أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 24. الربيع العربي كحرب طبقية مؤجلة: دروس الاستراتيجية الثورية للمستقبل















المزيد.....

24. الربيع العربي كحرب طبقية مؤجلة: دروس الاستراتيجية الثورية للمستقبل


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8665 - 2026 / 4 / 2 - 16:16
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الربيع العربي لم يكن مجرد سلسلة احتجاجات سياسية انتهت بالفشل أو الانتكاسة. كان، في جوهره العميق، حرباً طبقية مفتوحة أعلنتها الجماهير المسحوقة على تحالف النخب الريعية التي ظلت لعقود تحتكر الثروة والسلطة. لكن هذه الحرب لم تعلن بشكل صريح، ولم تحمل شعارات طبقية مباشرة، ولم تنتج أدوات تنظيمية قادرة على إدارتها حتى النهاية. لذلك يمكن وصفها بأنها "حرب طبقية مؤجلة": بدأت بقوة مدمرة، ثم تراجعت وتوقفت قبل أن تحقق أهدافها، وتركت خلفها أسئلة كبرى حول شروط النصر في أي مواجهة مقبلة. استخلاص دروس هذه الحرب هو المهمة الأولى لأي استراتيجية ثورية تطمح إلى تجاوز إخفاقات الماضي وبناء مستقبل مختلف.

يمكن استخلاص خمسة دروس رئيسية من تجربة الربيع العربي، تشكل معاً إطاراً استراتيجياً للمرحلة القادمة. هذه الدروس ليست متساوية في الوزن والأولوية، بل يرتب بعضها ببعض في تسلسل منطقي: التنظيم والبرنامج هما الشرط الأساسي الذي بدونه لا يمكن تحقيق أي من الدروس الأخرى. فبدون تنظيم قادر على تجميع الطاقات المتفرقة وقيادة النضال، تبقى الدروس الأخرى حبراً على ورق. وبدون برنامج طبقي واضح يحدد الأهداف والوسائل، يظل التنظيم أعمى أو عرضة للانحراف. أما تفكيك الدولة العميقة، وبناء التحالفات العابرة للحدود، وصناعة الهيمنة الثقافية المضادة، فهي تأتي تالياً، كمراحل متقدمة في مسار النضال.

الدرس الأول: لا ثورة بدون تنظيم. هذا الدرس يبدو بديهياً، لكنه يحتاج إلى إعادة تأكيد في ضوء التجربة العربية. العفوية الجماهيرية قادرة على إسقاط الأنظمة في لحظات الانفجار الثوري، لكنها عاجزة عن بناء البديل وإدارة الصراع الطويل بعد سقوط الرؤوس. التنظيم ليس مجرد أداة تقنية للتنسيق، بل هو شرط وجودي لاستمرار الثورة وحماية مكاسبها. التنظيم المطلوب ليس حزباً طليعياً منعزلاً عن الجماهير، ولا شبكة فضفاضة من النشطاء على مواقع التواصل. إنه تنظيم مرن وقادر على استيعاب تنوع النضالات، ومتجذر في الهموم اليومية للطبقات الشعبية، وقادر على القيادة في ظروف القمع والتضييق، ويملك رؤية استراتيجية واضحة مع قدرة على ترجمتها إلى خطوات عملية.

الدرس الثاني: لا ثورة بدون برنامج طبقي واضح. شعارات الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية عبرت بدقة عن الرفض الشامل للنظام القائم، لكنها لم تقدم إجابات على أسئلة البديل. غياب البرنامج الواضح ترك الساحة مفتوحة للقوى الأخرى لملء الفراغ ببرامجها الخاصة، التي كانت في معظمها برامج نخبوية تعيد إنتاج نفس علاقات الاستغلال. البرنامج الطبقي الواضح يجب أن يحدد موقف الثورة من علاقات الملكية، ومن هيكل الاقتصاد، ومن دور الدولة، ومن موقع المنطقة في النظام العالمي. يجب أن يترجم إلى مطالب مرحلية يمكن النضال من أجلها في الظروف الراهنة، وإلى أهداف استراتيجية للمرحلة التالية. يجب أن يكون قابلاً للنقاش والتعديل في ضوء التجارب الجديدة، لكنه يجب أن يكون واضحاً وحاسماً في جوهره: الثورة ضد الرأسمالية الريعية، ومن أجل اقتصاد قائم على العمل المنتج والملكية الاجتماعية والديمقراطية الاقتصادية.

