|
|
سوريا بين وهم -الإعمار- وحقيقة -الفاتورة-: كيف يدفع المواطن ثمناً لحرب لم يخضها؟..جزء اول
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8664 - 2026 / 4 / 1 - 23:08
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
"تنصيب الألم"
كيف وضع ترامب ونتنياهو حجر الأساس لكارثة سورية جديدة
ليس في تاريخ الشرق الأدنى، منذ سقوط بغداد على يد التتار، مشهدٌ أكثر عبثيةً من مشهد رجلٍ لا يعرف النخلة من الرمانة، يقف على منصةٍ أقيمت على أعتاب وزارة الدفاع التي لم تكن يوماً له، ليعلن نفسه "قائداً لسوريا الجديدة". ذلك اليوم الذي صافح فيه ترامب الظل، وربت نتنياهو على كتف المارّين، لم يكن يوماً للتنصيب، بل كان يوماً لتسليم القبض. سُلِّم الشعب السوري في طبقٍ من ورق، مكتوب عليه بالخط العريض: "هذا نصيبكم من الحرية... فاتورة كهرباء لأربع ساعات".
والعجب العجاب أن الذين يتأملون المشهد من خلف الستار، حتى أولئك الذين يرتدون الزي العسكري الإسرائيلي أو البدلات الدبلوماسية الأمريكية، لم يستطيعوا إخفاء الدهشة. فقد اعترف مراقبو "دولة الاحتلال" أنفسهم، في تقارير سرية تسربت كالدم من جرح مفتوح، بأن المواطن السوري أيام الأزمة ذاتها – أي قبل أن يُنصَّب "الجولاني" – كان يتقاضى راتباً يساوي أربعة أضعاف ما يتقاضاه اليوم. أعدُّها معك: أربعة أضعاف. ثم يسأل السائل نفسه: إذا كان العدو يعترف بالألم، فلماذا ينكر "الحبيب الجديد" الحقيقة؟ لأن "الحبيب الجديد" لم يأتِ ليحكم، بل جاء لينهب تحت عنوان "التحرير".
إنه مشهد مسرحي هزلي، كتب السيناريو له مستشارون في واشنطن، وأخرجته أجهزة استخبارات في تل أبيب، ومثَّله على خشبة سوريا المدمّرة ممثلون هاوون من وادي هرير. ترامب صفق من بعيد، ونتنياهو ابتسم ابتسامة رجل أنهى صفقة عقارات في القدس المحتلة، و"الجولاني" ألقى خطاباً حفظه عن ظهر قلب، يخلط فيه بين "الجهاد" و"الحرية" و"الاستثمار"، كما يخلط الجاهل بين الماء والنار.
أما السوري، الجالس في غرفته المظلمة لأن الكهرباء قطعت بعد الساعة الثانية، فيتأمل الرقم الأخير في فاتورته الشهرية. تلك الفاتورة التي كانت في عهد الأسد تساوي جزءاً بسيطاً من راتبه، أما اليوم فتلتهم راتبه كله وتمتد يدها إلى راتب الشهر القادم أيضاً. ويضحك السوري من قلبه المكسور: لقد قالوا لنا إنه سيأتي بعد التغيير "خير وبركة"، فجاءت البركة باسم "شركة كهرباء خاصة" تبيع الضوء بالدولار، وجاء الخير في جيوب الفاسدين الجدد الذين يضعون أموالهم في سويسرا ويشربون الشوكولا على حساب جوع أطفال حلب.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى، التي ستبقى عاراً على جبين كل من ساهم في هذا التنصيب: لقد كان جزء صغير من الراتب في عهد الأسد يكفي لدفع فاتورة الكهرباء لشهر كامل. أما اليوم، فيحتاج المواطن السوري إلى راتبه كاملاً، أو ضعفه، ليدفع فاتورة كهرباء لا تزيد عن أربع ساعات فقط. أربع ساعات تضيء له ظلامه، ثم تعود الظلمة لتقول له: "هذه هي سوريا الجديدة... انتظر المزيد".
