أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اكرم حسين - تغيّر الخطاب الكردي في سوريا: من الفدرالية إلى الاندماج في الدولة السورية















المزيد.....

تغيّر الخطاب الكردي في سوريا: من الفدرالية إلى الاندماج في الدولة السورية


اكرم حسين

الحوار المتمدن-العدد: 8785 - 2026 / 8 / 2 - 10:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


شهد المشهد السياسي السوري خلال الأشهر الماضية تحولاً دراماتيكياً في خطاب الأحزاب والحركات الكردية في سوريا ، تمثّل في اختفاء شبه كامل لمصطلحي "الفدرالية" و"اللامركزية السياسية" من قاموسها السياسي ، ولم يكن هذا التحوّل وليد مصادفة أو مجرد تغيير في صياغات الخطاب ، بل جاء نتيجة تراكمات سياسية وميدانية حاسمة، توجتّها سلسلة من الأحداث المتسارعة في مطلع عام 2026، فرضت على الكرد إعادة حساباتهـم وتبنّي خطاب جديد يتناغم مع المعطيات المستجدة على الساحة السورية.
في الواقع، لم تكن الدعوات إلى الفدرالية أو الحكم الذاتي موسماً سياسياً عابراً في التاريخ الكردي الحديث، بل كانت تعبيراً عن رؤية سياسية نضجت خلال سنوات الحرب الطويلة، وخاصة حين تمكّنت قوات سوريا الديمقراطية من السيطرة على مناطق شاسعة في شمال وشرق البلاد، وأقامت مؤسسات موازية وإدارة ذاتية كان ينظر إليها كثيرون كنواة لكيان فيدرالي مستقبلي. لكن هذه الرؤية اصطدمت بجدار صلب بعد سقوط نظام الأسد، حين برزت إدارة انتقالية جديدة تتبنى رؤية مركزية للدولة، وتقوم على استعادة السيادة على كامل الأراضي السورية، وإعادة هيكلة المؤسسات بما يضمن وحدة البلاد وسلامتها الإقليمية، دون أي مجال لكيانات منفصلة أو صلاحيات قد تمس بجوهر الدولة الموحدة.
المفاجأة الأكبر جاءت في يناير 2026، حين تحولت المواجهة بين رؤية المركزية ورؤية اللامركزية إلى صراع عسكري مكشوف، أسفر عن تغيرات ميدانية جذرية، تمكّنت خلالها القوات الحكومية السورية من استعادة مساحات واسعة كانت خارج سيطرة الدولة لسنوات. هذا التحول في موازين القوى على الأرض، المدعوم بانسحابات دولية وتغيّر في الأولويات الإقليمية، وضع قسد أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الدخول في مفاوضات جادة مع دمشق للاندماج في الدولة، أو البقاء في موقف المواجهة الذي لم يعد يحتمل استمراراً، ومن الطبيعي أن تختار قسد الخيار الأول، في ظل انكشافها وتلاشي ظهيرها ، خاصة وأن الحكومة السورية الانتقالية كانت مستعدة لتقديم تنازلات في ملف الاندماج ، الذي سبقه اصدار المرسوم ١٣ الخاص بالحقوق الكردية ، مقابل إنهاء أي حديث عن كيان منفصل أو حكم ذاتي موسع.
هكذا، ومع التوقيع على اتفاق شامل في 30 يناير 2026، طوى الكرد صفحة الفدرالية واللامركزية السياسية بشكل نهائي تقريباً. فالاتفاق نصَّ على دمج كافة مؤسسات الإدارة الذاتية، مدنياً وعسكرياً، في مؤسسات الدولة المركزية، وإنهاء جميع أشكال الكيانات الموازية، مع وضع الموظفين والعسكريين على رواتب الحكومة في دمشق. وقد جاء هذا الاتفاق تتويجاً لفترة من المفاوضات المكثّفة، وعلامة فارقة في تاريخ العلاقة بين الدولة وقسد ، إذ أنهى جدلاً استمر لسنوات حول شكل الحكم في سوريا.
