|
|
ج2/كيف ولدت السريانية وهل كلمات؛ قرآن، رحمن، نعمة، وجنة سريانية فعلا؟
علاء اللامي
الحوار المتمدن-العدد: 8785 - 2026 / 8 / 2 - 10:18
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
نواصل في هذا الجزء، وهو الثاني والأخير، متابعتنا النقدية لمحتويات البودكاست الذي يحمل عنوان؛ الكلمات السريانية في القرآن. ماذا تكشف مخطوطات صنعاء؟ طرائف عشوائية: ومن طريف ما روته المتحدثة، والذي يعطينا فكرة واضحة عن صدقيتها ومستواها العلمي، إنها دخلت جامعاً إسلاميا في الهند، وهناك عرضوا عليها مخطوطة للقرآن، وسألوها عن "اللغة القرآن". تقول: "فقلنا لهم، لأننا من (المدل إيست) "منطقة الشرق الأوسط"، إنها كتبت باللغة العربية"، فقالوا لنا" لا مش مزبوط، هي خليط من العربي والآرامي. فأنا انصدمت". وتضيف "وبرافو على الهنود لأنهم مش عرب وما عندهم الأديولوجي الموجودة في راس العرب لأنه ما فيك (لا تستطيع) تقول إنه لغة القرآن مش عربية كأنك عَم تكفر"! والمبالغة والخلط هنا واضحان، فالقول إن "لغة القرآن ليست عربية" شيء، والقول إنّ من الممكن كتابة القرآن بلغة غير عربية" شيء آخر ومختلف. إن تحريم كتابة القرآن بأية لغة أخرى غير العربية دافعه الأول ألسني علمي هو تفادي الإخلال والتحريف في لفظه، فيتبعهما تغير وفساد في معناه. وهذا ما قالته لجنة الفتوى في الأزهر عن كتابة القرآن بالحروف اللاتينية فكان نص جوابها: "لا شك أن الحروف اللاتينية المعروفة خالية من عدة حروف توافق العربية فلا تؤدي جميع ما تؤديه الحروف العربية، فلو كتب القرآن الكريم بها على طريقة النظم العربي لوقع الإخلال والتحريف في لفظه ويتبعهما تغير المعنى وفساده، وقد قضت نصوص الشريعة بأن يصان القرآن الكريم من كل ما يعرضه للتبديل والتحريف". أما القول إن لغة القرآن سريانية وليست عربية فهو مرفوض لأنه خطأ من الناحية العلمية أولاً، ولأنه -ثانياً - يتناقض مع النص القرآن نفسه الذي كرر في أكثر موضع أنه عربي (إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون/ يوسف 2)، و (بلسان عربي مبين/الشعراء 195)، وغير ذلك. تكثر المتحدثة من استخدام متقابلات نحن وهم، نحن السريان وهم العرب حتى في كتابة القرآن على الورق. وتأتينا بمعلومة تقول إن "القرآن أول كتاب عربي كتب على ورق، والأكيد أخذوا الكتابة على الورق من عندنا"، وتقصد من السريان! مع العلم أن أقدم مصحف قرآني عثر عليه مكتوب على رق جلدي وليس على ورق. فأقدم المصاحف القرآنية - كما سجلت في إحدى دراسات كتابي "نقد الجغرافيا التوراتية خارج فلسطين - دار الانتشار العربي بيروت 2021" ونشرت أيضا في مجلة الآداب- هو ذاك الذي توجد بقايا منه في مكتبة برلين. وقد أكد العلماء السويسريون المتخصصون بعد فحص الرق الجلدي الذي كتبت عليه تلك الأجزاء بواسطة الكاربون المشع، أنه كتب على الأرجح بعد حوالي ثمانية عشر عاما على وفاة النبي العربي الكريم. والمصحف القرآني الموجود في جامعة برمنغهام البريطانية والعائد للفترة التاريخية نفسها تقريبا (2). هل كلمة (قرآن) سريانية؟ من الكلمات التي توقفت عندنا السيدة المتحدثة كلمة قرآن نفسها. وقالت إنها كلمة سريانية بدليل وجود كتاب سرياني للصلاة اسمه قريانا! والمتحدثة ربما تجهل أصل كلمة قرآن في اللغة العربية ومن أين جاءت. ربما تكون قد سمعت بهذه المعلومة حول الأصل السرياني لكلمة "قرآن" التي قال بها الباحث الألماني كريستوف لوكسنبرغ (اسم مستعار لباحث ألماني في اللغات الساميات والإسلاميات) في كتابه (قراءة آرامية سريانية للقرآن: مساهمة في تفكيك شفرة لغة القرآن) الصادر سنة 2000، ولكن هذا الرأي ظل هامشيا لا يعتد به علميا. وقد تعرض لوكسنبرغ لانتقادات علمية لاذعة من مستشرقين بارزين مثل فرانسوا دي بلوا وغلين بويرسوك، ووُصفت فرضياته بأنها سطحية وكلام هواة فقير علميا وخصوصا في اللسانيات. ونذكر إنه هو أول من فسَّر عبارة (حور العين) القرآنية بأنها تعني (العنب الأبيض) السريانية والتي كررتها المتحدثة في البودكاست وهذا ما يؤكد أنها تنهل معلوماتها من أقوال هذا الشخص "الهاوي" على حد تعبير باحث رصين مثل دي بلوا! أما المؤرخ الأمريكي البارز غلين بويرسوك، الأستاذ الفخري في معهد الدراسات المتقدمة في برينستون ورئيس قسم الدراسات الكلاسيكية السابق في جامعة هارفارد، فقد انتقد أطروحة كريستوف لوكسنبرغ واعتبرها غير علمية وتتأسس على التخمين الكلي والظنون. وقد سبق لوكسنبرغ مستشرق آخر هو جوزيف شافالي الذي قال بأن كلمة قرآن آتية من الكلمة السريانية "قريانا"، وهي المعلومة التي كررتها المتحدثة، غير أن نظريته حول الأصول السريانية لبعض ألفاظ القرآن قوبلت أيضا بنقد أكاديمي واسع من مختصين باللغات السامية نظراً لضعف منهجيتها. عروبة كلمة "قرآن" أما القائلون بعروبة الكلمة فيذهبون إلى أنها عربية قديمة وجذرها الثلاثي (ق. ر. أ). وهناك إشارات قديمة للاشتقاق من الفعل قرأ من قبل العرب قبل قرنين من الدعوة الإسلامية. والشاهد اللغوي على ذلك ورود واحد من مشتقاته هذا الجذر في شعر عبيد بن عبد العزى السلمي الأزدي (ت 85 ق.هـ 537 م) أي أنه توفي قبل قرن من عام الهجرة (622م). أضف إلى القرن تخمينا نصف قرن آخر قبل موت الشاعر حين قال القصيدة يصف ما فعلته الأنواء الجوية من رياح عاصفة وأمطار بديار حبيبته (3). وهذا هو الرأي الأرجح بين أربع أراء رئيسة حول أصل كلمة قرآن (4). كلمات قرآنية سريانية أخرى وتضيف المتحدثة إن كلمة رحمن سريانية لأن السريان لا يكتبون الألف في وسط الكلمة وكلمة (نعمة) تكتب في المصحف القرآني "نعمت" فهي سريانية لأننا في السريانية لا نستعمل التاء المربوطة. وهي تجهل أن هناك فرقا كبيراً وثابتاً يُعرف علمياً بالفرق بين "الرسم العثماني" (الخاص بالمصحف القرآني) و"الرسم الإملائي" العادي الذي نكتب به اليوم. ولا يخص كلمة نعمت فقط بل هناك العشرات من هذا النوع من الكلمات. -وتضيف؛ كلمة (بسم) في "بسم الله الرحمن الرحيم" سريانية لأننا في السريانية نقول بشم ألوهو ... وكلمة الله في العربية لا تكتب بالألف فهي سريانية. المتحدثة تجهل حتى أبسط قواعد الإملاء العربي ولا تعرف أن شبه الجملة "بسم" لها شروط خاصة تكتب بها بالألف حين تكون البسملة ناقصة (باسم الله) أو حين تأتي بعد اسم (نبدأ باسم الله) أو حين ترتبط بضمير كقولنا (باسمك اللهم) وأحيانا من دونه كما في البسملة الكاملة! -جنة كلمة سريانية مئة بالمئة وهي گنتو "بالقاف الحميرية أي الجيم القاهرية" وتعني بستان. وهذه كلمة مشتركة بين اللغات السامية الشقيقة ولا عجب في ذلك وثمة منها المئات