والسؤال الذي لا يُسأل في إعلام "الفاتحين": أين ذهبت بقية الراتب؟ الجواب معروف لكن أحداً لا يريد قوله: ذهبت إلى جيوب "شركات أمنية" أمريكية تدير الفوضى، وذهبت إلى أرصدة "مستشارين" جدد يخبئون العملة الصعبة في مصرف Credit Suisse، وذهبت إلى "صناديق استثمار" وهمية لا تملك سوى اسماً براقاً وحساباً مصرفياً في أحد فروع تركيا "الأطلسية". وبعضها الآخر ذهب إلى "إتاوات" تدفع للعصابات الوهابية التي تحكم كل زقاق باسم "اللجنة الثورية".
إن تنصيب "الجولاني" لم يكن انقلاباً على نظام، بل كان استبدالاً لسارق واحد بسارقين من كل حدب وصوب ، واستبدالاً لاستبداد قومجي باستبداد مافيوي تحت عمامة بيضاء. ولو كان السوري يعلم أن ثمن "الحرية" التي قدموها له هو أن يدفع ضعف راتبه ليضيء أربع ساعات، لقال لهم: "أبقوا حريتكم عندكم، واتركونا في ظلمنا القديم، فظلم الأسد كان يُنير بيتي أربع عشرة ساعة وقبل أن تثوروا بأوامر الناتو والريالات كان ذلك ليلا نهارا ".
لكن هيهات. لقد أُغلقت الملفات، وقُسِّمت الولايات، ونُهبت المصانع، وبقي المواطن السوري واقفاً أمام عدّاد الكهرباء، يحسب كم تبقى من راتبه بعد الفاتورة، فلا يجد شيئاً. ويضحك مرة أخرى، ساخراً من نفسه، ساخراً من وهم "التغيير"، ساخراً من "الجولاني" الذي وعد بالقصور فجاء بالخراب، ووعد بالاستثمارات فجاء بالمافيات، ووعد بالنور فجاء بفواتير لا تطاق.
وينتهي المشهد الأول على هذا السؤال الذي لا جواب له: متى سيعرف السوري أن كل هذه الحرب لم تكن إلا من أجله؟ من أجله هو؟ كلا. بل من أجل رفع الدعم عنه وهو بمليارات الدولارات ، ووضعه في جيوب شركات أمريكية، وأرصدة فاسدين جدد في سويسرا، وعصابات تتقاسم السرقات كما تتقاسم الضباع جيفة في الصحراء. ومتى سيعرف أن "الجولاني" ليس أكثر من غطاءً إعلامياً لنهب منظم، وأن سوريا لم تكن يوماً هدفاً، بل كانت وسيلة لصفقة كبرى اسمها "إفقار المواطن العربي تحت عنوان التحرير".
لكن السوري... السوري يعرف اليوم . فالفاتورة لا تكذب، والظلمة لا تخدع، والجوع أصدق من ألف خطاب. وحين يعرف اكثر فأكثر ، سيكون الرد قاسياً.
…….
"اقتصاد العدم"
لا زراعة، لا صناعة، لا استثمار.. ماذا بقي؟
إذا أردت أن تفهم سوريا اليوم، فلا تسأل عن الوزراء ولا عن القصور الرئاسية ولا عن الخطابات المسجلة. اسأل عن حبة قمح. فإن وجدتها، فاعلم أن هناك أمل. وإن لم تجدها، فاعلم أنك أمام مملكة من ورق، أسسها "الفاتحون" على أنقاض الحقول، وأداروها بمنطق العصابات لا منطق الدول.
