|
|
تحوّلات الطاقة بين البحر والبرّ: إعادة تشكيل ميزان القوى العالمي في 2026
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8785 - 2026 / 8 / 2 - 12:11
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
دراسة في الجيوبوليتيك الطاقوي والنظام العالمي الناشئ
المقدمة: زمنٌ تتغيّر فيه الجغرافيا من تحت أقدام القوى الكبرى
صيف آب/أغسطس من عام 2026، لم يعد العالم يقرأ خرائطه القديمة. تلك الخرائط التي رسمتها اتفاقيات ما بعد الحرب الباردة، والتي ظلّت لعقود مرجعًا للنظام الدولي، باتت أشبه بآثارٍ عتيقة تروي حكايات زمنٍ ولّى. ذلك أن الجغرافيا، في لحظة تاريخية فريدة، لم تعد مجرد فضاءٍ ممتدّ بين خطوط الطول ودوائر العرض، بل تحوّلت إلى كيانٍ متحرّك، يُعاد تشكيله كلّ يوم بفعل قوى لا ترى بالعين المجرّدة، لكنها تُحسّ في أعماق الاقتصاد، وفي تضاريس السياسة، وفي نبض المجتمعات.
إنّ هذه اللحظة الفارقة التي يعيشها العالم في منتصف العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، ليست وليدةَ صدفةٍ أو نتاجَ متغيّرٍ عابر؛ بل هي محصّلةُ تراكماتٍ بنيويّةٍ عميقة، كانت بذورها قد زرعت قبل عقود، لكنّها تفتّقت الآن عن نظامٍ عالميٍّ جديد، تعيد فيه الطاقة تعريف ذاتها: لم تعد مجرّد سلعةٍ تُتداول في البورصات، أو موردٍ يُستخرج من باطن الأرض، بل أصبحت بنيةً تحتيةً للحضارة ذاتها، ومفتاحًا لفهم تحوّلات القوة والنفوذ بين الأمم.
في هذا السياق، يبرز سؤالٌ جوهريٌّ يتخطّى حدود التحليل الاقتصادي الضيّق، ليطلّ بجلاله على مسرح التاريخ: كيف يمكن لسعرِ برميلٍ من النفط، يُسجّل على شاشات البورصات العالمية، أن يكون مختلفًا جوهريًّا عن سعره الفعلي في أعالي البحار؟ وما دلالة هذا الفارق الذي يتّسع ليتحوّل إلى هوّةٍ بين عالمين: عالمٍ يعيش على الورق والأرقام الافتراضية، وعالمٍ يُسعّر الطاقة وفق منطق المخاطر والحروب والجغرافيا المتحرّكة؟
إنّ الإجابة عن هذا السؤال تأخذنا في رحلةٍ معرفيّةٍ عميقة، نكتشف فيها كيف أن ميزان القوى العالمي لم يعد يُقرأ من خلال الترسانات العسكرية وحدها، ولا من خلال الناتج المحلي الإجمالي فحسب، بل من خلال قدرة الدول على إعادة ابتكار جغرافيتها الطاقوية، وعلى تحويل الأنابيب إلى شرايين حياة، والبحار إلى ساحات ضغط، والمضائق إلى نقاط ضعفٍ استراتيجية.
إنّ أوروبا التي كانت يومًا ما قلبَ الصناعة العالمي النابض، تجد نفسها اليوم تدفع أثمانًا باهظةً لقرارٍ اتّخذته قبل أربع سنوات، عندما قرّرت قطع شرايينها الطاقوية مع الشرق. وفي المقابل، تقف الصين، ببرودٍ شرقيٍّ، وبرؤيةٍ استراتيجيةٍ بعيدة المدى، تعيد بناء عالمها الطاقوي على أسسٍ برّيةٍ وقطبيةٍ ومتجدّدة، تجعلها في مأمنٍ من عواصف البحار. أمّا روسيا، فهي تجد نفسها في موقعٍ غير مسبوق، حيث تتحوّل كلّ أزمةٍ بحريّة إلى ربحٍ إضافي، وكلّ اضطرابٍ في الخليج إلى مكسبٍ في حسابها البنكي.
هذه التحوّلات ليست مجرّد أرقامٍ أو إحصاءات، بل هي تحوّلات حضارية بالمعنى العميق للكلمة؛ إنّها تعيد صياغة العلاقة بين البرّ والبحر، بين الشرق والغرب، بين الماضي والمستقبل. في هذا المقال، نحاول أن نقرأ هذه التحوّلات من خلال عدسةٍ أكاديميةٍ متعدّدة التخصصات، تجمع بين الاقتصاد السياسي، والجغرافيا الاستراتيجية، وتحليل الأنظمة العالمية، لنفكّك ألغاز هذا الزمن المتغيّر، ونتتبّع ملامح نظامٍ عالميٍّ جديد يولد من رحم الأزمات، ويعيد تشكيل ميزان القوى من تحت أقدام القوى الكبرى.
البحر بوصفه سوقًا موازيةً للطاقة – منطق الحرب بدل منطق السوق
أولاً: السعر الرسمي – اقتصاد الشاشات والأرقام الافتراضية
في عالم المال والأعمال، وحيث تُصنع القرارات الاقتصادية الكبرى من خلال نماذج رياضية معقّدة وتوقعات مستقبلية، يظهر سعر النفط كأحد أكثر المؤشرات حساسيةً وتأثيرًا. في آب/أغسطس 2026، تظهر شاشات البورصات العالمية رقمًا شبه مستقرّ، يقترب من 90 دولارًا للبرميل. هذا الرقم، الذي يبدو دقيقًا ومنضبطًا، هو في الحقيقة نتاجُ شبكةٍ معقّدةٍ من التداولات المالية والعقود المستقبلية والمشتقات الورقية.