جمعها العلامة العراقي في كتاب معجمي عنوانه "من تراثنا اللغوي القديم: ما يسمى في العربية بالدخيل"، صدر عن المجمع العلمي العراقي عام 1980وفند فيه أن هذه الكلمات دخيلة بل هي شقيقة وذات جذور مشتركة مع العربية. وهناك معلومات ومداخلات أخرى أكثر عشوائية وكاريكاتورية من هذه النماذج التي يمكن الرد عليها ليس بقصد النفي فهي لا يمكن ان تؤخذ بجدية أساسا بل بوضعها في سياقها العلمي الصحيح. إن هذا السياق الذي يعتمده كاتب هذه السطور ينظر إلى اللغات العربية والآرامية بلهجاتها المختلفة ومنها النبطية والسريانية والمندائية ...إلخ، واللغة الكنعانية بلهجاتها المختلفة واللغة الأكدية بلهجتيها الآشورية والبابلية الجنوبية على أنها لغات ولهجات شقيقة ذات أصل واحد ومن أسرة واحدة سماها العلماء أسرة اللغات السامية وعلى هذا فليس من المفاجئ والجديد وجود متشابهات وحتى متطابقات معجمية وقواعدية ونبرية بينها. الأصل المشترك للغات شقيقة إن هذا الأصل المشترك لهذه اللغات الشقيقة هو ما يفسر وجود المئات من الكلمات وجذور الكلمات المشتركة والقواعد النحوية اللغوية المشتركة وليس فهذا التشابه والتزاوج في المعاني والألفاظ أي شيء خارق وعجيب بل هو أمر طبيعي جدا كما أن التشابه بين الكتب المقدسة بين الديانات الإبراهيمية الثلاثة هو امر مفهوم في ضوء البيئة الجغرافية والإناسية والعاطفية المشتركة لشعوب المنطقة الشقيقة أو هي تمظهرات مختلفة لأصل انثروبولوجي واحد. ولهذا فإن هذا التشابه والتماثل لا ينبغي أن يسمح بترويج معادلات وشعارات حزبية عدائية ومتعادية من قبيل "نحن وهم" و"نحن الأصل وهم أخذوا عنا، ونحن أفضل منهم وأكثر تحضرا وهم بدو متخلفون". أعتقد ان من يلوكون هذه المعلومات في البودكاسات المنتشرة كالجراد في أيامنا يسيئون إساءة بالغة للمنهج العلمي في الدراسات اللغوية واللسانية والنحوية ويرتكبون أخطاء فادحة لا مبرر لها وكان حري بهم لو أتعبوا أنفسهم ودرسوا هذه العلوم بالغة الدقة والتخصص أو أن يسكتوا فلا يفضحوا جهلهم أمام الجمهور. وأخيرا فلم نسمع من المتحدثة شيئاً مهماً ومفصلاً عما أعلنته في عنوان البودكاست حول وجود "مخطوطات صنعاء" للقرآن بالأبجدية العربية غير المنقوطة (غير المعجمة) والتي هي في رأيها الأبجدية الآرامية! ومع أنني شاهدت بعض الصور لصفحات من مخطوطات صنعاء القرآنية العربية الجميلة ودهشت لوضوحها وأنه من الممكن قراءتها بالرغم من أنها غير مُعَجَّمة / الصورة، ولكني أردت مراجعة المعلومة فسألت عنها الموسوعات المفتوحة ومواقع الذكاء الاصطناعي إن كانت هذه المخطوطات مكتوبة بالحروف الآرامية أو ربما كان هناك باحثون يعتقدون بهذه الفرضية فجاءني الجواب التالي: "الخطوط في مخطوطات صنعاء للقرآن عربية خالصة وليست آرامية. وهي تحديداً بالخط الحجازي والكوفي، هي حروف عربية بالكامل. هي الحروف نفسها التي نكتب بها اليوم، وتعبّر عن النظام الصوتي للغة العربية (مثل وجود حروف الخاء، والضاد، والظاء، والذال التي لا توجد في الأبجديات الآرامية). القارئ الآرامي أو السرياني لا يمكنه قراءة مخطوطات صنعاء، بينما القارئ العربي يمكنه ذلك". إن السريانية ليست هوية قومية جديدة بل هي اسم جديد للهوية الآرامية ذاتها ولكن في طورها المسيحي كما أسلفنا. وتعد