و غزيرة لأنها مرتبطة بتأويل العامّة لهذه الحقيقة، كل من زاوية حاجته و حجم هذه الحاجة. و هي في آخر المطاف حقيقة معسولة و واعدة، بغضّ النظر عن هشاشتها و انتهاء صلاحيتها بانتهاء مسلسل الانتخابات أو عمر الولايات الماسكة بزمام السلطة. و الغريب في الأمر أن ذاكرة المواطن في العالم الثالث ذاكرة قصيرة، غالبا ما تنسى حجم الكذب الذي مورس عليها في تاريخ سابق، و لا تراه في تجربة جديدة من الكذب السياسي... أو أن هذا المواطن لا يستفيد من التاريخ، و يحب، في مازوشية غريبة، أنْ يُكْذَبَ عليه، أو أنه، يُشبهُ كما وردَ في لسان الثقافة الشعبية المغربية ذلكم ( القط الذي يحبّ خنّاقَهُ ) . و لأن المواطن كائن ينسى بسرعة فإنه لا يعاقب ساسته الذين يكذبون عليه. أولاً، لأنه كائن مسالم و بسيط و أحيانا يتحول من بسيط إلى غرّ... و ثانياً، لأنه مواطن غالباً ما يزورُّ عن الانخراط في ثقافة المؤسسة، و بالتالي لا يرغب في المظلات المدنية و الحكومية القاضية بحماية حقه في تجريم الكذابين و بدرجة قصوى، السياسيين منهم ... و لأن السياسي يعلم أن المواطن معجون بهذه الصيغة و في هذه الصيغة فإنه يتمادى في كذبه، عالماً أن هناك تسيّبا كبيرا في تغييب المؤسسة القاضية بتجريم كذبه و إدانته و معاقبته ... هكذا تنبني اللعبة، بتلقائية غريبة، أولُها تخطيط و صيرورتها الباقية انسياب... و هي لعبةٌ تنسج خيوطها في طمأنينة اجتماعية هادئة، و في تؤدة غير قانونية أكثر غرابة. تدعمها ثقافة المسالمة و ليس السلم. لأن هذا الأخير يطرح ذاته في عمق إبستيمولوجي قوي يراكم حول الموضوع قشرات سميكة من مرجعيات الحق و معرفة الذود عن هذا الحق. أما المسالَمة فهي سلوك انهزامي تبنيه ثقافة نُكوصية تؤمنُ و تقول بشعار ( دعه يمشي ) أو بعبارة شعبية مغربية صميمة ( سَلّكْ ؤُ عَدِّي ) . إن السياسي الكاذب يعرف كيف يقرأ هذه المعطيات الاجتماعية الموسومة بالتلقائية و بالشعبوية و بالمسالمة و بغياب المؤسسة الحاضنة. و من ثمّة يجد نفسه كائنا محظوظا بالقدرة على العوم في هذا الماء الهادئ كيفما شاء له العوم، تدعمه في ذلك مجاديف السلطة التي تطلق له الحبل على الغارب يمخر في عباب السياسة الكاذبة ما شاء له المخر. و هي السلطة التي أطلقت اليد السياسية تصنع المفاهيم و المصطلحات، و ترسل الأمثال والمسكوكات الشعبية تسري في البيئات الاجتماعية كما تسْرِي النار في الهشيم، تكرس الحالةَ ذاتها وتدعمها دعما يسير بها في اتجاه التغول و الترسيخ، في اتّجاهِ الشّرْعَنَة. كما أنّ تغوّل ثقافة الكذب السياسي و ترسيخها في أوصال المجتمعات أمر خطير لا ينبغي تجاوزه في التحليل. لأن المسألة تندمغ في معادلة غير قابلة للحلّ، ذاك أن هذا التغوّل يأخذ مسار الزمن و يتجذر عميقا في الوجدان و في السلوك ثم في القناعات. و الخطورة لا تتأتى من تغوّله و إنما من اكتسابه لأجنحة المصداقية و الشرعية، و بدل أن يتخفى الكذب السياسي و يتوارى خجولا قبيح المنظر، ينبري إلى الظهور في تبجح مقيت و في صلفٍ أمقت. والنتيجة أننا عوض أن نهدر طاقةً معقولة و نسبية في مكافحة الكذب في وضعه الموضوعي حيث كل المؤسسات تدينه و تشجبه و تضعه في قفص التهمة، نتحول بفعل فاعل إلى مكافحة الكذب في وضعيته الجديدة التي أصبح يمتلك فيها شرعية الحضور. و شتّان بين القضاء على ظاهرة مرفوضة أصلا و لا شرعية لها، و بين القضاء على ظاهرة تدعمها