هذا السعر، الذي نُطلق عليه هنا "السعر الرسمي"، هو سعرٌ افتراضيٌّ إلى حدٍّ كبير، فهو لا يعكس التكلفة الفعلية للحصول على النفط ونقله وتأمينه، بل يعكس توقعات السوق، وسلوك المستثمرين، وحركة رؤوس الأموال المضارِبة. إنّه سعرُ "اقتصاد الشاشات"، حيث تتشابك الأرقام مع الخوارزميات، وتُبنى التوقعات على نماذج إحصائية تفترض استمرارَ الظروف الطبيعية والأوضاع الجيوسياسية المستقرة.
هذا السعر هو ذاته الذي تعتمده الحكومات في ميزانياتها، وتستند إليه البنوك المركزية في سياساتها النقدية، وتُبنى عليه توقّعات النمو الاقتصادي. وهو السعر الذي يظهر في عناوين الأخبار الاقتصادية، ويُستخدم في التحليلات التقليدية، ويُطرح في الندوات والمؤتمرات العلمية. لكنّ هذه الصورة المثالية للنفط، كسلعةٍ تُسعَّر في أسواقٍ شفّافة وتُتداول بحرية، سرعان ما تتصدّع عندما ننتقل من قاعات التداول المكيّفة إلى أعالي البحار المكشوفة على تقلبات الطبيعة والبشر.
ثانيًا: السعر البحري – اقتصاد المخاطر والاضطرابات
إذا كان السعر الرسمي يعكس منطق السوق الافتراضي، فإنّ السعر البحري يعكس منطقًا مختلفًا جذريًا: إنّه منطق الحرب، منطق المخاطر، منطق الجغرافيا المتقلّبة. في مياه الخليج، وفي البحر الأحمر، وفي مضيق هرمز، وفي خليج عدن، تتشكّل أسعارٌ مختلفةٌ كليًّا عن تلك التي تظهر على شاشات البورصات.
في صيف 2026، يتراوح السعر الفعلي للوقود البحري القياسي بين 130 و150 دولارًا للبرميل، في حين يقفز سعر الديزل البحري عالي الجودة إلى ما بين 200 و240 دولارًا للبرميل. هذا الفارق الهائل، الذي يتجاوز في بعض الحالات ضعف السعر الرسمي، لا يعكس جودةَ المنتج أو ندرته بقدر ما يعكس الأعباء الإضافية التي تفرضها الجغرافيا والسياسة والعسكرة على نقل الطاقة بحرًا.
إنّ هذا السعر البحري هو نتاجٌ لعدّة عوامل متشابكة، نذكر أبرزها:
1. قفزة تكاليف التأمين البحري: في ظلّ تزايد الهجمات على السفن التجارية، واستهداف ناقلات النفط في مناطق حساسة، ارتفعت أقساط التأمين البحري بنسب تتراوح بين 300% و600% مقارنةً بمستويات ما قبل 2022. هذا الارتفاع يُضيف تكلفةً كبيرةً على كلّ برميل يُنقل بحرًا، ويجعل العمليات اللوجستية أكثر تعقيدًا وتكلفةً. 2. تغيير مسارات السفن: لم تعد ناقلات النفط تسلك أقصر الطرق البحرية، كما كانت تفعل في العقود السابقة. فالتهديدات في البحر الأحمر، والهجمات في خليج عدن، والقرصنة قبالة سواحل الصومال، كلّ هذه عوامل أجبرت شركات الشحن على إعادة رسم خرائط رحلاتها. الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، والذي يعني إضافة آلاف الأميال البحرية وأيامًا إضافية من السفر، أصبح خيارًا إلزاميًّا للعديد من الناقلات، ممّا يزيد من تكاليف الوقود والطواقم والتأمين والصيانة. 3. المخاطر العسكرية في الخليج: مضيق هرمز، الذي يمرّ عبره حوالي ثلث النفط المنقول بحرًا في العالم، تحوّل إلى نقطةِ اشتعالٍ دائمة. التهديدات الإيرانية، والوجود العسكري الأمريكي، والمواجهات البحرية المتكرّرة، جميعها تُضيف علاوةَ مخاطرةٍ كبيرةً على كلّ برميلٍ يعبر هذه المنطقة. وأيّ حادثٍ، مهما كان صغيرًا، يمكن أن يتسبّب في قفزةٍ مفاجئةٍ في هذه العلاوة. 4. العقوبات على روسيا وإيران: نظام العقوبات الغربي المعقّد على موسكو وطهران، مع استثناءاته وثغراته، خلق سوقًا موازيةً لتجارة النفط، حيث تُستخدم سفن "شبحية"، ووسطاء متعدّدون، وآليات دفع بديلة. هذا التعقيد الإداري والمالي يُضيف طبقةً أخرى من التكلفة والتأخير وعدم اليقين، تنعكس كلّها على السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك الأوروبي أو الأمريكي. 5. المنافسة على الناقلات: مع زيادة الطلب على ناقلات النفط، وتضاؤل عدد السفن التي تستطيع الإبحار في مناطق الخطر، ارتفعت أسعار استئجار الناقلات إلى مستويات قياسية، ممّا يُضيف بُعدًا آخر من التكلفة.