اشتقاقا من سوريا التي اشتقت بدورها من دولة رافدانية هي آشوريا. وقد توقفت عند هذا المفصل المهم من الموضوع في دراسة سابقة سألخصها في الأسطر التالية: بدايات التوثيق لمصطلح "السريان" ربما يكون كتاب الراهب الموصلي يعقوب الكلداني المطبوع سنة 1900، في مطبعة دير الآباء الدومنكيين بالموصل، تحت عنوان «دليل الراغبين في لغة الآراميين» من أوائل الكتب التي تطرقت في العصر الحديث إلى أصول السريان وعلاقتهم بغيرهم. في هذا الكتاب - المكتوب باللغة العربية كمعجم آرامي عربي ولكنه لا يخلو من فقرات ومقتبسات باللغة السريانية من دون ترجمة - يكرر الكلداني في مقدمته ما بات في عداد البديهيات في زماننا من أن "جميع البلاد المعروفة بالسريانية سواء كانت شرقية أم غربية كانت معروفة في قديم الزمان بالآرامية، وهذه كانت تسميتها الحقيقية...، قد اختلفت آراء العلماء في لفظة سوريا التي منها سُمّي السريان أي اختلاف. فلقد ذهب البعض منهم لا سيما العلماء في أصل لفظة سوريا مشتقة من آثور أو آشور، اشتقها اليونانيون بعد استيلاء ملوك الآثوريين على الديار الشامية/ - الكلداني يعقوب - دليل الراغبين في لغة الآراميين – ط1 – سنة 1900 -مطبعة الآباء الدومنيكان – الموصل – ص9". ويخلص الراهب الكلداني إلى ثلاث خلاصات سأدرجها أدناه بحرفها لأهميتها: 1-"إن السريان عموماً، شرقيين أم غربيين، لم يكونوا في قديم الزمان يسمّون سرياناً بل آراميين نسبة إلى جدّهم آرام بن سام بن نوح". 2- إن اسم السريان لا يمكن أن يرتقي عهده عندهم إلى أكثر من أربعمائة أو خمسمائة سنة قبل التاريخ المسيحي خلافاً لمن يحاول أن يجعل اسم السريان أصلاً للآراميين. 3- الخلاصة الأخيرة والتي تهمنا هنا فيقول فيها الراهب الكلداني: "إنَّ اسم السريان لم يدخل على الآراميين الشرقيين أي الكلدان والآثوريين إلا بعد المسيح على يد الرسل الذين تلمذوا هذه الديار، لأنهم كانوا شديدي التمسك بالدين المسيحي الحق، أحبوا أن يسموا باسم مبشريهم، فتركوا اسمهم القديم واتخذوا اسم السريان ليمتازوا عن بني جنسهم الآراميين الوثنيين، ولذا أضحت لفظة الآرامي مرادفة للفظة الصابئي والوثني ولفظة السرياني مرادفة للمسيحي والنصراني إلى اليوم/ م.س". تعليل اسم السريان إن الخلاصة التي يمكن أن نخرج بها من كلام يعقوب الكلداني، إضافة إلى إرجاعه أصل كلمة السريان إلى سوريا، هو أن اللغة أو اللهجة الغربية "الرهاوية" التي سميت السريانية لا وجود لها شرقاً، أي في بلاد الرافدين، حيث تسود ما سماها الكلداني «الآرامية الصحية الفصيحة القديمة»، واعتبر اللهجة الغربية «السريانية» لهجة آرامية فاسدة. ويبدو السجال المذهبي الطائفي بين مكونات الإقليم الشرقي والغربي -الكاثوليكي والأرثوذكسي- بارزاً هنا. والملاحظ أيضاً أن المسيحيين العراقيين/ وعلى اختلاف طوائفهم، نادراً ما يستعملون تسمية أو صفة السريان. نترك كتاب الراهب يعقوب الكلداني الموصلي، وننتقل إلى موصلي آخر هو عالم آثار متخصص ومؤرخ وكلداني أيضاً هو د. بهنام أبو الصوف (ت 2012)، والذي يعترض بدءاً على اعتبار «الكلدان» قومية (إثنية) بل هم في نظره مسيحيون نساطرة قدماء، ومن الأتباع الأوائل ليسوع المسيح، ولكنهم من أصل آرامي، وقد تمت «كثلكة» قسم كبير منهم بمختلف الأساليب في القرن الخامس