في سوريا "الجديدة" التي يحدثنا عنها الجولاني كل مساء، لا ترى زراعة. تلك الأراضي الخصبة ايام الاسدين التي كانت تغني البلد عن استيراد القمح، تحولت إلى ساحات رمادية يتبارز عليها "أبطال الثورة" فيما بينهم، أو تُباع بالمزاد العلني لشركات وهمية تحمل أسماء براقة مثل "الخير القادم" و"الاستثمار الآمن". الزراعة؟ ضحك. فمن يزرع في بلد لا أمن فيه، ولا ماء فيه، ولا طريق يؤمن وصول المحصول؟ ومن يشتري المحصول وعصابات النهب تنتظر على كل حاجز لتأخذ نصفه باسم "الزكاة الثورية"؟
أما الصناعة، فتلك فصول من التراجيديا التي لا يكتبها إلا مجنون. المصانع التي كانت تتنفس في دمشق وحلب، صارت إما ركاماً تحت مطرقة "التحرير"، وإما أوكاراً لتخزين البضائع المهربة، وإما ثكنات لمليشيات تحمل اسم "الألوية" لكنها لا تصنع سوى الرصاص الذي يتبادلونه فيما بينهم حين يختلفون على الغنيمة. وحين تسأل: أين الاستثمارات التي يتغنى بها الجولاني؟ يجيبك الواقع الصامت: لا استثمارات. فمن يستثمر في بلد تحكمه مافيات وهابية لا شرعية لها إلا شرعية النهب؟ ومن يضع دولاراً واحداً في أرض لا تضمن له أن ينام الليل دون أن يأتيه "لجنة حماية الثورة" ليأخذ منه كل شيء؟
دعاية "الإعمار" التي يكررها الجولاني ليل نهار، ليست إلا تخديراً جماعياً لشعب أنهكه الجوع. يريك صوراً لشاحنات تحمل إسمنتاً، وأخرى تحمل حديداً، ثم تكتشف بعد قليل أن الإسمنت ذهب لبناء "قصر القائد" الجديد، والحديد ذهب لصناعة أقفاص سجون سرية لا يعرفها إلا المقربون. "إعادة إعمار"؟ كلا. هي "إعادة توزيع الخراب" تحت راية جديدة، وعلى طريقة جديدة: لم يعد الخراب بقنابل الطيران، بل بجشع التجار وأكاذيب الحكام الجدد.
والأدهى من ذلك، أنهم يبيعون للمواطن السوري وهم "الاستثمار" وكأنه حلم سيصبح حقيقة إذا كرروه ألف مرة. "استثمر في سوريا الجديدة"، يقولون. وأين هو الاستثمار؟ هل هو في أسواق تحولت إلى مستنقعات غلاء؟ هل هو في عقارات سقطت قيمتها الفعلية چلأن لا أحد يضمن ملكيته غداً؟ هل هو في شركات لا تملك سوى بريداً إلكترونياً وهمياً وعنواناً في تركيا؟ إنها فقاعة وهمية، ستنفجر قريباً، تاركة وراءها جثث أحلام قتلتها الأوهام.
وهنا يأتي السؤال الوجودي: ماذا بقي في سوريا إذا لم يبق زرع ولا صنع ولا استثمار؟ بقي شيء واحد فقط: النهب. النهب المنظم، باسم الدين تارة، وباسم الثورة تارة أخرى، وباسم "حق الفاتحين" في كل الأحوال. هناك من ينهب الأرض باسم "شركة استثمار أجنبية" لا تملك سوى سمسار في إسطنبول. وهناك من ينهب المواطن باسم "الضرائب الثورية" التي لا سقف لها ولا قانون. وهناك من ينهب المستقبل باسم "وعود إعادة الإعمار" التي تتبخر كالسراب.
وما دام النهب هو الاقتصاد الوحيد، فكل شيء آخر يموت. التجار الصغار يغلقون محلاتهم لأنهم لا يستطيعون دفع الإتاوات. العمال يفقدون وظائفهم لأن المصانع لم تعد تعمل. الفلاحون يهجرون أرضهم لأن الماء أصبح سلعة كالذهب. وحين يموت الاقتصاد، يموت الإنسان أولاً، ثم تموت الأخلاق، ثم يموت الوطن. وهذا ما يحدث الآن أمام أعيننا.