ثالثًا: دلالة الفجوة بين السعرين – قراءة في الأثر الحضاري
إنّ الفجوة المتّسعة بين السعر الرسمي والسعر البحري ليست مجرّد ظاهرةٍ ماليةٍ عابرة، بل هي مؤشّرٌ بنيويٌّ على تحوّلٍ جذريٍّ في طريقة عمل النظام العالمي. يمكن قراءة هذه الفجوة من خلال عدساتٍ تحليليةٍ متعدّدة:
· قراءة اقتصادية: الفجوة تكشف عن فشل الأسواق المالية في عكس التكاليف الحقيقية للطاقة، ممّا يخلق تشوّهاتٍ في الإشارات السعرية، ويؤدّي إلى سوء تخصيص الموارد، ويُضعف قدرة صانعي السياسات على التخطيط السليم. · قراءة جيوسياسية: الفجوة تُظهر بوضوح أنّ الجغرافيا لم تمُت، كما توقع بعض منظّري العولمة، بل عادت بقوةٍ لتفرض نفسها على المعادلات الاقتصادية. الدول التي تقع في مناطق جغرافية آمنة، أو التي تمتلك بدائل برّية، تجد نفسها في موقع قوّةٍ استراتيجيٍّ، بينما الدول التي تعتمد على الممرات البحرية المهدّدة تجد نفسها في موقف ضعفٍ مستمرّ. · قراءة استراتيجية: الفجوة تعكس فشل الغرب في تأمين مصالحه الطاقوية البحرية، وعدم قدرته على حماية خطوط إمداده الحيوية. هذا الفشل الأمني يُترجم مباشرةً إلى تكاليف اقتصادية، ويُضعف القدرة التنافسية للصناعات الغربية. · قراءة حضارية: في النهاية، يمكن النظر إلى الفجوة بين السعرين على أنّها تعبير عن الصراع بين منطقين متعارضين: منطق النظام القائم على القواعد والأسواق، والذي يمثّله الغرب، ومنطق النظام القائم على الجغرافيا والقوّة والمخاطر، والذي تبرع فيه الصين وروسيا. هذا الصراع الحضاري يأخذ شكلًا ماديًّا واضحًا في سوق النفط، لكنّ جذوره تمتدّ إلى أعماق بنى القوة العالمية.
…..
الصين خارج أزمة الطاقة – جغرافيا بديلة تعيد تعريف القوة
أولاً: الأنابيب – شرايين الحياة البرّية
بينما تختنق أوروبا وأمريكا بأسعار البحار المتصاعدة، وبينما تدفع صناعاتهما ثمًّا باهظًا للطاقة، تقف الصين في موقع مختلفٍ جذريًا. هذا الاختلاف لا يعود إلى حجم اقتصادها أو سرعة نموّه فقط، بل يعود بالأساس إلى قراراتٍ استراتيجيةٍ اتّخذتها بكين قبل عقود، حين قرّرت ألا تضع كلّ بيضها في سلة البحر، وأن تبني بديلًا برّيًا متينًا لإمداداتها الطاقوية.
يمثل الغاز الطبيعي الروسي، الذي يصل إلى الصين عبر أنابيب "قوة سيبيريا" في نسختيها الأولى والثانية، نموذجًا واضحًا لهذه الاستراتيجية البرّية. هذه الأنابيب التي تمتدّ لآلاف الكيلومترات عبر الأراضي الروسية والمنغولية والصينية، لا تمرّ عبر أيّ بحر، ولا تحتاج إلى تأمينٍ بحري، ولا تواجه مخاطر الملاحة، ولا تتأثّر بحرب الخليج أو بأزمة البحر الأحمر أو بالعقوبات البحرية.
في صيف 2026، تدفع الصين حوالي 10–12 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية من الغاز الروسي. هذا السعر، الذي يعكس الاستقرار والتعاقدات طويلة الأجل والعلاقات الاستراتيجية المتينة، يقارن بشكلٍ صارخٍ مع الأسعار التي تدفعها أوروبا، والتي تقفز في أوقات الاضطراب إلى 30-40 دولارًا، أي أكثر من ثلاثة أضعاف السعر الصيني. هذا الفارق الهائل في التكلفة يُترجم مباشرةً إلى ميزة تنافسية هائلة للصناعة الصينية، ويُخفّف من أثر التضخم الطاقوي على الاقتصاد المحلي.
ثانيًا: طريق الشمال – الجغرافيا القطبية كبديل استراتيجي
إذا كانت الأنابيب تمثّل البعد البرّي للاستراتيجية الصينية، فإنّ طريق الشمال البحري يمثّل البعدَ القطبي، وهو بُعدٌ استراتيجيٌّ لا يقلّ أهميّةً عن الأوّل. فمع ذوبان الجليد في القطب الشمالي، بفعل التغيّر المناخي، أصبح هذا الطريق القطبي ممرًّا ملاحيًّا متاحًا لفتراتٍ أطول من السنة، وهو يختصر المسافة بين أوروبا وآسيا بمئات الأميال البحرية.
السمة الأهمّ لهذا الطريق، من منظور صيني، هي أنّه يقع بعيدًا عن مناطق الصراع التقليدية. فلا صواريخ في القطب الشمالي، ولا مسيّرات، ولا تهديدات للموانئ، ولا حاجة إلى تأمينٍ بحري باهظ، ولا عقوباتٍ تُذكر. روسيا، التي تمتلك أسطولًا كبيرًا من كاسحات الجليد النووية، تقدّم خدماتها لتأمين الملاحة في هذه المنطقة، وتُسهّل نقل النفط والغاز الروسيّين إلى الأسواق الآسيوية، وعلى رأسها الصين.
في هذا السياق، تحصل الصين على النفط الروسي عبر طريق الشمال بخصمٍ يتراوح بين 20 و30 دولارًا عن السعر العالمي. هذا الخصم، الذي يعكس التكاليف المنخفضة والمخاطر الأقلّ، يجعل الطاقة الروسية أكثر جاذبيةً للصين، ويعزّز التحالف الطاقوي غير المعلَن بين البلدين. وفي المقابل، تدفع أوروبا، كما أسلفنا، 130-200 دولار للبرميل البحري، ممّا يعني أن الفجوة بين ما تدفعه أوروبا وما تدفعه الصين للحصول على النفط الروسي نفسه يمكن أن تتجاوز 100 دولار للبرميل في فترات الذروة.
ثالثًا: الطاقة المتجددة والاندماج النووي – طموحٌ يتجاوز زمن النفط
لكنّ الاستراتيجية الصينية الطاقوية لا تقف عند حدود استيراد النفط والغاز، بل تتجاوز ذلك إلى بناء نظام طاقوي بديل قائم على مصادر متجدّدة وتقنيات متقدّمة. الصين أصبحت اليوم أكبر مستثمرٍ في العالم في مجال الطاقة المتجددة، حيث تبني أكبر البنى التحتية للطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتطوّر شبكاتٍ ذكيةً لتوزيع الكهرباء، وتستثمر في تخزين الطاقة على نطاق واسع.