عشر بتدخل من روما، وأطلق عليهم البابا ليون، وربما يقصد البابا ليون العاشر في القرن السادس عشر، اسم «المسيحيين في أرض الكلدان». يضيف أبو الصوف "ولهذا يطلق بطريرك الكلدان على نفسه إلى اليوم لقب «بطريرك بابل على الكلدان/ أبو الصوف بهنام – مقالة بعنوان "عن الكلديين والكلدانيين والخطأ في التسمية"، وتسجيل صوتي لقاء معه - على مدونة " موقع الآثاري د. بهنام أبو الصوف " – الشبكة نت " أي أن الكلدانية عنده مذهب ديني وليس هوية قومية"، وهذا رأي قابل للنقاش ويثير إشكالات كثيرة أخرى. - في القرن الأول الميلادي كانت اللغتان السائدتان هما الآرامية في بلاد الشام مع اليونانية والفارسية في شرقي بلاد الرافدين وإيران وحتى مجيء الفتح العربي الإسلامي، وبدأت اللغة العربية -ومن ثم خطها- يحل محل الفارسية في شرق العراق كما صار يزاحم الآرامية بعد أن تبنى المسيحيون الجدد هذه اللغة وأطلقوا عليها السريانية. ما يهمنا في الاقتباس الأخير أن الباحث بهنام أبو الصوف يميز بين الآرامية ووريثتها السريانية، بما يذكرنا بالتفريق الذي قال به الراهب يعقوب الكلداني، حول أصل تسمية السريان ويرجعه إلى سوريا، أو «سورث» كما يستدرك أبو الصوف. خاتمة وخلاصات نخلص من كل ما سبق إلى الخلاصات التالية: إذا كان من السهل أن يجلس أي شخص أمام كاميرة هاتفه الذكي بمفرده، أو بمعية محاور آخر، ويثرثر بما شاء من طرائف وآراء فالناس جميعاً أحرار في التعبير عن أفكارهم وأنفسهم، فإن من المستحيل المساواة بين ثرثرة ترفيهية كهذه والكلام العلمي المنهجي المقيد بشروطه. وإنَّ محاولة خلط الاثنين أو تغليف الثرثرة بقشرة علموية فاسدة لا فائدة منها بل إنها قد تدخلت في باب التضليل غير المقصود إذا أحسنّا الظن. إن الخوض في غمار قضايا علمية وتخصصية من قبيل اللغات والحضارات القديمة ليس أمراً هيناً. وثمة فرق كبير بين الخبير أو المتخصص بهذه العلوم وبين المهتم بها اهتمام الإعلامي الاستقصائي كحال كاتب هذه السطور. إنَّ التخصص وحيازة لقب خبير أو باحث يتطلب في أقل تقدير شهادة علمية أكاديمية جيدة وخبرة تنقيبية عملية في خنادق الحفريات الآثارية ولغة عربية سليمة إضافة لغة أجنبية أو لغة قديمة جزيرية "سامية" أو أكثر. بكلمات أخرى لا يكفي أن يكون الشخص قادراً على أن يتكلم ويكتب بلغته أو لهجته المحلية الأم كأن تكون السريانية أو المندائية او غيرهما، ليجعل نفسه وبقرار شخصي "باحثاً وخبيرا متخصصاً في اللغات والحضارات القديمة" بلا أية شهادة أكاديمية أو خبرة بحثية وتنقيبية عملية، متكأ فحسب على عدة فيديوهات ومقالات إنشائية تخلو من أية منهجية أو توثيق أكاديمي أو مراجع ومصادر معلنة. ثم أن الحديث أو الكتابة بلغة عربية واضحة وسليمة، ولا نقول فصحى جزلة، أمر ضروري أو على الأقل يتحدث عند الضرورة بلهجة عامية أنيقة وواضحة، لا أن يتحدث في أمور لغوية معقدة بلهجة "مش مزبوط والمدل إيست"! وأخيرا، لماذا هذا الذعر والعداء للعرب والعروبة من قبل القائلين بالسريانية والهوية القومية السورية. إنْ شئتَ أن يقال عنك إنك سرياني فهذا من حقك وهي مشيئتك ورغبتك الشخصية فلا تحشرها في العلوم التخصصية وتجعل منها حقيقة مطلقة تريد فرضها كهويةٍ وحيدة وفريدة على الآخرين. فالسريانية مثلها مثل النبطية، وهما بعد