الدرس الثالث: لا ثورة بدون تفكيك الدولة العميقة. إسقاط الرؤوس السياسية لا يكفي إذا بقيت أجهزة الدولة القمعية والاقتصادية سليمة. الدولة العميقة، بتحالفها المعقد بين المؤسسة العسكرية-الأمنية والبرجوازية الريعية والبيروقراطية الحكومية، تملك قدرة هائلة على إعادة إنتاج نفسها تحت وجوه جديدة. تفكيك هذه الدولة يتطلب استراتيجية واضحة: نزع سلاح الميليشيات والأجهزة الأمنية، تفكيك شبكات الفساد والمحسوبية، تأميم الثروات المنهوبة، إخضاع المؤسسات الاقتصادية للرقابة الشعبية، بناء مؤسسات مدنية ديمقراطية بديلة. هذه المهمة لا يمكن أن تتم من أعلى، عبر نخب جديدة تتسلم مواقع السلطة القائمة، بل يجب أن تتم من أسفل، عبر تنظيمات شعبية تبني سلطة بديلة بالتوازي مع نضالها لتحطيم السلطة القديمة.

الدرس الرابع: لا ثورة بدون تحالفات عابرة للحدود. العدو الطبقي في العالم العربي لا يعترف بالحدود التي رسمها الاستعمار وأعادت إنتاجها الأنظمة القطرية. تحالف النخب الريعية مع الرأسمال العالمي يمتد عبر كل الدول العربية، ويعيد إنتاج التبعية والاستغلال في مختلف أنحاء المنطقة. لذلك، فإن النضال ضده يحتاج إلى تحالفات عابرة للحدود، تتبادل الخبرات والتجارب، وتنسق المواقف والاستراتيجيات، وتبني وعياً عربياً وأممياً يتجاوز التجزئة التي تفرضها النخب الحاكمة. كما يجب أن تمتد إلى التضامن مع نضالات الشعوب الأخرى في المنطقة والعالم، لأن الصراع الطبقي العالمي لا يمكن أن ينتصر في بلد دون آخر.

الدرس الخامس: لا ثورة بدون هيمنة ثقافية مضادة. الانتفاضات العربية أثبتت أن الأنظمة لا تسقط فقط بسبب أزماتها الاقتصادية، بل أيضاً لأنها تفقد شرعيتها الثقافية، لأن الناس يتوقفون عن تصديق خطابها وقيمها. لكن استعادة النخب الحاكمة للسلطة تمت أيضاً عبر إعادة إنتاج هيمنتها الثقافية بأدوات جديدة: إعلام مأجور، منصات رقمية مضللة، خطاب ديني وقومي يعبئ الجماهير ضد الثوار. بناء هيمنة ثقافية مضادة يتطلب استثماراً في الإنتاج الثقافي والفني والإعلامي الذي يعبر عن تطلعات الطبقات الشعبية، ويقدم رؤية بديلة للعالم، وينافس الخطاب المهيمن في جاذبيته وانتشاره. كما يتطلب بناء مؤسسات تعليمية وتثقيفية بديلة، قادرة على إنتاج المعرفة وتنشئة الأجيال الجديدة على قيم العدالة والحرية والمساواة.

هذه الدروس الخمسة لا تشكل نظرية ثورية جاهزة يمكن تطبيقها بشكل آلي، بل تشكل إطاراً استراتيجياً يحتاج إلى ترجمة وتطوير في ضوء ظروف كل بلد وخصوصياته. لكنها تشكل أيضاً تحذيراً من الأوهام التي ظلت تسيطر على قطاعات واسعة من اليسار العربي لعقود: وهم أن التغيير يمكن أن يأتي من فوق عبر إصلاحات دستورية أو حوارات وطنية، ووهم أن العفوية الجماهيرية كافية لتحقيق الثورة دون تنظيم، ووهم أن التحرر الوطني يمكن أن يتحقق في ظل استمرار التبعية للرأسمال العالمي، ووهم أن النضال الاقتصادي يمكن فصله عن النضال السياسي والثقافي.

الربيع العربي كان حرباً طبقية بدأت ولم تنته. الانتكاسة التي تلت الموجة الثورية الأولى ليست نهاية التاريخ، بل هي مرحلة من مراحل الصراع الطويل. الجماهير العربية تعلمت من هزيمتها، وستعود إلى الميادين عندما تنضج الشروط مرة أخرى. لكن المرة القادمة، يجب أن تكون أكثر استعداداً. يجب أن تحمل معها تنظيماً، وبرنامجاً، واستراتيجية لتفكيك الدولة العميقة، وتحالفات عابرة للحدود، وهيمنة ثقافية مضادة. هذه هي شروط النصر في الحرب الطبقية المؤجلة التي فتحها الربيع العربي وما زالت مفتوحة.