لكنّ المشروع الأكثر طموحًا، والأكثر تأثيرًا على المدى البعيد، هو مشروع الاندماج النووي، أو ما يُعرف إعلاميًّا بـ"الشمس الاصطناعية". هذا المشروع، الذي يهدف إلى توليد طاقةٍ نظيفةٍ وغير محدودةٍ من خلال محاكاة عملية الاندماج التي تحدث في النجوم، يمثّل نقلةً نوعيةً في تاريخ الطاقة البشرية. الصين، التي تستثمر بكثافة في هذا المجال، وتشارك في مفاعل ITER الدولي، وتطوّر في الوقت نفسه مشاريعَ وطنيةٍ موازية، قد تكون أول دولةٍ تتمكّن من تحقيق اختراقٍ عمليٍّ في هذا المجال، ممّا سيُحرّرها نهائيًّا من الاعتماد على الوقود الأحفوري.
هذه الاستثمارات الطموحة في الطاقة المتجددة والاندماج النووي تعكس رؤيةً صينيةً بعيدة المدى، تهدف إلى بناء نظام طاقوي مستقلّ ومستدام، لا يتأثّر بتقلّبات أسعار النفط أو بالصراعات الجيوسياسية حول الممرات البحرية. وهي جزءٌ من استراتيجيةٍ أوسع لإعادة تعريف القوة الوطنية، حيث لم تعد القوة تقاس بعدد حاملات الطائرات أو حجم الترسانات النووية فقط، بل بقدرة الدولة على تأمين احتياجاتها الطاقوية بطرق مستدامة ومستقلة.
……
أوروبا داخل الأزمة – القارة التي قطعت شريانها الطاقوي
أولاً: قبل 2022 – أوروبا البرّية بين الاستقرار والرخاء
لم تكن أوروبا، قبل عام 2022، تحتاج إلى البحار لتأمين احتياجاتها الطاقوية، أو لم تكن تعتمد عليها إلى حدّ كبير. كانت القارة العجوز تتمتّع بموقعٍ جغرافيٍّ ممتازٍ نسبيًّا، حيث تتدفّق إليها إمدادات الغاز والنفط من روسيا عبر شبكةٍ واسعةٍ من الأنابيب البرّية. هذه الإمدادات كانت تتميّز بعدّة خصائص جعلتها العمود الفقري للصناعة الأوروبية:
· الرخاء النسبي: كانت أسعار الغاز والنفط الروسيين منافسةً للغاية، بفضل العقود طويلة الأجل وحجم التبادل التجاري الكبير، ممّا وفّر للصناعة الأوروبية ميزةً تنافسيةً في الأسواق العالمية. · الاستقرار: الإمدادات البرّية كانت تتمّ بشكلٍ منتظم، دون انقطاعات أو تقلّبات كبيرة، ممّا سمح للتخطيط الاقتصادي الطويل الأجل. · انعدام المخاطر البحرية: بما أن الإمدادات لا تعبر بحارًا، فهي لا تتأثّر بالقرصنة أو الهجمات أو التوتّرات في المضائق أو المناطق الساخنة. ولم تكن هناك حاجة إلى تأمينٍ بحري مكلف أو إلى تغيير مسارات السفن. · العلاقات الاستراتيجية: روسيا وأوروبا كانتا ترتبطان بشبكة معقّدة من المصالح المتبادلة، حيث كانت أوروبا بحاجة إلى الطاقة الروسية، وروسيا بحاجة إلى الأسواق والعملة الصعبة الأوروبية.
هذا النموذج، الذي وُصف أحيانًا بـ"أوروبا البرّية"، مثّل حقبةً من الاستقرار والرخاء النسبيّين، حيث تمكّنت ألمانيا، على وجه الخصوص، من بناء نموذجٍ صناعيٍّ ناجحٍ يعتمد على الطاقة الرخيصة والمستقرة. لكنّ هذه الحقبة انتهت بشكلٍ مفاجئٍ وحاسم في العام 2022، حين قرّرت أوروبا، تحت ضغوط سياسيةٍ وأمنيةٍ شديدة، قطع إمداداتها الطاقوية من روسيا.
ثانيًا: بعد 2022 – أوروبا البحرية بين التبعية والتقلّب
مع الإعلان عن العقوبات على روسيا، وبدء الحديث عن الاستغناء عن الطاقة الروسية، بدأت أوروبا تتحوّل تدريجيًّا من نظامها الطاقوي البرّي المستقرّ إلى نظامٍ بحريٍّ جديد، قائم على استيراد الغاز الطبيعي المسال والنفط من مصادر بعيدة عبر الممرات البحرية. هذا التحوّل، الذي بدا في البداية ضروريًّا من الناحية السياسية، سرعان ما كشف عن تبعاته الاقتصادية والاستراتيجية العميقة.
أصبحت أوروبا تعتمد الآن على:
· الغاز المسال الأمريكي: الذي يُنقل عبر المحيط الأطلسي في ناقلاتٍ عملاقة، ويتطلّب بنيةً تحتيةً لاستقباله وإعادة تحويله إلى غازٍ صالحٍ للاستخدام. تكلفة الغاز المسال، حتى في أفضل الظروف، أعلى بكثير من تكلفة الغاز المنقول عبر الأنابيب. · الغاز القطري: الذي يأتي عبر البحر الأحمر ومن ثم قناة السويس أو عبر طريق رأس الرجاء الصالح، في رحلةٍ طويلةٍ ومكلفةٍ ومحفوفةٍ بالمخاطر. · النفط البحري: الذي تعرّضنا لمخاطر ارتفاع أسعار التأمين وتغيير المسارات والتهديدات العسكرية.
النتيجة كانت تحوّل أوروبا من قارّةٍ برّيةٍ مستقلةٍ طاقويًّا، إلى قارّةٍ بحريةٍ تابعةٍ لموردين بعيدين، وتخضع لتقلّبات سوق النفط العالمية ولمخاطر الممرات البحرية. في آب/أغسطس 2026، أصبحت أوروبا تدفع ما بين 130 و200 دولارًا للبرميل البحري، مقارنةً بـ40-60 دولارًا التي كانت تدفعها في العقد السابق. هذا الارتفاع الهائل في التكاليف الطاقوية ليس مجرّد رقمٍ في الميزانيات، بل هو تحوّل بنيويّ يُعيد تشكيل الاقتصاد الأوروبي من جذوره.
