أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - الثورة الدائمة في قرن لا يشبه قرنا سابقا .















المزيد.....


الثورة الدائمة في قرن لا يشبه قرنا سابقا .


رياض الشرايطي

الحوار المتمدن-العدد: 8843 - 2026 / 9 / 29 - 07:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يعد القرن الحادي والعشرون مجرد فصل جديد في كتاب التاريخ. لقد دخل العالم منطقة تاريخية مختلفة، لا لأن الصراع الطبقي اختفى، ولا لأن الرأسمالية تجاوزت تناقضاتها، وإنما لأن الرأسمالية نفسها أعادت تشكيل المجال الذي تجري فيه هذه التناقضات. نحن أمام عالم تتجاور فيه أزمات اقتصادية عميقة مع حروب مفتوحة، وتكنولوجيا مذهلة مع بؤس اجتماعي، ودول شديدة القوة مع فقدان متزايد للسيطرة على مسارات الاقتصاد العالمي، ومجتمعات قادرة على إنتاج الثروة بصورة هائلة وعاجزة في الوقت نفسه عن تحويل هذه الثروة إلى حياة إنسانية أكثر عدلا. في مثل هذا العالم لا تبدو الثورة فكرة قديمة بقدر ما تبدو مسألة لم يجد التاريخ جوابا نهائيا عنها.
وهنا تحديدا يستعيد ليون تروتسكي حضوره، لا بوصفه أيقونة من القرن الماضي، ولا بوصفه اسما يوضع إلى جانب ماركس ولينين في قائمة المراجع، وإنما لأن بعض أسئلته الكبرى لم تكن مرتبطة بزمنها وحده. كان تروتسكي يحاول فهم الثورة باعتبارها حركة داخل تاريخ عالمي، لا باعتبارها حادثة وطنية منفصلة. وكان يرى أن البلدان لا تدخل الحداثة بالطريقة نفسها، وأن التاريخ يستطيع أن يقفز، وأن عناصر من عصور مختلفة يمكن أن تتعايش داخل المجتمع الواحد، وأن الثورة حين تبدأ لا تلتزم بالحدود التي ترسمها الكتب المدرسية للمراحل التاريخية. هذه الفكرة، التي صاغها في إطار مفهوم التطور المتفاوت والمركب، تكتسب في القرن الحادي والعشرين قوة تفسيرية جديدة. العالم لم يصبح أكثر تجانسا مع العولمة؛ أصبح أكثر ترابطا وأكثر تفاوتا في آن. يمكن في مدينة واحدة أن نجد أحدث التقنيات المالية إلى جانب أحياء محرومة من الخدمات الأساسية، وأن نجد جامعة مرتبطة بشبكات البحث العالمية بجوار مناطق يعيش فيها الناس خارج الاقتصاد الرسمي، وأن نجد دولة تستخدم أحدث أدوات المراقبة بينما تعجز عن توفير أبسط شروط العدالة الاجتماعية. ليست هذه مجرد مفارقات عابرة. إنها طريقة اشتغال النظام العالمي نفسه.
ولهذا لا يمكن التفكير في الثورة انطلاقا من نموذج واحد جاهز. فالثورة لا تدخل المجتمعات من باب نظري معد سلفا، وإنما تنبثق من التناقضات الملموسة التي تتراكم داخل كل مجتمع، لكنها لا تستطيع أن تفهم نفسها بالكامل إلا داخل النظام العالمي الذي يحيط بها. وهنا تكمن إحدى أهم أفكار تروتسكي: لا توجد ثورة وطنية مكتفية بذاتها في عالم رأسمالي مترابط. قد تبدأ الثورة في بلد واحد، لكنها لا تعيش داخل بلد واحد. قد تنفجر بسبب شروط محلية، لكن مصيرها يتأثر بالاقتصاد العالمي، وبموازين القوى الدولية، وبحركة رأس المال، وبالدول المجاورة، وبالحروب، وبالتحالفات، وبمواقف الطبقات الحاكمة في البلدان الأخرى. الثورة تبدأ محليا، لكن التاريخ الذي تدخل فيه عالمي.