"التشاؤم في العقل، والتفاؤل في الإرادة." كتب أنطونيو غرامشي هذه العبارة من داخل زنزانة السجن الفاشي، بعد أن سحقت ثورته وهُزم رفاقه. كان يعلم أن النصر ليس قريباً، لكنه كان يعلم أيضاً أن الاستسلام ليس خياراً. هذه العبارة تلخص حالة الثوار العرب اليوم: تشاؤم بالعقل يرى قوة العدو وتعقيد المهمة وثقل الإخفاقات، وتفاؤل بالإرادة يرفض الاستسلام ويواصل البناء رغم كل شيء. هذا التفاؤل ليس غباء أو وهماً، بل هو إيمان بأن التاريخ لم ينته، وأن حرب الطبقات مستمرة، وأن النصر النهائي ليس مضموناً لأي طرف، بل هو رهان على قدرة الجماهير على التعلم والتنظيم والنضال.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 23. ما بعد الانتفاضات: شروط بناء كتلة تاريخية قادرة على كسر ...
- 22. من الشارع إلى الفراغ: أزمة المشروع الطبقي في الربيع العر ...
- 21. نحو ماركسية عربية معاصرة: استعادة التحليل الطبقي في زمن ...
- 20. من الاقتصاد غير الرسمي إلى التنظيم الثوري: معركة الطبقات ...
- 19. البيئة والصراع الطبقي: النضالات البيئية كصراع على الموار ...
- 18. الثقافة والهيمنة في العصر الرقمي: صناعة الوعي الطبقي وال ...
- 17. الإسلام السياسي كظاهرة طبقية: التحالفات الاجتماعية والاق ...
- 16. الجندر والثورة في السياق العربي: النسوية بين المطالب الط ...
- 15. التبعية والهيمنة الإقليمية: الخليج، الغرب، وإعادة إنتاج ...
- 14. العقد الاجتماعي المستحيل: لماذا لا تستطيع الرأسمالية الر ...
- 13. الديمقراطية كصراع طبقي: تفكيك وهم الانتقال السياسي في ال ...
- الجسد الأنثوي وقود الأزمة: إعادة الإنتاج الاجتماعي واقتصاد ا ...
- 12. الاستلاب المزدوج في المجتمعات الريعية: من القهر السياسي ...
- 11. الهزيمة بوصفها لحظة جدلية: لماذا لم تتحول الانتفاضات إلى ...
- 10. الثورة كمطلب وجودي: حين يصبح التمرد شرطاً للبقاء الاجتما ...
- 9. البونابرتية الرقمية والثورة المضادة: كيف أعادت الدولة الع ...
- 8. التمثيل دون تنظيم: لماذا عجزت الثورات عن إنتاج سلطة طبقية ...
- 7. الثورة ضد النهاب: الاقتصاد السياسي الخفي لشعارات الربيع ا ...
- 6. العولمة النيوليبرالية والدولة البوابة: إدارة النهب من الخ ...
- 5. الدولة الأمنية كفاعل اقتصادي: الميليشيا، الخصخصة، ورأس ال ...


المزيد.....




- أرتـمـيـس 2: مـاذا بـعد الـقـمـر؟
- من الصعب -فهم بنيته الفكرية-... هل كشف ترامب عبر محاولته تهد ...
- انتقدها على إدارة قضية إبستين... ترامب يقيل وزيرة العدل ويعي ...
- السودان.. تغييرات في قيادة الجيش وياسر العطا رئيسا للأركان
- صحف تركية: حرب إيران تكشف التصدعات داخل الناتو
- الخارجية الأمريكية للجزيرة: إيران لن تمتلك سلاحا نوويا أبدا ...
- هل يكتفي حلفاء طهران الكبار بالدعم الدبلوماسي لها؟
- 50 عاما من الغموض النووي: قصة مفاعل ديمونة الإسرائيلي
- سؤال وجواب.. لماذا يرتعد العالم إذا توقفت -رأس لفان-؟
- حق المواطنة بالولادة.. كيف يخسر ترمب في المحكمة ويكسب خارجها ...


المزيد.....

- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 24. الربيع العربي كحرب طبقية مؤجلة: دروس الاستراتيجية الثورية للمستقبل