ثالثًا: النتائج البنيوية – انهيار تدريجي لمنظومة القوة الأوروبية
إنّ التحوّل الطاقوي الأوروبي، من البرّ إلى البحر، ليس ظاهرةً عابرةً، بل هو صدمةٌ بنيويةٌ ستترك آثارها لعقودٍ قادمة. من بين هذه الآثار الناتجة، نذكر:
1. تراجع الصناعة الألمانية: ألمانيا، التي كانت القلب النابض للصناعة الأوروبية، تعتمد على الطاقة الرخيصة والمستقرة. مع ارتفاع تكاليف الطاقة بشكلٍ دراماتيكي، أصبحت المصانع الألمانية غير قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية، وبدأت عمليات نقل الإنتاج إلى خارج أوروبا، أو تسريح العمال، أو الإغلاق الكامل لبعض المصانع التقليدية. هذا التراجع الصناعي له تداعياتٌ اجتماعيةٌ واقتصاديةٌ وسياسيةٌ هائلة على ألمانيا وأوروبا كلها. 2. تضخم طاقوي مزمن: ارتفاع تكاليف الطاقة ينعكس على كلّ جوانب الاقتصاد، من أسعار المواد الغذائية إلى تكاليف النقل والخدمات. أصبح التضخم المدفوع بالطاقة ظاهرةً مزمنةً في الاقتصاد الأوروبي، ممّا يُضعف القدرة الشرائية للمواطنين، ويزيد من عدم المساواة الاجتماعية، ويُقلّص الإنفاق الحكومي على الخدمات العامة. 3. ضغط اجتماعي واسع: مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع فرص العمل، بدأت المظاهرات والاحتجاجات الاجتماعية تتصاعد في العديد من الدول الأوروبية. المواطنون الأوروبيون، الذين اعتادوا على مستوى معيشة مرتفع، بدأوا يشعرون بتراجعٍ حادٍّ في جودة حياتهم، ويبحثون عن جهاتٍ يتحمّلونها مسؤولية تدهور أوضاعهم. 4. تراجع القدرة على دعم أوكرانيا: الحرب في أوكرانيا، التي كانت سببًا مباشرًا في قطع الإمدادات الروسية، أصبحت تشكّل عبئًا مزدوجًا على أوروبا. فهي من جهة تتحمّل تكاليفَ اللجوء والمساعدات العسكرية والمالية لأوكرانيا، ومن جهة أخرى تتحمّل تكاليفَ أزمة الطاقة التي نتجت عن العقوبات. مع تراجع الاقتصاد الأوروبي، بدأت قدرة الدول الأوروبية على دعم أوكرانيا تتراجع بشكلٍ ملحوظ. 5. صعود تيارات سياسية معارضة للإنفاق الخارجي: في العديد من الدول الأوروبية، بدأت تياراتٌ سياسيةٌ تطالب بوقف الإنفاق على أوكرانيا، وإعادة توجيه الموارد نحو دعم المواطنين المتضرّرين من أزمة الطاقة. هذه التيارات، التي كانت تُعتبر سابقًا هامشية، بدأت تكتسبُ قوةً في البرلمانات والحكومات، ممّا يُهدّد وحدة الموقف الأوروبي تجاه الأزمة الأوكرانية. 6. انكماش اقتصادي يقترب من الركود: كلّ هذه العوامل تُؤدّي إلى توقّعات بانكماش الاقتصاد الأوروبي، ودخوله في حالةٍ من الركود المزمن أو شبه الركود. هذا الركود ليس مجرّد دورةٍ اقتصاديةٍ عابرة، بل هو انعكاسٌ لضعفٍ بنيويٍّ في نموذج النمو الأوروبي، الذي اعتمد لعقودٍ على الطاقة الرخيصة المستقرة.
……..
روسيا – الدولة التي تربح من كلّ اضطراب
أولاً: الموقع الاستراتيجي – خارج دوامة المخاطر البحرية
في مقابل ضعف أوروبا وتراجعها، تقف روسيا في موقعٍ استراتيجيٍّ غير مسبوق منذ انهيار الاتحاد السوفيتي. هذا الموقع لا يعود إلى قوّة روسيا العسكرية أو نفوذها السياسي فحسب، بل يعود إلى قدرتها على توظيف جغرافيتها وثرواتها الطاقوية في خدمة مصالحها الوطنية، ولعب دورٍ محوريٍّ في إعادة تشكيل النظام العالمي للطاقة.
روسيا هي أكبر دولةٍ في العالم من حيث المساحة، وتمتلك ثاني أكبر احتياطيٍّ من الغاز الطبيعي، وسابع أكبر احتياطيٍّ من النفط. هذه الثروات الهائلة، التي تنتشر من غرب سيبيريا إلى القطب الشمالي، تُشكّل أداةً استراتيجيةً للتأثير على الأسواق العالمية، ولبناء تحالفات، وتثبيت النفوذ. لكنّ أهميّة روسيا لا تأتي من حجم احتياطياتها فقط، بل من موقعها الجغرافي الفريد الذي يسمح لها بتصدير الطاقة عبر قنوات متعدّدة:
· القنوات البرّية: إلى أوروبا والصين، عبر شبكةٍ واسعةٍ من الأنابيب التي تتجاوز البحار والمضائق المهدّدة. · القنوات القطبية: إلى آسيا، عبر طريق الشمال البحري الذي أصبح متاحًا بفضل التغيّر المناخي والتكنولوجيا الروسية المتقدّمة في كسر الجليد. · القنوات البحرية التقليدية: عبر موانئها على البحر الأسود وبحر البلطيق والمحيط الهادئ، مع الاستفادة من أسطولها التجاري والعسكري.
