أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - قاسم محمد داود - العائدات المليارية والفرص المهدورة: لماذا أخفق العراق في «تطويع» الريع النفطي؟














المزيد.....

العائدات المليارية والفرص المهدورة: لماذا أخفق العراق في «تطويع» الريع النفطي؟


قاسم محمد داود
كاتب

(Qasim Mohamed Dawod)


الحوار المتمدن-العدد: 8574 - 2026 / 1 / 1 - 16:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


على مدار أكثر من عقدين، وتحديداً منذ عام 2003، تدفقت من الآبار النفطية العراقية عائدات مالية فلكية تجاوز مجموعها حاجز 2000 مليار دولار، وفق تقديرات رسمية ودولية متقاطعة. رقمٌ كهذا كان كفيلاً – نظرياً – بإعادة بناء دولة حديثة، متماسكة البنية، وقادرة على توفير الحد الأدنى من الرفاه الاقتصادي والاجتماعي لمواطنيها.
غير أن الواقع اليوم يفرض سؤالاً مؤلماً لا يمكن الهروب منه:
لماذا لا يزال المواطن العراقي أسيراً لنقص الخدمات، وبنية تحتية متداعية، واقتصاد هشّ يرتجف مع كل تذبذب في أسعار النفط؟
فخ المقارنة: بين استدامة «الأجيال» وهشاشة «الرواتب»
تكشف المقارنة مع تجارب دول نفطية أخرى عن فجوة عميقة، لا في حجم الموارد، بل في فلسفة إدارتها:
• النرويج: حوّلت ثروتها النفطية إلى أكبر صندوق سيادي في العالم، لا تنفق منه سوى قرابة 3% سنوياً، ضامنةً حقوق الأجيال القادمة، ومحولةً المورد الناضب إلى ثروة دائمة.
• السعودية والإمارات: نجحتا، بدرجات متفاوتة، في توظيف الريع النفطي ضمن رؤى وطنية واضحة، استثمرت في التكنولوجيا والسياحة والطاقة المتجددة، وقلصت تدريجياً الاعتماد المطلق على النفط.
• العراق: سلك المسار المعاكس؛ إذ تبنّى سياسة إنفاق تشغيلي استهلاكي، التهمت فيها الرواتب والجهاز الإداري المتضخم معظم الموازنات، ليتحوّل الاقتصاد إلى نموذج بسيط وخطير:
نبيع النفط لنموّل الاستهلاك، ونستورد كل شيء تقريباً من الخارج.
تشريح الأزمة: سبع اختلالات بنيوية
وفقاً لدراسات مراكز بحثية وخبراء اقتصاد، يمكن تشخيص العجز العراقي عبر سبع اختلالات هيكلية متداخلة:
1. تغوّل القطاع العام وعجزه الإنتاجي
تحولت الوظيفة الحكومية إلى أداة لتوزيع الريع وامتصاص البطالة، لا إلى رافعة إنتاج. فالمحاصصة حلّت محل الكفاءة، والتعيينات العشوائية محل التخطيط، في ظل أنظمة إدارية متقادمة تفتقر إلى الأتمتة.
النتيجة: جهاز مترهل يضم قرابة 7 ملايين موظف ومتقاعد يستهلك الموارد دون أن يقدّم خدمات نوعية أو يسد حاجة السوق المحلية.
2. غياب التنويع الاقتصادي وضمور الإنتاج
ارتهان نحو 95% من الإيرادات للنفط جعل الدولة رهينة لتقلبات السوق العالمية. الأخطر من ذلك أن تدفق الأموال النفطية عطّل المحركات الاقتصادية الأخرى؛ فتراجعت الزراعة، وتآكلت الصناعة، وتحول العراق من بلد منتج إلى سوق استهلاكي يعتمد على الاستيراد حتى في أبسط السلع، ما جعل أمنه الغذائي والسلعي مكشوفاً أمام الصدمات الخارجية.
3. هشاشة الاستدامة المالية وغياب «المصدّات»
تفتقر المالية العامة إلى صندوق سيادي حقيقي، يُفترض أن يكون وعاءً لاستثمار الفوائض النفطية وحمايتها من الهدر.