وفي خضم هذا العدم، يخرج علينا "الجولاني" في خطاب مسجل ليقول: "الاستثمارات قادمة، والإعمار على الأبواب". وكأنه يخاطب جدراناً صماء، أو شعباً أعمى. لكن السوري ليس أعمى. السوري يرى بعينيه طابور الخبز يطول، والأسعار ترتفع، والراتب يذوب قبل أن يصل. السوري يعرف أن أربع ساعات كهرباء لا تصنع وطناً، وأن خطاباً مكروراً لا يطعم جائعاً.
وإذا كان الجولاني يظن أن التكرار يصنع الحقيقة، فليكرر ألف مرة وألف. لكن الحقيقة التي لا تموت هي أن سوريا اليوم بلا اقتصاد، بلا زراعة، بلا صناعة، بلا استثمار. وما بقي فيها إلا نهابون يتقاسمون جثة وطن، ومواطنون يدفعون الثمن دمشق دمشق وحلب حلب.
ويبقى السؤال الذي لا يريد أحد سماعه: إلى متى سيظل السوريون يصدقون أن "الإعمار" قادم، بينما كل شيء حولهم ينهار؟ وإلى متى سيظل الجولاني يكرر كذبة "الاستثمارات" وهو يعلم أن جيوب السوريين خاوية، وأن شركائه في النهب يملؤون خزائنهم في سويسرا، وأن كل هذه الحرب كانت لشيء واحد فقط: رفع الدعم عن المواطن السوري، وإلقائه في مستنقع بؤس لا قرار له؟
السؤال مؤلم. والإجابة أكثر إيلاماً. لكن لا بد من قولها: لن يأتي إعمار من لا يعمرون إلا قبورهم. ولن يستثمر في وطن من لا يرون فيه إلا غنيمة. سوريا التي يريدونها ليست سوريا التي عرفها التاريخ، بل هي سوريا الورق، سوريا الوهم، سوريا الفاتورة. وسوريا الحقيقية، أرض القمح والزيتون والمصانع، لن ترى النور مرة أخرى إلا حين يرحل هؤلاء الدخلاء، وحين تعود الأرض إلى أهلها، والاقتصاد إلى أبنائه، والكرامة إلى شعبها.
أما الآن، فما بقي لنا إلا أن نمسك فاتورة الكهرباء بأيدٍ مرتجفة، ونحسب كم تبقى من الراتب بعدها، فلا نجد شيئاً. ونبتسم ابتسامة اليائسين، ونكرر لأنفسنا: "هذه هي سوريا الجديدة... يا ليتنا متنا في القديمة".
………
"جغرافيا النهب"
من سويسرا إلى السقيلبية: كيف تُقسَّم السرقات
للنهب خرائطه السرية، كما للحروب خرائطها المعلنة. خرائط لا تُرسم بالحبر، بل بالدم والذهب والصفقات الخلفية. تمتد من قصور سويسرا الباردة، حيث تتراكم أرصدة الفاسدين الجدد في صناديق مصرفية لا تسأل عن المصدر، إلى أزقة السقيلبية في حماة، حيث تتقاتل عصابات الإرهاب على من يسرق محطة بنزين، ومن يأخذ حصة "الأثاث المهرب"، ومن يحكم الزقاق الذي لا يتجاوز عرضه خطوتين.
إنها جغرافيا عجيبة، لم يسبق لها مثيل في تاريخ النهب. ففي العصور الغابرة، كان النهابون يكتفون بغزو قرية ونهب مؤونتها، ثم يعودون إلى أوكارهم. أما اليوم، فقد تطور النهب ليصبح "علماً" و"فناً" و"حوكمة". أصبح للنهب وزراء ومستشارون وشركات وهمية وحسابات مصرفية في ملاذات ضريبية، بل أصبح للنهب "خطاب وطني" يبرره باسم "التحرير" و"إعادة البناء".