ومن هنا فإن الأممية ليست ملحقا أخلاقيا بالماركسية الثورية، وليست نوعا من التضامن الاحتفالي بين أحزاب من بلدان مختلفة. الأممية نتيجة مباشرة لفهم الرأسمالية باعتبارها نظاما عالميا. رأس المال لا يحترم الحدود إلا حين يحتاج إليها، والطبقات الحاكمة قادرة على التنسيق عندما تشعر بأن مصالحها مهددة. لذلك لا تستطيع الطبقات الشعبية أن تجعل من الحدود الوطنية سقفا نهائيا لتحررها. هذه الحقيقة تصبح أكثر وضوحا في زمن الحروب والأزمات الاقتصادية والتبعية المالية. قرار اقتصادي يصدر في مركز مالي بعيد يمكن أن يغير حياة ملايين الناس. حرب تقع في منطقة واحدة يمكن أن تعيد ترتيب أسعار الطاقة والغذاء والهجرة في مناطق أخرى. أزمة مالية في مركز من مراكز الرأسمالية تستطيع أن تتحول خلال فترة قصيرة إلى بطالة وفقر وتقشف في مجتمعات بعيدة عنها. العالم واحد حين يتعلق الأمر بتراكم رأس المال، فلماذا ينبغي أن يكون مجزأ حين يتعلق الأمر بمقاومة هذا التراكم؟ هذه هي إحدى القضايا التي تجعل الأممية الثورية أكثر من فكرة تاريخية.
لكن الأممية لا تعني محو خصوصية الشعوب. وهذه نقطة أساسية في التراث التروتسكي. الثورة العالمية ليست نسخة واحدة تتكرر في كل مكان، وإنما تفاعل بين ثورات مختلفة، لكل واحدة شروطها وتقاليدها وتناقضاتها. ولذلك فإن الماركسية الثورية لا تبدأ من وصفة، وإنما من تحليل ملموس للواقع الملموس. وهنا يظهر الفرق بين الماركسية كمنهج والماركسية كعقيدة مغلقة. العقيدة تبحث عن الواقع الذي يطابق النص، أما المنهج فيذهب إلى الواقع كي يختبر النص ويعدله ويطوره. تروتسكي لم يكن يتعامل مع الثورة الروسية باعتبارها قالبا يجب نسخه، وإنما باعتبارها تجربة تاريخية هائلة ينبغي فهم شروطها وحدودها وانتصاراتها وهزائمها. ولهذا فإن قراءة تروتسكي اليوم لا تعني أن نبحث عن روسيا داخل تونس أو مصر أو فلسطين أو فرنسا أو أمريكا اللاتينية. تعني أن نتعلم كيف نفكر في الانتقال، وفي العلاقة بين القوى الاجتماعية، وفي سرعة الأحداث، وفي خطر البيروقراطية، وفي حدود الدولة الوطنية، وفي الحاجة إلى قيادة ثورية مرتبطة بالحركة الجماهيرية.
وهنا نصل إلى المسألة التي ربما تكون أكثر إلحاحا من أي وقت مضى: أزمة القيادة الثورية. ليست المشكلة أن الجماهير لا تتحرك. التاريخ الحديث مليء بالانفجارات الاجتماعية والاحتجاجات والإضرابات والانتفاضات والحركات الشعبية. المشكلة أن لحظة الانفجار ليست هي نفسها لحظة امتلاك القدرة على تغيير المجتمع. قد تكون الجماهير أكثر شجاعة من قياداتها، وقد تكون أكثر راديكالية من المؤسسات التي تدعي تمثيلها، وقد تنتج في الشارع أشكالا من التضامن والتنظيم لا تستطيع الأحزاب التقليدية حتى تخيلها، لكن غياب القيادة السياسية القادرة على تحويل هذه الطاقة إلى مشروع تاريخي يترك المجال مفتوحا أمام قوى أخرى لتلتقط اللحظة، وتعيد تفسيرها، وتعيد توجيهها، ثم تعيد الجماهير إلى نقطة البداية.
وهنا لا ينبغي فهم القيادة الثورية باعتبارها عبادة أشخاص. العكس تماما. القيادة، في المعنى الماركسي الثوري، ليست شخصا فوق الجماهير، وإنما قدرة جماعية على قراءة اللحظة، وربط النضالات، واستخلاص الدروس، وتحديد الاتجاه، وتوحيد الفعل من دون إلغاء المبادرة. القائد الذي يحتاج إلى الصمت كي يقود ليس قائدا ثوريا. والتنظيم الذي لا يحتمل النقد يتحول إلى جهاز. والحزب الذي يعتبر نفسه مالكا للحقيقة يتحول، عاجلا أم آجلا، إلى عقبة أمام الحركة التي يفترض أن يخدمها.