هذا وذاك لهجتان من اللغة الآرامية، التي هي شقيقة اللغة العربية وكلتاهما من أسرة لغوية واحدة. ولم أتوقف هنا لضيق المجال عند رأي القائلين بأن الأنباط عرب وليسوا آراميين كالباحث الأردني زياد السلامين وآخرين من القوميين العروبيين، لأنه رأي أيديولوجي ملزوز للفخار القومي لا للمنهج البحث العلمي ولا يقوم على أدلة جديرة بالاعتبار (5). كما أنه ليس من المنهج العلمي في شيء المفاضلة بين "عرب بدو" و"سريان آراميين متحضرين"، لأن الآراميين هم في الأصل قوم بدو في القرن 12 ق. م، ولعدة قرون تلت. ثم استوطنوا الأرياف والمدن فتمدينوا، ومثلهم الأموريون بناة بابل كانوا بدواً ثم تحضروا. ومن غير الساميين كان العيلاميون والحيثيون والكيشيون والميديون والفرس الأخمينيون...إلخ بدواً. ويكاد هذا المنحى في تطور الشعوب من مرحلة البداوة إلى الاستقرار والتحضر ينطبق على غالبية الشعوب القديمة وآخرهم أتراك الأناضول. أما أن تحاول المتحدثة إرغام ملايين الناس على أن يكونوا سرياناً هويةً ولغةً وأصلاً قومياً (كما قالت في بودكاست آخر) فهذا ما لا سبيل إلى تحقيقه، وهو أمر لا سابق له ومثير للسخرية. فثمة أمور لا يمكن فرضها قسراً أو خداعاً على البشر كالحب والكره والإيمان والكفر! هوامش: *رابط يحيل إلى النص الكامل للجزء الثاني من الدراسة:
(1)رابط يحيل إلى البودكاست موضوع الدراسة: https://www.youtube.com/watch?v=Pv31PjIeFj8 (2) علما أن الورق ولا سيما المصنوع من ورق البردي قد اخترع في مصر القديمة 3000 سنة ق.م، أي قبل ظهور الأراميين ولغتهم وأبجديتهم والسريان ولهجتهم الرهاوية. فأقدم كتابات مصرية على ورق البردي هي برديات وادي الجرف (أو يوميات مرر) وتعود إلى عهد الملك خوفو (حوالي 2560 قبل الميلاد)، اما أقدم كتابات الآرامية وجدت فهي برديات الفرات بالسريانية وتعود إلى القرن الثالث الميلادي. أي بعد أكثر من 28 قرنا! وأدناه رابط دراستي في مجلة الآدب الذي ورد فيه ذِكر مخطوطات القرآن الأقدم على الرق الجلدي: https://al-adab.com/article/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%AB-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D8%AF%D9%8A%D9%91-%D8%A8%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D9%86-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A2%D9%84-%D8%B9%D9%8A%D8%B3%D9%89-%D9%86%D9%85%D9%88%D8%B0%D8%AC%D9%8B%D8%A7
(3) قال الشاعر عبيد بن عبد العزى الأزدي: فَلَـمْ يَتْرُكَا إِلَّا رُسُـوماً كَأَنَّهَـا أَسَاطِيرُ وَحْيٍ فِي قَرَاطِيسِ مُقْتَرِي المقتري = القارئ وهو مشتق من الجذر ق.ر.أ. (4) أن كلمة قرآن مشتقة من القراءة والتلاوة وهو الرأي الأشهر وقد تقدم ذكره في البيت الشعري القديم. وكلمة قرآن ليست المشتقة الوحيدة أو نادرة المثال في اللغة العربية فهي مصدر على وزن (فُعْلَان)، ومثلها غُفران من غَفَرَ وشُكران من شَكَرَ ورضوان من رضيَ، وقرآن من قرأ وقربان من التقرب إلى الآلهة، وجريان وخفقان وطيران...إلخ. 2-والثاني مشتقة من الجَمْع والضَم: كان العرب يقولون: "قرأتُ الماء في الحوض" أي جَمَعْتُهُ. وسُمي القرآن بهذا الاسم لأنه يجمع ويضم السور والآيات بين دفتيه. 3-والثالث مشتقة من الملازمة والاقتران. 