هذا التنوّع الجغرافي يمنح روسيا مرونةً استراتيجيةً لا تتوفّر لأيّ دولةٍ مصدّرةٍ للطاقة أخرى، ويسمح لها بتحويل أيّ أزمةٍ بحريةٍ في أيّ جزءٍ من العالم إلى مكسبٍ إضافي، لأنّ بدائلها البرّية والقطبية تبقى في مأمنٍ من تلك الأزمات.
ثانيًا: العملاء المخلصون – الصين والهند كمنطقة أمان طاقوي
في عالمٍ يتّسم باضطرابٍ مستمرّ، تحتاج الدول المنتجة للطاقة إلى عملاء مخلصين ومستقرّين، يضمنون لها تدفقًا نقديًّا مستمرًّا، ويشترون كمياتٍ كبيرةً من النفط والغاز بعقودٍ طويلة الأجل. الصين والهند تمثّلان هذا النموذج من العملاء المثاليّين، والأساسيّين لروسيا في المرحلة الحالية.
الصين، كما أسلفنا، تحصل على النفط والغاز الروسيين بأسعارٍ مخفّضةٍ نسبيًّا، لكنّها تلتزم في المقابل بعقودٍ طويلة الأجل واستثماراتٍ في البنية التحتية والشراكات الاستراتيجية. الهند، من جهتها، تستورد النفط الروسي بكمياتٍ كبيرةٍ، وتستخدمه لتلبية احتياجاتها المحلية المتنامية، وتعتمد على موسكو كشريكٍ طاقويٍّ رئيسيّ.
هؤلاء العملاء، اللذان يمثّلان أكثر من ثلث سكان العالم وحوالي خمس الاقتصاد العالمي، يوفّران لروسيا منطقة أمانٍ طاقويّة، حيث يمكنها بيع كمياتٍ كبيرةٍ من نفطها وغازها بعيدًا عن الأسواق الغربية المضطربة. هذا يمنح روسيا القدرة على تحمّل العقوبات الغربية، ويعزّز موقفها التفاوضي في المحافل الدولية.
ثالثًا: الاستفادة من ارتفاع الأسعار – كلّ اضطراب هو مكسبٌ إضافي
في ظلّ هذا الوضع، يمكن القول إنّ روسيا هي المستفيد الأكبر من كلّ اضطرابٍ في الأسواق الطاقوية العالمية. فكلّ حادثةٍ في البحر الأحمر، أو تهديدٍ في مضيق هرمز، أو مواجهةٍ في الخليج، يُؤدّي إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز في الأسواق العالمية. وهذا الارتفاع يُترجم مباشرةً إلى إيراداتٍ إضافيةٍ لروسيا، التي تبيع نفطها وغازها بأسعارٍ مرتبطةٍ بالمؤشرات العالمية (وإن كانت بخصمٍ معيّن).
في الوقت نفسه، روسيا تحارب على جبهةٍ واحدةٍ نسبيًّا، وهي الجبهة الأوكرانية. هذه الجبهة، رغم تكاليفها العسكرية والاقتصادية، لا تُشكّل ضغطًا على البنية الطاقوية الروسية، بل على العكس، تُوفّر للكرملين شرعيةً سياسيةً داخليةً لتعبئة الموارد، وتُبعده عن الانخراط المباشر في صراعاتٍ بحريةٍ متعدّدة. وفي المقابل، الغرب يقاتل على جبهتين: جبهة أوكرانيا العسكرية، وجبهة الخليج والبحار اللوجستية، ممّا يُشتّت جهوده، ويُضاعف تكاليفه، ويُضعف فعاليّته.
إعادة تشكيل ميزان القوى العالمي – نحو نظامٍ عالميٍّ جديد
أولاً: قراءة جديدة للسلطة في عصر ما بعد النفط الرخيص
ما نشهده في آب/أغسطس 2026 ليس مجرّد أزمة طاقة عابرة، أو تقلّب في أسعار النفط يمكن أن تعقبه فترة استقرار. ما نشهده هو تحوّلٌ جذريٌّ في البنى الأساسية للقوة العالمية، تحوّلٌ تعيد فيه الطاقة تعريف نفسها، وتُعيد توزيع النفوذ بين الدول، وتُشكّل خريطةً جديدةً للتحالفات والصراعات.
لفهم هذا التحوّل، يمكننا الاعتماد على عدساتٍ تحليليةٍ متعدّدة:
1. العدسة الجيوسياسية: الجغرافيا، التي قال بعض منظّري العولمة إنّها فقدت أهميّتها، عادت بقوةٍ لتفرض نفسها على المعادلات الاستراتيجية. الدول التي تمتلك بدائل برّيةً لاستيراد الطاقة، والتي تقع في مناطق جغرافية آمنة، والتي تتمتّع بقدرة على تنويع مصادرها، تجد نفسها في موقع قوّةٍ متزايدٍ. في المقابل، الدول التي تعتمد على الممرات البحرية المهدّدة، والتي تقع في مناطقٍ متوتّرة، تُعاني من ضعفٍ استراتيجيٍّ متزايد. 2. العدسة الاقتصادية: التحوّل الطاقوي يُحدث تغييراتٍ عميقة في هيكل الاقتصاد العالمي. أسعار الطاقة المرتفعة والمتقلّبة تُضعف الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وتُشجّع على إعادة توزيع الإنتاج العالمي، وتُغيير ميزان المدفوعات، وتُؤثّر على أسعار الصرف والتضخم والنمو. الدول التي تتعرّض لصدماتٍ طاقويةٍ عنيفة، كأوروبا، تجد نفسها في حالة تراجعٍ اقتصاديٍّ مستمرّ، بينما الدول التي تتمتّع ببدائلَ مستقرةٍ، كالصين، تواصل نموّها بوتيرةٍ ثابتةٍ نسبيًّا. 3. العدسة الاستراتيجية: التحوّل الطاقوي يُعيد تعريف الأمن القومي للدول. لم يعد الأمن القومي يُقاس بعدد الدبابات والطائرات، بل يقاس بقدرة الدولة على تأمين احتياجاتها الطاقوية الحيوية في وجه التهديدات المتعدّدة. الدول التي تستطيع بناء أنظمة طاقوية مرنة ومتنوّعة ومستقلة تكون أكثر أمنًا واستقرارًا، بينما الدول التي تبقى رهينةً لممرّات بحرية مهدّدة تكون أكثر عرضةً للابتزاز والضغوط.