هنا يصبح صراع تروتسكي ضد البيروقراطية جزءا من حاضرنا، لا مجرد خلاف تاريخي داخل الحركة الشيوعية. البيروقراطية ليست فقط مشكلة إدارية. إنها خطر سياسي واجتماعي يظهر حين ينفصل الجهاز عن القاعدة، وحين تصبح المحافظة على الموقع أهم من استمرار الصراع، وحين تتحول الثورة من فعل جماهيري إلى ملكية تنظيمية. الثورة لا يمكن أن تكون ملكا لأحد. لا للحزب، ولا للزعيم، ولا للمثقف، ولا للجهاز، ولا حتى لذاكرة الثورة نفسها. إنها ملك المجتمع الذي يصنعها. ولهذا فإن الديمقراطية داخل الحركة الثورية ليست مسألة تجميلية. إنها شرط لمنع الثورة من إنتاج نقيضها. حرية النقاش ليست امتيازا ليبراليا خارج الصراع الطبقي؛ إنها وسيلة لحماية المشروع الثوري من التحجر. ووحدة العمل لا تعني وحدة التفكير. هذه الجدلية كانت حاضرة بقوة في تقاليد لوكسمبورغ، كما كانت معركة البيروقراطية مركزية في تجربة تروتسكي.
ومن هنا تصبح الثورة الدائمة أيضا ثورة ضد تجميد الثورة. فالخطر لا يأتي فقط من الثورة المضادة التي تقف في الخارج. قد يظهر من داخل المؤسسات التي أنتجتها الثورة. قد تبدأ الثورة بتحرير الناس ثم تنتهي بإخضاعهم لهيكل جديد. قد تسقط سلطة قديمة ثم تتشكل سلطة جديدة تتحدث باسم الجماهير وتقرر بدلا منها. وقد تتحول اللغة الثورية نفسها إلى غطاء لممارسات تناقض جوهرها. لهذا فإن الثورة الدائمة ليست فقط استمرار الصراع الاجتماعي بعد الانتصار السياسي. إنها أيضا رفض اعتبار أي شكل سياسي نهاية التاريخ.
الثورة لا تنتج مجتمعا مثاليا في لحظة واحدة. إنها تدخل المجتمع في حركة جديدة. وهذه الحركة لا يمكن أن تتوقف من دون أن تبدأ قوى أخرى في إعادة إنتاج القديم داخل الجديد. لقد كان تروتسكي شديد الحساسية تجاه هذه المسألة. فالانتصار السياسي لا يلغي آثار المجتمع القديم، ولا يلغي ضغط الاقتصاد العالمي، ولا يمحو الفوارق الاجتماعية، ولا ينتج تلقائيا وعيا اشتراكيا متجانسا. ولذلك فإن الانتقال إلى الاشتراكية ليس قرارا إداريا يصدره جهاز الدولة، وإنما صراع طويل لإعادة تنظيم الحياة الاجتماعية نفسها.
وهنا تصبح الدولة مسألة مركزية. الماركسية الثورية لا تنظر إلى الدولة كجهاز محايد يمكن لأي طبقة أن تستخدمه بحرية. الدولة متجذرة في علاقات اجتماعية محددة، وتعمل داخل ميزان قوى تاريخي. لذلك فإن الوصول إلى الحكم لا يعني بالضرورة امتلاك السلطة الاجتماعية. يمكن تغيير الحكومة وتبقى البنية. يمكن تغيير الدستور وتبقى علاقات الملكية. يمكن تغيير المسؤولين وتبقى المصالح. يمكن أن تتغير الخطابات بينما تستمر الآليات نفسها. ولهذا فإن الثورة لا تختزل في سؤال من يحكم الدولة، وإنما تمتد إلى سؤال من يملك القدرة الفعلية على تقرير اتجاه المجتمع. من يقرر الاقتصاد؟ من يحدد الأولويات؟ من يملك الثروة؟ من يسيطر على المؤسسات؟ من يراقب السلطة؟ ومن يستطيع عزل من يمثله حين ينحرف عن مصالح الناس؟ هذه ليست أسئلة دستورية فقط. إنها أسئلة طبقية.