لنبدأ من القمة، حيث يجلس "كبار النهابين" في مكاتب مكيفة في إسطنبول أو الدوحة أو جنيف. أولئك لا يحملون سلاحاً، ولا يقفون على الحواجز. لكنهم يحملون أقلاماً يوقعون بها عقوداً وهمية، ويقفون خلف كاميرات يعلنون بها عن "استثمارات ضخمة" لا وجود لها إلا في مخيلتهم وفي عناوين الأخبار المدفوعة. هؤلاء هم "رجال الأعمال الجدد" لسوريا الجديدة. لم يزرعوا قمحاً، ولم يشغلوا مصنعاً، ولم يبنوا بيتاً. لكنهم يعرفون بالضبط كم تبلغ قيمة ما تبقى من النحاس في أسلاك الكهرباء المسلوبة، وكم يساوي طن الحديد من جسر سقط تحت "التحرير"، وكم تبلغ عمولة التوسط لبيع عقار لسوري هارب من جحيم بلاده.
أموالهم لا تبقى في سوريا طبعاً. لماذا تبقى في بلد تنهار عملته كل أسبوع؟ إنها تنتقل بسرعة البرق إلى حسابات في Credit Suisse وUBS وغيرها من البنوك التي لا تسأل عن "من أين لك هذا؟" طالما أن المبلغ يحمل توقيع "وسيط معتمد". وهناك، في برودة سويسرا وصمت صناديقها الحديدية، تنام أموال النهب السورية بجانب أموال ديكتاتوريات أفريقيا وتهريب كولومبيا وفساد روسيا. نادي عالمي للفاسدين، وسوريا العضو الجديد فيه.
لكن لا تظن أن كل النهب بهذه الرقي والتنظيم. فهناك أيضاً نهب "الطبقة الوسطى" من العصابات، أولئك الذين يقفون على الحواجز بأسماء مختلفة: "لواء التوحيد"، "كتائب الفتح"، "جيش العزة"، "حركة أحرار الشام"، وغيرها من الأسماء التي تتغير كما تتغير موضة الأحذية. هؤلاء لا يملكون حسابات في سويسرا، لكنهم يملكون سيطرة على طريق زراعي هنا، ومحطة وقود هناك، ومخبزاً في الحي الفلاني. يتقاسمون "الإتاوات" اليومية: على كل شاحنة تمر، على كل تاجر يبيع، على كل عائلة تريد أن تتنفس.
وهنا يأتي دور مدينة السقيلبية في حماة، التي أصبحت نموذجاً مصغراً لكل ما يحدث في سوريا الجديدة. في السقيلبية، حيث يفترض أن تكون "هدنة الفاتحين" قد أنهت الصراع، نجد العكس تماماً. فكل يوم تسمع هناك رصاصات، لكنها ليست موجهة نحو عدو خارجي، بل نحو "أخوة السلاح" الذين اختلفوا على من يسرق مستودع أدوية، ومن يأخذ حصة بضاعة مهربة من تركيا، ومن يفرض "حراسة" على شارع معين.
القصة التي تروى في السقيلبية ليست جديدة، لكنها صارخة في قبحها. قبل أسابيع، اختلفت عصابتان على "غنيمة" بسيطة: شاحنة محملة بأكياس إسمنت كانت قادمة من اللاذقية. كلتا العصابتين ادعت أنها "أحَق" بالشاحنة لأنها ساهمت في "تحرير" المنطقة. تطور الخلاف إلى تبادل إطلاق نار استمر ثلاث ساعات، سقط خلالها أربعة قتلى وعشرات الجرحى. والمضحك المبكي أن الشاحنة نفسها لم تصل إلى أي منهما، بل اختفت مع سائقها في اتجاه مجهول، ليبدأ بعدها فصل جديد من الاتهامات والثأر.