غياب هذا الصندوق يعني ببساطة أن كل صدمة نفطية – صعوداً أو هبوطاً – تتحول إلى أزمة سياسية ومالية، وتبقى الموازنة في حالة استنفار دائم بلا شبكة أمان.
4. الفساد والهدر المؤسسي: نزيف بلا توقف
تشير تقديرات متقاطعة إلى أن الفساد التهم منذ 2003 ما يقارب 450 مليار دولار. تجلّى ذلك في آلاف العقود الوهمية، ومشاريع لم ترَ النور، وقضايا كبرى مثل «سرقة القرن».
هذا النزيف لم يستنزف الخزينة فحسب، بل خلق طبقة مستفيدة تعرقل أي إصلاح حقيقي يهدد مصادر ريعها.
5. ضعف البنية التحتية الإنتاجية
الكهرباء غير المستقرة، وشبكات الري المتهالكة، والطرق غير المؤهلة، جعلت تكلفة الإنتاج المحلي أعلى من المستورد. وبدون بنية تحتية كفؤة، يستحيل بناء صناعة أو زراعة تنافسية، مهما توفرت النوايا أو القروض.
6. بيئة استثمارية «ملغومة»
لا تتوقف معوقات الاستثمار عند البيروقراطية وتضارب الصلاحيات، بل تمتد إلى الابتزاز العشائري، والضغوط الميدانية، وفرض الإتاوات، إضافة إلى قيود التحويلات المالية الدولية، وغياب الأمن القانوني، وتسيس القضاء، فضلاً عن مخاطر السلاح المنفلت.
في بيئة كهذه، يُطرد رأس المال الرصين، ولا يبقى سوى رأس مال «مغامر» لا يبني اقتصاداً مستقراً.
7. غياب الرؤية الاستراتيجية وارتهان القرار لـ"الانتخابية"
هيمنت المصالح السياسية قصيرة الأمد على القرار الاقتصادي، فاستُخدمت الموازنة كأداة لكسب الولاءات عبر التعيينات والإنفاق الشعوبي، على حساب المشاريع الاستثمارية طويلة الأمد.
النتيجة اقتصاد بلا بوصلة، وسياسات تُدار بمنطق الدورة الانتخابية لا بمنطق الدولة.
لعنة الموارد… أم لعنة الإدارة؟
لا يعاني العراق من «لعنة النفط» بوصفها قدراً محتوماً، بل من لعنة الإدارة السياسية والاقتصادية. فالدول لا تفشل لأنها تملك الموارد، بل لأنها تعجز عن تحويلها إلى قيمة مضافة مستدامة.
في الحالة العراقية، جرى استهلاك الثروة بدل استثمارها، وتسيس الموازنة بدل تحصينها.
الخروج من النفق: هل لا يزال هناك وقت؟
رغم عمق الأزمة، لا يزال باب الإصلاح موارباً، شرط الانتقال من التشخيص إلى الفعل عبر خطوات واضحة، أبرزها:
• تفعيل حقيقي لصندوق الأجيال باستقطاع نسبة ثابتة من الإيرادات، تُدار باستقلالية صارمة.
• إعادة تعريف دور الدولة من «مشغّل» مباشر إلى «منظّم» وممكّن للقطاع الخاص.
• أتمتة النظام المالي والإداري لرفع الكفاءة وتجفيف منابع الفساد.
• حماية المستثمر عبر قضاء تجاري مستقل وتشريعات تحمي من الابتزاز والفوضى.
في الختام السؤال المصيري
إن المليارات التي دخلت الخزينة العراقية منذ عام 2003 كانت كفيلة بجعل العراق قوة اقتصادية إقليمية وازنة. غير أن غياب الرؤية وضياع البوصلة حوّلا هذه النعمة إلى ما يشبه "لعنة موارد مؤجلة".
العبرة لم تكن يوماً في حجم الأموال التي تدخل الدولة، بل في فلسفة إنفاقها:
هل تُنفق كرواتب تُستهلك اليوم؟ أم كاستثمارات تبني الغد؟
هذا السؤال هو مفتاح النقاش الحقيقي حول مستقبل الاقتصاد العراقي، وهو الاختبار الفعلي للمسؤولية الوطنية:
إما العبور نحو إصلاح يضمن حق الأجيال القادمة، أو البقاء رهينة برميل نفط يتقاذفه الموج داخل اقتصاد المحاصصة والريع.