المؤسسة و تصون لها شرعيتها . هو الهدر التاريخي إذن، يأخذ منا كثيرا من الطاقة، و يحولنا إلى خطاب سياسي مأزوم و معتلّ و مرضي. لكن الأغرب فيه أنه حالةٌ عامّة تكتسح جميع المجتمعات الإنسانية و تتوغل في عمقها الوجودي وفي وجودها الأعمق. وتتحول من حالات مرَضية قابلة للعلاج إلى حالات قائمة تفرض سياقها الغاشم على هذه المجتمعات، حاملة في يدها اليمنى شعار المصلحة العامّة و في اليسرى شعار الحداثة الفارضة أنساق حيوات جديدة و جديرة بالعيش داخل منظورات تسويغية تقول بقبول كل شيء مادام يصب في فلسفة النفع العام . من هنا، فداحة هذا المحكي في حياتنا العامة، و الذي نسايره في تجذره الهادم دون التفكير الواعي بضرورة مكافحة ظواهره و ردّه و ردعه و تصويب الشأن السياسي شأنا قيمياً ينتصر للأخلاق و لتداعيات الأخلاق بدل الازورار عنها في مسلسل تاريخي حداثي كاذب . لهذا تكبر في السياسي المقولات الكاذبة و تتجذر، و من ثمّة تُسوّغ له القول، ويتمكن من القول، و يقول في قناعة من أمره أنه لا مناص من الكذب. و يقولها و هو المشبع بالقيم و المنتصر لها دوما و الذائد عنها حتماً. و هنا بالذات ندرك حجم المفارقة لدى السياسي و هو يصنع التناقض الغريب في شأنه و في شأن العامّة من الناس باعتبارهم موضوع هذا الكذب. إذ لا وجود لهذا السياسي في غياب مادة الكذب، أي جمهور المكذوبِ عليهم... من ثمّة، فالسؤال الينبغي طرحه هنا هو: ما أشكال المفارقة في موضوع الكذب السياسي؟ هناك شقّان في هذا المنحى المفارق: الأول يتعلق بغرابة هذا الكائن السياسي الذي يكذب على الناس في شأنٍ عمومي يتصل بحياتهم الراهنة و الاستقبالية. وهو كائن غريب و مرَضي لأنه هو أول من يدرك أنه كاذب، و بالتالي فهو يضرب عرض الحائط هذا الداخل الذي يمثل حالة الإشراق فيه، و هي الحالة النادرة التي لا يستثمرها السياسي و لا يقلّب لها وجها و لا يقبل منها توجيهاً... و بعبارة أوضح، هو لا يرغب في استثمارها لأنها تتحول بفعل تاريخ تغييبها إلى نداء مخنوق ينبغي الاحتراز منه. هذه الحالة من الإشراق موجودة عند كل كائن حي و يختلف حضورها قوة و ضعفا من كائن إلى آخر بحسب حجم تغذيتها و تطعيمها أو بتجويعها و إفقارها. إن هذه الحالة الإشراقية عند السياسي الكاذب هي أفقر الحالات الموجودة في الكائنات الحية المتكلمة في خطابات المسؤولية. هذه الإشراقة المغبونة و المتعرضة للقصف من ذات السياسي نفسه هي إشارة قوية إلى سيمياء المازوشية و السادية في نفس الآن، بما يُفدِح الأمر و يجعله مقروءاً في عمقه الباني و الهادم، حسب موقع المعني بالأمر و زاوية نظره، وأقصد المواطن في كل تجلياته الثقافية المسؤولة. فالبناء وارد في حالة الثقافة الواعية، و الهدم أيضا وارد في حالة اللاثقافة . و الثاني، يتعلق بالطرف المخاطب الذي يوجه إليه السياسي الكاذب خطابه، في ثنائية غير مفهومة البتّة. و هي ثنائية أشرحها كالتالي : في الطرف الأول من الثنائية يقبع المواطن حاملا صوتاً ثميناً و مستكينا إلى قدرِ سياسي يخص حياته الخاصة و العامة، لا يصنعه هو و لكن ينتدب إلى فعل ذلك شخصا آخر يظن في سذاجة سياسية أنه سيمثله خير تمثيل. في هذا المنعطف تنسج اللعبة السياسية خيوطها العنكبوتية الآسرة للضحايا العالقة والتي تتحول إلى كائنات مخدَّرة، وغير قادرة على الفكاك. إلا أن الفرق بين العناكب و السياسيين أن الأولى تتغذى بالضحايا