هذه هي "دولة الجولاني". لا جيش نظامي، لا شرطة مهنية، لا قضاء مستقل. مجرد تجمع فضفاض من عصابات، كل منها يحكم منطقة باسم "المجلس الثوري المحلي"، لكنه في الحقيقة يحكم باسم "غريزة البقاء". وهذه العصابات، التي اجتمعت مؤقتاً على كراهية النظام القديم، سرعان ما ستعود إلى أصلها: الصراع على الغنيمة، لأنها الشيء الوحيد الذي يجمعها والشيء الوحيد الذي يفرقها.
وهنا يبرز سؤال آخر: أين "الجولاني" من كل هذا؟ أليس هو "القائد"؟ أليس من حقه أن يفرض نظامه على هذه العصابات؟ الجواب بسيط: الجولاني لا يملك من السلطة ما يملكه اسمه في عناوين الأخبار. هو "أول بين متساوين" في نادي العصابات، وليس رئيساً لدولة. يعرف ذلك، وتعلمه العصابات الأخرى، ولهذا يتصرف كل منها كما يشاء، ولا يتحرك الجولاني لوقفها لأنه يخشى أن يقلب عليه أحد "إخوته" الطاولة.
ويزداد المشهد تعقيداً عندما نضيف إليه الفاعلين الخارجيين. تركيا التي ترعى بعض هذه العصابات، وقطر التي ترعى أخرى، والإمارات التي تحاول شراء ولاء ثالثة، وأمريكا التي تراقب من بعيد وتدير الفوضى لصالحها. كل هؤلاء يغذون صراع العصابات، لا لإنهائه، بل لإبقائه عند مستوى معين من التوتر، يضمن ألا يقوم "دولة" حقيقية في سوريا، بل تبقى سوريا "سوقاً مفتوحة" للنهب والابتزاز وتصفية الحسابات.
وهكذا، تمتد جغرافيا النهب من سويسرا إلى السقيلبية، مروراً بأنقرة والدوحة وواشنطن. إنها جغرافيا لا تعترف بالحدود، ولا تعترف بالقوانين، ولا تعترف بالأخلاق. إنها جغرافيا الفاسدين الكبار الذين يملؤون خزائنهم، والعصابات الصغيرة التي تقاتل على بقايا المائدة، والشعب السوري الذي يقف في المنتصف، يدفع الثمن مرتين: مرة بدمه، ومرة بجوعه.
وفي نهاية هذا المشهد، نقف مرة أخرى أمام مشهد السقيلبية، الذي يتكرر يومياً في إدلب وحلب ودرعا وحمص. نقف أمام جثث قتلى ليسوا أبطال "تحرير"، بل ضحايا "تعفيش" داخلي. نقف أمام أمهات تبكين أبناءً سقطوا في معركة لا معنى لها، معركة على كيس إسمنت أو برميل بنزين أو حق المرور في زقاق ضيق.
ونسأل أنفسنا: من يستحق أن نحزن عليه أكثر؟ من يقتل على جبهات النهب، أم من يموت جوعاً في بيته لأن راتبه ذهب كله لفاتورة كهرباء أربع ساعات؟
والجواب، لو كنا صادقين مع أنفسنا، هو أننا نحزن عليهما معاً. لأن كليهما ضحية لنظام نهب عالمي، يستخدم سوريا كساحة تجارب، وشعبها كوقود، وأحلامها كغطاء. ونحن، الذين نكتب هذه الكلمات، نعلم أننا لا نستطيع إيقاف هذا الجنون اليوم. لكننا نعلم أيضاً أن الحقيقة، ولو تأخرت، لا تموت. وأن كل الأموال المنهوبة في سويسرا، وكل الدماء المسفوكة في السقيلبية، ستتحول يوماً إلى شهود على جريمة لا يسقط مرور الزمن حقها.