ولهذا فإن الديمقراطية السياسية، مهما كانت أهميتها، لا تكتمل إذا بقيت الحياة الاقتصادية والاجتماعية خاضعة لقرارات أقلية لا تخضع للمساءلة الاجتماعية. وفي الوقت نفسه، لا يمكن اختزال الاشتراكية في ملكية الدولة. الدولة ليست مرادفا للمجتمع. وتأميم الملكية لا يعني تلقائيا تحرير المنتجين. وهذه واحدة من الحقائق التي كشفتها تجربة القرن العشرين بكل تناقضاتها. الملكية الاجتماعية تحتاج إلى ديمقراطية اجتماعية، وإلا تحولت الملكية العامة إلى إدارة بيروقراطية، وتحولت الدولة إلى مالك فوق المجتمع. هنا يصبح إرث تروتسكي نقديا أكثر منه احتفاليا. فهو لا يقدم لنا نموذجا جاهزا للمستقبل، لكنه يضع أمامنا تحذيرا تاريخيا: الثورة التي تفقد السيطرة الديمقراطية للجماهير على مؤسساتها يمكن أن تنتج جهازا ينفصل عنها.
وهذا يجعل مسألة الوعي مركزية. لكن الوعي هنا ليس حفظ النصوص الماركسية، ولا القدرة على ترديد أسماء المؤسسين. الوعي الثوري هو قدرة الجماعة على فهم موقعها داخل حركة التاريخ، وعلى تحويل التجربة اليومية إلى معرفة سياسية، وعلى اكتشاف العلاقات التي لا تظهر مباشرة على سطح الحياة. الماركسية ليست قاموسا للمصطلحات. إنها علم للصراع. وإذا توقفت عن تفسير العالم المتغير، تتحول إلى طقس. ولهذا يجب أن يكون القرن الحادي والعشرون موضوعا للتحليل الماركسي الجديد. الذكاء الاصطناعي، الأزمة البيئية، الحروب الجديدة، إعادة تشكيل الدولة، الاقتصاد المالي، الشركات العابرة للقوميات، صعود اليمين، انهيار أشكال قديمة من الوساطة السياسية، تغير الإعلام، الهجرة، التحولات الجيوسياسية، كلها ليست موضوعات جانبية. إنها المادة التي يجب أن يشتغل عليها الفكر الثوري.
لكن الجديد لا يلغي القديم. فالربح ما زال ربحا. والملكية ما زالت ملكية. والدولة ما زالت جزءا من علاقات القوة. والاستغلال لم يتحول إلى مفهوم من الماضي. والطبقات الحاكمة لم تتخل عن مصالحها لأنها أصبحت تستخدم تقنيات أكثر تطورا. الجديد هو الشكل الذي تظهر فيه التناقضات. ولهذا لا يجوز للماركسية أن تخاف من الجديد. الماركسية التي تخاف من التكنولوجيا تتحول إلى محافظة. والماركسية التي تعبد التكنولوجيا تفقد نقدها. والماركسية التي تتعامل مع الرأسمالية كأنها لم تتغير منذ القرن التاسع عشر تتحول إلى أرشيف. أما الماركسية الثورية الحية فهي التي تستطيع أن تقول في الوقت نفسه: لقد تغير العالم، لكن منطق رأس المال لم يصبح شيئا آخر.
ومن هنا أيضا يجب فهم الثورة الدائمة في بعدها الزمني. ليست الثورة سلسلة من الانفجارات المتصلة. قد توجد فترات هدوء طويلة. قد تتراجع الحركة. قد تنتصر الثورة المضادة. قد تبدو أفكار كانت حاضرة في الشارع وكأنها اختفت. لكن التاريخ لا يتحرك فقط في اللحظات التي تكون فيها الجماهير في الساحات. الصراعات التي لم تحسم تبقى كامنة في المجتمع، والوعي الذي يتشكل في لحظة لا يختفي بالضرورة مع انتهاء اللحظة.