ثانيًا: معادلة القوى الجديدة – قراءة في المشهد العالمي
في ضوء التحليل السابق، يمكننا رسم معادلةٍ جديدةٍ للقوى العالمية في صيف 2026:
· الغرب يدفع ثمن البحر: الولايات المتحدة وأوروبا، رغم قوّتيهما العسكرية والمالية، تُعانيان من تبعيةٍ طاقويةٍ بحريةٍ تُكلّفهما ثمًّا باهظًا. أمريكا، التي كانت يومًا ما دولةً مصدّرةً للنفط، عادت لتُصبح مستوردًا صافيًا في بعض الفترات، وتعتمد على خطوط إمدادٍ بحريةٍ طويلةٍ ومهدّدة. أوروبا، كما رأينا، تعيش أزمةً بنيويةً جرّاء قطع إمداداتها البرّية، وتحوّلها إلى نظامٍ بحريٍّ مكلفٍ ومتقلّب. · الصين تدفع ثمن الأنابيب: الصين تستثمر في البنية التحتية البرّية والقطبية، وتبني نظامًا طاقويًّا بديلاً قائمًا على التعاون مع روسيا ومصادر الطاقة المتجددة والطاقة النووية المتقدّمة. هذا النظام يوفّر للصين استقرارًا وتنافسيةً، ويُحسّن موقعها في النظام العالمي. · روسيا تربح من كلّ اضطراب: روسيا تستفيد من موقعها الجغرافي الفريد وثرواتها الطاقوية ومن ارتفاع أسعار النفط والغاز العالمية. كما تستفيد من العلاقات الاستراتيجية مع الصين والهند، ومن قدرتها على تجاوز العقوبات عبر قنوات بديلة. · أوروبا تتراجع: أوروبا تعيش أزمةً بنيويةً جرّاء التحوّل الطاقوي، وتواجه ركودًا اقتصاديًّا، وضغطًا اجتماعيًّا، وتصاعدًا للتيارات السياسية المتطرّفة، وتراجعًا في قدرتها على التأثير في الشؤون الدولية. · أمريكا تواجه ركودًا يقترب: الولايات المتحدة، رغم قوّتها العسكرية والمالية، تواجه تحدّياتٍ اقتصاديةً كبيرةً جرّاء التضخم وارتفاع تكاليف الطاقة، ممّا يُهدّد نموّها ويُضعف قدرتها على المنافسة مع الصين. · أوكرانيا تخسر لأن داعميها يتعبون: أوكرانيا، التي تعتمد على الدعم الغربي في حربها مع روسيا، بدأت تفقد هذا الدعم تدريجيًّا، مع تراجع القدرات الاقتصادية الأوروبية والأمريكية، ومع تصاعد الأصوات المطالبة بوقف الإنفاق الخارجي. · الخليج يتحوّل إلى ساحة إعادة تشكيل النظام الدولي: دول الخليج، التي تمتلك احتياطياتٍ هائلةً من النفط والغاز، تجد نفسها في موقعٍ استراتيجيٍّ محوريٍّ، حيث يمكنها التأثير على الأسعار العالمية، وبناء تحالفات جديدة، والاستثمار في البنى التحتية البديلة، ولعب دورٍ وسيطٍ بين الشرق والغرب.
ثالثًا: نحو نظام عالميٍّ متعدد الأقطاب – ملامح المرحلة المقبلة
ما يحدث اليوم في مجال الطاقة ليس سوى مؤشّرٍ على تحوّلٍ أوسع في النظام العالمي، تحوّلٍ من نظامٍ أحادي القطب (أو ثنائي القطب مُحدود) إلى نظامٍ متعدّد الأقطاب حقًّا. في هذا النظام الجديد، تتوزّع القوة بين عدّة مراكز: الصين، روسيا، الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي (رغم تراجعه)، الهند، ودول الخليج.
هذا التعدّد القطبي لا يعني بالضرورة توازنًا أو استقرارًا، بل قد يعني صراعًا متصاعدًا، وتنافسًا محتدمًا، وتحالفات متغيّرة، ومناطق نفوذ متداخلة. لكنّه في كلّ الأحوال يُعيد تشكيل قواعد اللعبة الدولية، ويُخرج العالم من هيمنةٍ غربيةٍ استمرّت قرونًا، ويفتح الباب أمام نماذجَ جديدةٍ من التنظيم الدولي.
زمنٌ يتغيّر من تحت أقدام الغرب
في ختام هذا التحليل الموسّع، يمكننا العودة إلى السؤال الذي افتتحنا به هذا المقال: ما دلالة الفارق بين السعر الرسمي للنفط وسعره الفعلي في البحار؟ الإجابة، كما حاولنا أن نبيّن، ليست مجرّد فارقٍ ماليٍّ عابر، بل هي فارقٌ حضاريٌّ بالمعنى العميق للكلمة. إنّ هذا الفارق يكشف عن هشاشة البنية الطاقوية الغربية، وعن صعود الجغرافيا البرّية الصينية، وعن قوّة الأنابيب الروسية، وعن ضعف الممرات البحرية الغربية، وعن تحوّل البحار إلى ساحات ضغط، وعن تحوّل القطب الشمالي إلى طريقٍ بديلٍ استراتيجي، وعن تحوّل الطاقة إلى بنيةٍ لإعادة تشكيل النظام الدولي.
إنّ الفجوة بين عالمٍ يعيش على الورق والأرقام الافتراضية، وعالمٍ يُسعّر الطاقة وفق منطق الحرب والمخاطر، هي فجوةٌ تتّسع يومًا بعد يوم، وتُعيد رسم خريطة النفوذ العالمي. أوروبا التي قطعت شريانها الطاقوي، والولايات المتحدة التي تواجه ركودًا، والصين التي تبني عالمًا طاقويًّا بديلاً، وروسيا التي تربح من كلّ اضطراب، جميعها تُشكّل فصولًا من قصةٍ واحدةٍ هي قصة تحوّل بنى القوة في القرن الحادي والعشرين.