4-والرابع هي عَلَمٌ مُرتجَل وهذا رأي الإمام الشافعي. (5) كنت قد ناقشت هذا الرأي بشيء من التفصيل في دراسة بعنوان "العرب والنبط والآراميون - مقاربة إناسية/ كتابي "الأندلس ودراسات أخرى في التأريخ التراث-دار فضاءات، ص 115". (6)لمزيد من التوسع في الاطلاع على الموضوع أدناه ثلاثة روابط لمقالات حول موضوع العلاقة بين الأنباط والعرب والآراميين: العرب والنبط والآراميون: مقاربة أنثروبولوجية للأصول والعلاقات وعلاقة الآشوريين والكلدان المعاصرين بالقدماء المنقرضين. 1- العرب والنبط والآراميون: مقاربة أنثروبولوجية https://www.al-akhbar.com/Opinion/344047 2-السريان والآراميون: مقاربة للأصول والعلاقات والتجليات [2/2] https://www.al-akhbar.com/Opinion/344125 3-الآشوريون والكلدان المعاصرون... سريان آراميون متأشورون! https://www.al-akhbar.com/Opinion/379228
#علاء_اللامي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ج1/ هل كُتب القرآن بالسريانية وما أصل الخطين الآرامي والعربي
...
-
سقوط آخر دويلات الفرنجة: انتصار عكا وانهيار كيان -القومون-
-
مقولة -المال مجهول المالك- في الفقهين السني والشيعي
-
سقوط آخر دويلات الفرنجة -الصليبيين-: السياق والمقدمات
-
جمهورية العتبات الدينية توقع عقودا استراتيجية كبرى مع شركات
...
-
المصطلح الاجتماسي بين الاختلاق والواقعية: -الشيعية السياسية-
...
-
تمثال الجواهري الجديد لنداء كاظم وما أثاره من جدل
-
الزيدي في البيت البيض: بداية الاحتلال الأميركي الثاني
-
تمهيد: -تفكيك المصادرات في الخطاب السلفي الانتحاري الداعشي-
-
موت السيناتور الأميركي الصهيوني المثير للجدل أخلاقيا ليندسي
...
-
-صولة الفجر- ضد الفساد: جعجعة ولا طحين والنفط العراقي في خطر
...
-
نصيحة إلى شيعة أميركا في المنطقة الخضراء ببغداد
-
أمام الزيدي ثلاثة احتمالات أحلاها علقم قبل تسليم النفط العرا
...
-
أوف سايد... الفاسدون لا يكافحون الفساد!
-
لا جديد في لبنان: العدو وأعوانه يكررون أنفسهم منذ 17 أيار 83
...
-
لماذا هذه الخسائر الفادحة للمنتخب العراقي؟
-
ج2/ رجل أميركا الجديد في بغداد: نسخة من يلتسن أم السادات؟
-
ج1/ خطة الزيدي الاقتصادية: نسخة من يلتسن أم السادات؟
-
صمود إيراني حقيقي ولكن الحرب لم تنته بعد
-
جنوب أفريقيا تطلب تأجيل النظر في قضية الإبادة الجماعية: الأس
...
المزيد.....
-
-مروحية سورية تقتحم أجواء العراق قبل انسحابها بسبب نيران الح
...
-
شاهد لحظة اصطدام مروحيتي إطفاء حرائق في اليونان
-
مشاهد متداولة لأخطبوط يقبض على ظهر رجل تصيب الآلاف بالرعب
-
بعد تصاعد التكهنات.. مصر توجه رسالة حاسمة بشأن حادث استهداف
...
-
الشرع: تأثرت بالخطاب القومي العربي وفيه أشياء مشتركة مع الخط
...
-
ملادينوف: الضربات الإسرائيلية على غزة تتواصل رغم موافقة الفص
...
-
السلطات السورية تعلن تفكيك عبوة ناسفة كانت معدة للتفجير في إ
...
-
أب أمريكي يقتل رضيعه باستخدام جهاز نفخ الأوراق.. والسبب صادم
...
-
مشروع لحماية الملاحة أم بداية لنظام أمني إقليمي جديد.. ماذا
...
-
بن فرحان يؤكد لعراقجي حرص بلاده على إحلال الأمن والاستقرار ب
...
المزيد.....
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
المزيد.....
|