لكن اللافت في هذه المرحلة هو أن دمشق لم تكتفِ بإنهاء المطالب السياسية، بل سارعت إلى تقديم مكاسب ملموسة للكرد في المجال الثقافي واللغوي ، وكأنها تريد أن تقول لهم: نحن مستعدون لمنحكم كل حقوقكم المدنية والثقافية، لكن ضمن إطار دولة موحدة وليس عبركيانات منفصلة. فجاء المرسوم الرئاسي رقم 13 ليمنح الجنسية لآلاف الكرد الذين عانوا طويلاً من انعدام الهوية السورية ، ويعترف باللغة الكردية كلغة وطنية ، ويقرّ بنوروز عطلة رسمية. هذه الخطوات التي وصفها الكثيرون بأنها الأهم في تاريخ الكرد في سوريا، شكّلت ورقة ضغط قوية دفعت الأوساط الكردية إلى قبول شروط الاندماج، حيث وجدت نفسها أمام مكتسبات ملموسة، جعلت التمسك بمطالب الفدرالية أمراً غير واقعي وغير مجدٍ سياسياً.
أما في المجال السياسي، فكانت المشاركة الكردية في مجلس الشعب الجديد، بعد تعيين الرئيس لأعضائه في يوليو 2026، المحطة الأكثر وضوحاً في تغيّر الخطاب. فلم يعد الكرد طرفاً يتفاوض من خارج المؤسسات، بل أصبحوا جزءاً من اللعبة السياسية الداخلية، يمارسون دورهم النيابي في إطار مجلس يضم مختلف مكونات الشعب السوري ، وقد ضم المجلس شخصيات كردية من مختلف التوجهات، بما في ذلك المجلس الوطني الكردي، في مقابل استبعاد الأطراف التي كانت تتبنى خطاباً أكثر تشدداً في الماضي. هذا المشهد الجديد قال الكثير: الكرد الآن شركاء في مؤسسات الدولة المركزية، وأي حديث عن فدرالية أو حكم ذاتي خارج هذا الإطارهو خارج الزمن السياسي السوري الجديد.
بطبيعة الحال، لا يمكن فهم هذا التحول الكبير بمعزل عن العوامل الخارجية التي لعبت دوراً لا يقل أهمية عن العوامل الداخلية. انسحاب القوات الأمريكية من شمال سوريا، وتغير المواقف الدولية تجاه الملف السوري، وصعود دور تركي وإقليمي وعربي موحد يدعم وحدة سوريا وسلامتها الإقليمية، كلها عوامل شكلت بيئة دافعة نحو الاندماج بدلاً من التمسك بمطالب كانت ترى في السابق أنها تحظى بدعم خارجي ، ولعل الإدارة السورية الجديدة أجادت في استثمار هذه المتغيرات الدولية لتقدم نفسها كخيار جاذب للكرد، من خلال مكاسب سياسية وثقافية جعلت منهم جزءاً من المشروع الوطني الجديد.
ومع ذلك، ورغم كل هذه التطورات التي بدت وكأنها تطوي نهائياً ملف مطالب الفدرالية والحكم الذاتي ، تظل هناك تساؤلات مشروعة يطرحها كثير من المراقبين والمهتمين بالشأن الكردي. فهل يعكس هذا التحول السريع في الخطاب قناعة حقيقية لدى الكرد بجدوى الدولة المركزية، أم أنه مجرد استراتيجية مؤقتة في ظل موازين قوى غير مواتية؟ وهل ستكون المكاسب اللغوية والثقافية التي تحققت مؤخراً كافية لضمان اندماج حقيقي ومستدام، أم أنها ستتحول إلى أداة لترويض المطالب الكردية بشكل مؤقت، مع احتمالية عودتها إلى الواجهة متى تغيرت الظروف؟ وهناك من يرى أن المشاركة الكردية في مجلس الشعب، وإن كانت خطوة إيجابية، فانها لا تعكس الوزن الديموغرافي الحقيقي للكرد ، مما يثير مخاوف حول مدى فعالية هذه المشاركة في ترجمة المطالب الشعبية الكردية وتحقيق توازن حقيقي في صناعة القرار.
في المحصلة، يبقى الأكيد أن اختفاء مصطلحي الفدرالية واللامركزية السياسية من الخطاب الكردي السوري هو تحوّل جوهري يعكس مرحلة جديدة في تاريخ العلاقة بين الدولة والكرد . فالانتقال من طموح الحكم الذاتي إلى المشاركة في مؤسسات الدولة المركزية، ومن التفاوض من خارج النظام إلى الاندماج داخله، يمثّل نقطة تحول فارقة، تضع القضية الكردية في سوريا على مفترق طرق جديد. لكن مستقبل هذه العلاقة، ومدى استدامتها، وقدرة الدولة الجديدة على استيعاب التنوع دون تذويب الخصوصيات، كلها أسئلة تنتظر الإجابة في الممارسة السياسية والأيام القادمة ؟