في هذا الزمن المتغيّر، لم تعد الجغرافيا مجرّد خلفيةٍ صامتةٍ للأحداث، بل أصبحت فاعلًا رئيسيًّا في تشكيلها. لم تعد الطاقة مجرّد سلعةٍ تُباع وتُشترى، بل أصبحت سلاحًا وأداةً واستراتيجيةً وجودية. لم يعد النفط مجرّد وقودٍ يحرّك المحركات، بل أصبح وقودًا للسياسات، ومحرّكًا للتاريخ، ومفتاحًا لفهم الحاضر واستشراف المستقبل.
إنّ النظام العالمي الذي كان قائمًا على هيمنةٍ غربية، مدعومةٍ بالقوة العسكرية والنفوذ الاقتصادي، بدأ يتفكّك من تحت أقدام القوى الكبرى. وفي مكانه، يولد نظامٌ جديدٌ متعدّد الأقطاب، تتوزّع فيه القوى بين مراكزَ متعدّدة، وتُعاد فيه تعريف مفاهيم الأمن والرخاء والسلطة. وهذا النظام الجديد، رغم عدم استقراره، يحمل في طيّاته وعدًا بتنوّعٍ أكبر، وفرصٍ جديدة، وإعادة توزيعٍ للثروة والنفوذ بما يتناسب مع وقائع الجغرافيا والديموغرافيا والتكنولوجيا.
يمكن القول إنّ تحوّلات الطاقة بين البحر والبرّ ليست مجرّد ظاهرةٍ اقتصاديةٍ عابرة، بل هي انعكاسٌ لتحوّلاتٍ أعمق في بنى القوة العالمية. إنّها تذكيرٌ بأنّ التاريخ لم ينته، وأنّ الجغرافيا لم تمُت، وأنّ البشرية ما زالت في رحلتها الطويلة نحو إعادة اكتشاف ذاتها، وإعادة توزيع ثرواتها، وإعادة تشكيل مصائرها. وفي هذه الرحلة، ستظلّ الطاقة واحدةً من أهمّ محرّكات التغيير، وأحد أبرز مفاتيح فهم عالمنا المتغيّر.
…….
قائمة المراجع الأساسية
· الاطلاع على تقارير وكالات الطاقة الدولية (IEA، OPEC، EIA)، وتقارير البنوك الاستثمارية الكبرى، وتحليلات مراكز الأبحاث الاستراتيجية المتخصصة في شؤون الطاقة والأمن العالمي.
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حين تتحدث الحقائق الاقتصادية: قراءة في سردية الانهيار الإيرا
...
-
الفروق البنيوية بين اليمين الحاكم و المتطرف، واليسار في فرنس
...
-
المغناطيس الصيني والطاقة الأبدية: كيف غيّرت الصين قواعد الحض
...
-
مسرحية -أوهام على شاطئ بونتوس-.... تراجيكوميديا في ثلاثة فصو
...
-
قاعدة العديد ... أو كواليس توزيع البضاعة الفاسدة- مسرحية كوم
...
-
مذكرات كاتب في بلاد الرمال الذهبية- رواية ساخرة
-
مسرحية: رقعة شطرنج مكسورة .. مهزلة جيوسياسية في ستة مشاهد
-
الاختطاف العسكري للرئيس الفنزويلي والاستيلاء على عائدات النف
...
-
تحليل قانوني لعزل ترامب وملاحقته الجنائية في ولايته الثانية
-
تمهيد لروايتي : اطلس الضحكة الأخيرة
-
تطبيق مفهوم الحصار كجريمة حرب على اليمن وكوبا – تحليل قانوني
...
-
الحظر اليمني على مرور السفن السعودية في باب المندب: قراءة بن
...
-
مسرحية -شهادة ميلاد ألمانية-..كوميديا سوداء في فصلين عن عقدة
...
-
كيف تتحول بروكسل إلى هوليوود والاتحاد الأوروبي إلى فيلم رعب
...
-
-بروكسل – مدينة الضمائر المعلّقة-..كوميديا سياسية سوداء في ث
...
-
الاتحاد الأوروبي: قوة رجعية؟ دراسة في البنية السياسية والاقت
...
-
مفوضية بروكسل الضاحكة : كوميديا دستورية في عدة لوحات
-
مقدمة كتابي الصادر اليوم : حروب الوعي: كيف صُنعت الطاعة وكيف
...
-
الجمهورية الأوروبية الضاحكة: مسرحية ساخرة في أربعة فصول وديو
...
-
مسرحية -كَيْفَ تُبَيِّضُ وَجْهَكَ يَا بَتْرُودُولَار؟-
المزيد.....
-
-مروحية سورية تقتحم أجواء العراق قبل انسحابها بسبب نيران الح
...
-
شاهد لحظة اصطدام مروحيتي إطفاء حرائق في اليونان
-
مشاهد متداولة لأخطبوط يقبض على ظهر رجل تصيب الآلاف بالرعب
-
بعد تصاعد التكهنات.. مصر توجه رسالة حاسمة بشأن حادث استهداف
...
-
الشرع: تأثرت بالخطاب القومي العربي وفيه أشياء مشتركة مع الخط
...
-
ملادينوف: الضربات الإسرائيلية على غزة تتواصل رغم موافقة الفص
...
-
السلطات السورية تعلن تفكيك عبوة ناسفة كانت معدة للتفجير في إ
...
-
أب أمريكي يقتل رضيعه باستخدام جهاز نفخ الأوراق.. والسبب صادم
...
-
مشروع لحماية الملاحة أم بداية لنظام أمني إقليمي جديد.. ماذا
...
-
بن فرحان يؤكد لعراقجي حرص بلاده على إحلال الأمن والاستقرار ب
...
المزيد.....
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
المزيد.....
|