#قاسم_محمد_داود (هاشتاغ)       Qasim_Mohamed_Dawod#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رئيس وزراء العراق: بين -مطرقة- الولاء الداخلي و-سندان- الفيت ...
- العقل المأسور: كيف تحوّل المقدّس إلى أداة للسلطة؟
- هل الدين ضد التقدم؟ أم نحن ضد السؤال؟
- العزوف الانتخابي في العراق: الأسباب العميقة ل -مقاطعة الإحبا ...
- الولاءات المتعددة... دولة ممزقة بين الهويات
- بعد حرب غزة: من يرسم خريطة الشرق الأوسط… ونهاية الوهم وبداية ...
- الانتداب الناعم على غزة كيف تعيد خطة ترامب إنتاج الوصاية الد ...
- العراقي وصور المرشحين: قراءة اجتماعية–سياسية في مواسم الدعاي ...
- قمة قطر الطارئة: محاولة للتضامن العربي والإسلامي في مواجهة ا ...
- من يملك حق الخوف في الشرق الأوسط؟
- العشيرة والمال السياسي… حين تُختطف الديمقراطية في العراق كيف ...
- فشل التجربة الديمقراطية في العراق بعد 2003: تحليل العوامل ال ...
- -اتفاقيات أبراهيم- مع إسرائيل: تطبيع بلا مقابل
- هل يتكرر مصير مملكة القدس في دولة إسرائيل؟
- مشروعان متصادمان على حساب العرب: إيران وإسرائيل وصراع الهيمن ...
- لا منتصر ولا مهزوم: كيف تدير واشنطن الصراع بين إيران وإسرائي ...
- ازدواجية المعايير في النظر إلى البرامج النووية: إيران تُدان ...
- البرلمان العراقي ومصلحة المواطن: تشريعات غائبة وتغيير مؤجل
- انتخابات بلا ناخبين: أزمة ثقة في الديمقراطية العراقية
- نحو مشروع عربي تكاملي لمواجهة الأطماع الصهيونية والرأسمالية ...


المزيد.....




- موطنها الوحيد نهر في أستراليا.. باحثون في سباق مع الزمن لإنق ...
- فوار؟ عادي؟ أم له أوجه أخرى؟ ماذا يكشف خبير تذوّق عن أنواع ا ...
- اليمن: بن بريك يدعو لـ-تعبئة عامة- في حضرموت لمواجهة -درع ال ...
- رأي.. بارعة الأحمر تكتب: مخيم الهرمل في لبنان ثغرة مفتوحة عل ...
- ألمانيا: حزب من الإئتلاف يرغب في ترحيل السوريين -بشكل منتظم- ...
- زيلينسكي يعين رئيس جهاز المخابرات الأوكراني كيريلو بودانوف ر ...
- موسكو تتهم كييف بشن هجوم بمسيرات أوقع 24 قتيلا على الأقل ليل ...
- تونس.. إخلاء قصر سياحي مهدد بالسقوط يثير الجدل
- ما الذي نعرفه حتى الآن عن أحداث حضرموت؟
- مغردون يتساءلون: هل يسلّم لبنان طياري الأسد الموجودين على أر ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - قاسم محمد داود - العائدات المليارية والفرص المهدورة: لماذا أخفق العراق في «تطويع» الريع النفطي؟