الثورة تحتاج إلى ذاكرة. لكنها تحتاج أيضا إلى نقد ذاكرتها. فليس كل ما حدث في الماضي صالحا للتكرار، وليس كل ما فشل يجب دفنه، وليس كل ما انتصر كان صحيحا. الذاكرة الثورية التي لا تنتقد نفسها تتحول إلى أسطورة. والثورة التي تتحول إلى أسطورة تتوقف عن إنتاج المعرفة. لهذا ينبغي أن نقرأ القرن العشرين بلا تقديس وبلا كراهية. أن نرى أكتوبر بكل ما فتحه من إمكانات وبكل ما أنتجته تجربته من تناقضات. أن نقرأ تروتسكي بوصفه ثوريا ومفكرا ومشاركا في الأحداث، لا بوصفه قديسا. أن نقرأ لينين دون تحويله إلى صنم. أن نقرأ لوكسمبورغ دون تحويلها إلى شعار. أن نقرأ غرامشي وفانون وبنسعيد وسمير أمين وغيرهم بوصفهم أدوات لفهم العالم، لا بدائل عن التفكير.
هذا هو الفرق بين التقليد الثوري والثورية. التقليد يحفظ. أما الثورة فتفكر.
وفي القرن الحادي والعشرين تصبح هذه القدرة على التفكير شرطا للبقاء، لأن العالم يتحرك بسرعة، لكن السرعة لا تعني دائما التقدم. قد تكون السرعة نفسها أداة للفوضى. وقد يصبح الإنسان محاصرا بالأحداث إلى درجة يفقد معها القدرة على رؤية الاتجاه العام. الثوري ليس من يركض وراء كل حدث. الثوري هو من يعرف كيف يضع الحدث داخل المسار. وهذه إحدى وظائف النظرية: أن تمنح الحركة ذاكرة واتجاها، لا أن تمنحها أجوبة جاهزة.
إننا نعيش زمنا تاريخيا تتراجع فيه يقينيات قديمة دون أن تكون البدائل قد اكتملت. وهذا الوضع لا ينبغي أن يدفع اليسار إلى الحنين، ولا إلى الاستسلام. إنه يفرض عليه أن يعيد بناء أدواته الفكرية والتنظيمية على أرض الواقع الجديد. ليس المطلوب انتظار ثورة مثالية، ولا اختراع ثورة على الورق، ولا تحويل كل احتجاج إلى ثورة، ولا دفن فكرة الثورة لأن بعض الثورات هزمت. المطلوب هو فهم الشروط التي تجعل الحركة الاجتماعية قادرة على التحول إلى قوة تاريخية.
وهنا يعود تروتسكي مرة أخرى، لا باعتباره جوابا نهائيا، بل باعتباره إزعاجا دائما لكل يقين مغلق. إن الثورة الدائمة تقول إن التاريخ لا يسمح للثورة بأن تتقاعد. وتقول إن الثورة التي تتوقف عند حدود إنجازاتها الأولى تفتح الباب أمام قوى اجتماعية أخرى لإعادة صياغتها. وتقول إن الطبقة العاملة لا تستطيع أن تستعير مشروعها من طبقة أخرى. وتقول إن الثورة في بلد واحد لا تستطيع أن تنسى العالم. وتقول إن الاشتراكية ليست مرادفا للدولة، ولا البيروقراطية مرادفا للتنظيم، ولا الوحدة مرادفا للصمت.
وفي زمننا، ربما ينبغي إضافة معنى آخر: الثورة الدائمة هي أيضا رفض تحويل القرن الحادي والعشرين إلى قدر تقني مغلق. فليس صحيحا أن الخوارزمية قدر. ولا أن السوق قدر. ولا أن الدين العام قدر. ولا أن التبعية قدر. ولا أن الفقر قدر. ولا أن الحرب قدر. ولا أن الدولة الأمنية قدر. ولا أن العالم الذي ورثناه هو العالم الوحيد الممكن. التاريخ ليس غرفة مغلقة. لكنه لا يفتح أبوابه لمن ينتظر. يفتحها للصراع.
وهنا تكمن المادية التاريخية في أبسط وأقسى معانيها: البشر يصنعون التاريخ، لكنهم يفعلون ذلك داخل شروط لم يختاروها؛ وما يحدد النتيجة ليس الرغبة وحدها، وإنما الصراع بين القوى الاجتماعية المنظمة. لذلك لا يكفي أن تكون الثورة عادلة في شعاراتها. عليها أن تكون قوية في تنظيمها. ولا يكفي أن تكون قوية في تنظيمها. عليها أن تكون واعية بموقعها في العالم. ولا يكفي أن تفهم العالم. عليها أن تمتلك القدرة على تغييره.