#اكرم_حسين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين مراجعة الذات وانخراط الكرد في المسار السوري الجديد؟
- حبر الولاء
- نحو مراجعة كردية جادة :آليات التنفيذ والتمويل ؟
- حول ترشّح الكرد لمنصب نائب رئيس مجلس الشعب السوري
- في ضرورة استعادة مشعل التمو فكرياً وسياسياً
- البارزانية: -رأس المال الرمزي- للأمة الكردية
- كلمة في التجمع الاحتجاجي في مدينة قامشلو ضد سوء الأوضاع الاق ...
- المجلس الوطني الكردي: ضرورة التجديد ورهان الممارسة السياسية؟
- سوريا ما بعد الاسد : صراع المرجعيات وهشاشة التحول الديمقراطي
- الوعي الكردي السوري بين إرث الشعارات واستحقاقات المرحلة الجد ...
- البعد الوطني للقضية الكردية في سوريا
- مراجعة نقدية لمسيرة تيار مستقبل كردستان سوريا: أزمة مفتوحة و ...
- عقد دستوري أم -محاصصة- وظائف ؟
- ماذا بعد الكونفراس؟ إعادة بناء المشروع الوطني الكردي
- من -وهم- القوة إلى -انبعاث- الهوية الوطنية ؟
- انكسارالأيديولوجيا: نحو رؤية كردية سورية جديدة
- سوريا ، من الأيديولوجيا العابرة للحدود ، إلى فضاء الدولة الو ...
- الكرد في سوريا الجديدة ، من العزلة إلى الشراكة .
- عيد النوروز في قصر الشعب: قراءة في تحولات الدولة السورية الج ...
- إشكالية القومي والوطني في الخطاب السياسي الكردي السوري


المزيد.....




- -مروحية سورية تقتحم أجواء العراق قبل انسحابها بسبب نيران الح ...
- شاهد لحظة اصطدام مروحيتي إطفاء حرائق في اليونان
- مشاهد متداولة لأخطبوط يقبض على ظهر رجل تصيب الآلاف بالرعب
- بعد تصاعد التكهنات.. مصر توجه رسالة حاسمة بشأن حادث استهداف ...
- الشرع: تأثرت بالخطاب القومي العربي وفيه أشياء مشتركة مع الخط ...
- ملادينوف: الضربات الإسرائيلية على غزة تتواصل رغم موافقة الفص ...
- السلطات السورية تعلن تفكيك عبوة ناسفة كانت معدة للتفجير في إ ...
- أب أمريكي يقتل رضيعه باستخدام جهاز نفخ الأوراق.. والسبب صادم ...
- مشروع لحماية الملاحة أم بداية لنظام أمني إقليمي جديد.. ماذا ...
- بن فرحان يؤكد لعراقجي حرص بلاده على إحلال الأمن والاستقرار ب ...


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اكرم حسين - تغيّر الخطاب الكردي في سوريا: من الفدرالية إلى الاندماج في الدولة السورية