العالقة ميّتةً، في حين أن السياسيين الكاذبين يتغذون بالضحايا أحياء يرزقون . و في الطرف الثاني من الثنائية يقبع السياسي الكاذب مشهراً في وجه المشهد السياسي برنامجا حزبيا يتقطر إدهاشا و كأن من صاغه خبير بالأحلام العسلية و الطموحات الأغزر عسلا. و في هذه المحطة بالذات ينبثق الوهم سيداً للموقف، بحيث يتحول السياسي إلى كائن يصدّق البرنامج الذي كان قبل اليوم أكذوبةً صنعها في لحظة انفصام مشهودة... و يتحول هذا الصدق إلى حقيقة عندما يكتشف السياسي أن المواطن المخاطب بهذا الشأن صدّق البرنامج وهضم طُعمه. و في هذا التصديق المتبادل يتعملق الكذب و يتبجح و يتحول إلى طالب حق و شرعية و مصداقية و حضور. تمثل هذه الحالة وضعا سيكوباتيا غريباً، يمكن تلخيصه في العبارة التالية: السياسي يصنع الكذبة ويصدّقها . إذن، ما هي الآليات الكفيلة بدعم هذا التصديق الواهم و المتحول في سياق سحري إلى ما يشبه الحقيقة؟ إن أحسن الإجابات في هذا المقام تأتينا من قراءة ذلك التراكم الحاصل في التجارب التاريخية قديما و حديثا، و التي أولتْ للكذب السياسي حظوة مشهودة و مقصودة وفق منظور ينتصر للسلب بدل الإيجاب. و هو أمر مفهوم في سياق ديني يقول بطبيعة الكائن البشري المائل إلى الشر بدل الخير، و إلى القبح بدل الجمال، و إلى الباطل بدل الحق ( إنّا هَديْناهُ السّبيلَ إمّا شاكِراً و إمّا كفورا ) سورة الإنسان ، الآية 3... و هو السياق الذي يعلن فيه الإنسان أيضا عن طبيعة الخصومة المجبول عليها (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِن نّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مبِين ) سورة يس، الآية 77، في سياق آخر أكثر دلالة على جبلّة الطمع ( إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ ) سورة ص ، الآية 23 و يتبدّى لنا في غير تفسير، و إنما في استلهامٍ لقراءة الآية الأخيرة، نسقُ الطمع الدافع الأساسي لبناء الوعود المعسولة القائمة على بلاغة الخطاب، تمهيدا لحصادٍ غير مشروع و غير شرعي .
#نورالدين_حنيف (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
كِتابةُ التشيّؤ
-
شاعِرٌ قُدّتْ أنامِلُهُ منْ بَهْجَة
-
كِتابةُ الْعَراء
-
بين المحْوِ والنّسْيان
-
بين الحق و الجمال
-
الجسد العلماني
-
مقدمة في قصيدة النثر
-
شاعريةُ الجسد
-
سيكولوجية الذاكرة الانتخابية
-
الوهمُ عندما يكونُ صديقًا
-
كِتابةُ الْموت
-
كتابة الموت
-
السياسة لا تقبل الفراغ
-
الشيطانُ كائنٌ وسيم - قصّة
المزيد.....
-
الصراع في إثيوبيا: اتهامات تنفيها مصر والسودان بدعم خصوم أبي
...
-
انفجار خط غاز في دير الزور يوقف الإمدادات لمحطات الكهرباء ال
...
-
غالانت يكشف السر وراء تفجيرات البيجر.. لماذا سارعت إسرائيل إ
...
-
قاليباف لترامب: استدر لنستدر!
-
نيران الحرب تشتعل في إثيوبيا.. وخبير يتحدث عن -انقلاب قواعد
...
-
الجيش الإسرائيلي ينشر فيديو لعملية اغتيال قائد لواء شمال قطا
...
-
كازينو سري بـ4 ملايين دولار.. شرطة أوزبكستان توقف 11 مشتبها
...
-
خلال اتصال من البرهان.. محمد بن سلمان يجدد دعم السعودية لاست
...
-
ماسك يقدم نصيحة غريبة لمحاربة حرقة المعدة وتحسين الهضم.. هل
...
-
روسيا.. اختبار أحدث ليزر قتالي ذاتي الحركة لمكافحة الطائرات
...
المزيد.....
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
المزيد.....
|