وهذه هي المهمة التي لم تنته. بل ربما لم تبدأ بعد بالمعنى الذي يليق بحجم القرن الذي نعيش فيه. فالثورة الدائمة ليست وعدا بأن الغد سيكون ثوريا. إنها رفض أن يصبح اليوم سجنا للغد. وهي، قبل كل شيء، أن يبقى التاريخ مفتوحا أمام فعل البشر.
نعم، الأفضل أن تأتي الخاتمة كامتداد طبيعي للفكرة الأخيرة في المقال، لا كخلاصة منفصلة. هذه صياغة تربط مباشرة بين الثورة الدائمة، الزمن التاريخي، الماركسية كمنهج، وانفتاح المستقبل وبين الأفق الاشتراكي:
الخاتمة
ومن هنا، فإن القول بأن التاريخ ما يزال مفتوحا لا يعني الاكتفاء بترك المستقبل احتمالا مجردا، بل يعني الاعتراف بأن الرأسمالية نفسها ليست النهاية التي بلغتها البشرية. فما يبدو اليوم مستقرا ونهائيا ليس سوى لحظة من لحظات صراع طويل لم تُحسم نتائجه بعد. والاشتراكية، في هذا الأفق، لا تظهر كصيغة جاهزة تنتظر أن تُنقل من الكتب إلى الواقع، بل كضرورة تاريخية تطرحها التناقضات التي ينتجها هذا العالم، وكإمكان لا يصبح فعليا إلا عندما تجد له القوى الاجتماعية القادرة على حمله وتنظيمه وتطويره.
لهذا لا تكون الثورة الدائمة مجرد استمرار للحدث الثوري، بل استمرار للصراع من أجل ألا يتحول أي إنجاز تاريخي إلى سقف نهائي. فما إن تتغير موازين القوى حتى تبدأ معركة جديدة حول معنى التغيير نفسه، وحول اتجاهه، وحول القوى التي ستستفيد منه، وحول قدرة المجتمع على منع ما أنجزه من التحول إلى امتياز جديد. وفي هذه النقطة تحديدا يصبح الاشتراكي الثوري معنياً ليس فقط بكيفية الوصول إلى لحظة القطيعة، وإنما بما يحدث بعدها، وبكيفية إبقاء المجتمع في حالة قدرة دائمة على مراقبة سلطاته وتغيير مؤسساته وتوسيع حرياته.
وإذا كان القرن الحادي والعشرون قد ورث تناقضات القرنين السابقين وأضاف إليها تناقضاته الخاصة، فإن مهمة الفكر الاشتراكي ليست أن يعيش على ذاكرة الانتصارات القديمة، ولا أن يقيم طقسا دائما حول الهزائم، وإنما أن يستخلص من التاريخ قدرة جديدة على الفعل. فالماركسية التي تستحق أن تبقى حية هي التي تدخل هذا القرن وهي مستعدة لأن تتعلم، وأن تصحح نفسها، وأن تنظر إلى الواقع بعين مفتوحة، من دون أن تتخلى عن جوهر نقدها لعالم يجعل ثروة البعض شرطا لاستمرار حرمان البعض الآخر.
ومن ثم فإن الاشتراكية لا تبدأ في اليوم الذي يصبح فيه المجتمع اشتراكيا؛ إنها تبدأ في اللحظة التي يصبح فيها الإنسان قادرا على النظر إلى العلاقات التي تحكم حياته باعتبارها علاقات قابلة للتغيير، لا قوانين أبدية. تبدأ حين يفقد الواقع هالته المقدسة، وحين يصبح ما اعتدنا عليه موضع مساءلة، وحين يستعيد البشر ثقتهم بأن المؤسسات التي صنعوها يمكنهم أيضا إعادة صنعها.
ذلك هو المعنى الأعمق للثورة في القرن الحادي والعشرين: ليس اقتحام المستقبل بخيال رومانسي، وإنما انتزاع المستقبل من فكرة أنه محسوم سلفا. وليس المطلوب أن نعرف منذ الآن كل تفاصيل المجتمع الذي سيأتي، بل أن نرفض أن يحدد الرأسمال وحده حدود الممكن، وأن نترك للأجيال التي ستأتي بعدنا مساحة أوسع للفعل مما تركها لنا العالم الذي ورثناه.