وإلى ذلك اليوم، تبقى سوريا ترزح تحت جغرافيا النهب، وتنتظر. تنتظر طلوع فجر لا يعرف أحد متى يأتي. لكنه قادم. قادم حتماً، لأن الظلم وإن طال، فإن له نهاية. وسوريا، التي عرفت كيف تصبر على الدمار، ستعرف كيف تصبر على النهب، حتى يأتي يوم يطرد فيه كل النهابين، كبارهم وصغارهم، عصاباتهم وشركاتهم، حساباتهم السويسرية وأسلحتهم التركية.
ويومها، ستتغير جغرافيا سوريا. لن تعود جغرافية نهب، بل جغرافية بناء. ولن يعود اسمها مقروناً بالفاتورة، بل بالكرامة. وهذا اليوم، وإن بدا بعيداً، أقرب من خيال "الفاتحين".
……..
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الفخ المقدس..رواية قصيرة
-
مسرحية: -الفَاتُورة- .. (فصلان في خراب سوريا الجديدة)
-
مسرحية -مُسْتَنْقَعُ الْوَاعِدِينَ-.. كوميديا سياسية سوداء ف
...
-
ترامب… حين يتحوّل الوعد إلى مستنقع
-
مقدمة كتاب إمبراطورية الجزيرة كنموذج للانتحار الجماعي
-
مقدمة كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ..الصراع الطبقي والتأويل في ال
...
-
مسرحية الفرات والنيل..كوميديا
-
إيران، الإمبراطورية، وانحطاط المركز الابستيني الأمريكي
-
كتاب : حين تنكسر الأصنام .. تفكيك آلهة الإمبراطورية الأمريكي
...
-
التحولات الكبرى من مضيق هرمز إلى صناديق الاقتراع
-
تداخل شبكة إبستين مع الموساد الإسرائيلي واللوبيات المنفذة له
...
-
إيران وإسرائيل: صراع الوجود الذي يعيد تشكيل غرب آسيا
-
مركز الثقل المالي على صفيح ساخن: استهداف البنوك الأمريكية في
...
-
قراءة تحليلية معمقة لنتائج الانتخابات البلدية الفرنسية 2026
...
-
الطاعون الأطلسي: أوروبا بين فكي الإمبراطورية وسندان الانتحار
-
«الشرق الذي يعود: سردية جديدة في زمن سقوط المظلّات الاستعمار
...
-
نهاية الهيمنة: قراءة في زلزال الصواريخ الإيرانية وانهيار -ال
...
-
قراءة استراتيجية في العقل الإيراني خلال حرب رمضان ٢
...
-
محميات الخليج الصهيو أمريكية : قراءة في بنية التبعية ومصير ا
...
-
-الطفلات اللواتي كنَّ يرسمْنَ الشمس-..
المزيد.....
-
أرتـمـيـس 2: مـاذا بـعد الـقـمـر؟
-
من الصعب -فهم بنيته الفكرية-... هل كشف ترامب عبر محاولته تهد
...
-
انتقدها على إدارة قضية إبستين... ترامب يقيل وزيرة العدل ويعي
...
-
السودان.. تغييرات في قيادة الجيش وياسر العطا رئيسا للأركان
-
صحف تركية: حرب إيران تكشف التصدعات داخل الناتو
-
الخارجية الأمريكية للجزيرة: إيران لن تمتلك سلاحا نوويا أبدا
...
-
هل يكتفي حلفاء طهران الكبار بالدعم الدبلوماسي لها؟
-
50 عاما من الغموض النووي: قصة مفاعل ديمونة الإسرائيلي
-
سؤال وجواب.. لماذا يرتعد العالم إذا توقفت -رأس لفان-؟
-
حق المواطنة بالولادة.. كيف يخسر ترمب في المحكمة ويكسب خارجها
...
المزيد.....
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال
...
/ بشير الحامدي
-
السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة.
/ رياض الشرايطي
المزيد.....
|