فالثورة الدائمة، في النهاية، ليست حركة لا تتوقف لأنها لا تعرف إلى أين تذهب؛ إنها حركة لا تقبل أن يتحول أي انتصار إلى نهاية، ولا أي مؤسسة إلى قدر، ولا أي نظرية إلى عقيدة مغلقة. وهي، بهذا المعنى، ليست فقط قضية السلطة، بل قضية الزمن نفسه: من يملك الحق في تحديد المستقبل، ومن يملك القدرة على فتحه، ومن يملك الشجاعة لكي يقول إن ما يبدو أبديا ليس كذلك.
وعندما يصبح هذا الوعي قوة اجتماعية، لا يعود الاشتراكيون مجرد ورثة لتاريخ ثوري طويل، بل يصبحون مشاركين في صنع فصل جديد منه. عندها لا تكون الاشتراكية ذكرى لقرن مضى، ولا حنينا إلى ثورات هُزمت، بل تصبح اسما لإمكان ما يزال ينتظر أن يأخذ شكله في التاريخ.
وهنا تنتهي المقالة، لكن المسألة لا تنتهي. لأن الثورة، كما علّمنا التاريخ، لا تمنح البشر خاتمة جاهزة؛ إنها تمنحهم فرصة نادرة لكي يكتبوا بأنفسهم الصفحة التي لم تُكتب بعد.



#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النيولسانية واستعادة الزمن .
- توحيد اليسار ... توحيد الخط الثوري لا لمّ الشمل .
- الجينيالوجيا في الخطاب اليساري في القرن الحادي والعشرين
- العفوية في النشاط الاجتماعي والسياسي : حين يتقدم الشارع على ...
- حين تتحول الشهادة العلمية إلى تهمة
- الاحتجاج الدغمائي، حين يصبح الرفض بديلا عن الفعل .
- بُرُوتُوكُولُ القَلْبِ
- الصهيوني خلف الزناد… و الامبريالي خلف الذّخيرة
- الجزائر والإمارات ،، ضد التبعية وضد الاستبداد .
- حين يجلس العامل إلى الطاولة : المجالس، الحزب والثورة التي لا ...
- المثقّف الذي يحمل وجع الناس في قلبه .
- الExtra-terrestre: الإنسان الذي جاء من خارج الأرض .
- الفساد حين يأكل من لحم الناس .
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ...
- الهجرة ليست هروبا ...
- أمريكا اللاتينية ... القارة التي لم تتصالح مع الظلم ولم تتعل ...
- من المعرفة إلى الهيمنة : قراءة في أطروحة الطيب تيزيني بعد عق ...
- ما بعد 25 جويلية: حين يشيخ الحكم ... ولا يولد البديل ..
- حين يصبح الخيال فائضا عن حاجة السوق .
- مَقَامَةُ غَبَشِ بْنِ مَرَاوِحٍ -14-: فِي قَفْصَةَ الَّتِي ح ...


المزيد.....




- الصراع في إثيوبيا: اتهامات تنفيها مصر والسودان بدعم خصوم أبي ...
- انفجار خط غاز في دير الزور يوقف الإمدادات لمحطات الكهرباء ال ...
- غالانت يكشف السر وراء تفجيرات البيجر.. لماذا سارعت إسرائيل إ ...
- قاليباف لترامب: استدر لنستدر!
- نيران الحرب تشتعل في إثيوبيا.. وخبير يتحدث عن -انقلاب قواعد ...
- الجيش الإسرائيلي ينشر فيديو لعملية اغتيال قائد لواء شمال قطا ...
- كازينو سري بـ4 ملايين دولار.. شرطة أوزبكستان توقف 11 مشتبها ...
- خلال اتصال من البرهان.. محمد بن سلمان يجدد دعم السعودية لاست ...
- ماسك يقدم نصيحة غريبة لمحاربة حرقة المعدة وتحسين الهضم.. هل ...
- روسيا.. اختبار أحدث ليزر قتالي ذاتي الحركة لمكافحة الطائرات ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - الثورة الدائمة في قرن لا يشبه قرنا سابقا .