أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - شادي أبو كرم - الطغاة لا يولدون من العدم: كيف صنع السوريون استبدادهم وحموه؟














المزيد.....

الطغاة لا يولدون من العدم: كيف صنع السوريون استبدادهم وحموه؟


شادي أبو كرم
كاتب سوري

(Shadi Abou Karam)


الحوار المتمدن-العدد: 8249 - 2025 / 2 / 10 - 22:35
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


هل المشكلة فعلاً في الطغمة الحاكمة ومجرميها؟ هل يكفي أن نلقي اللوم على نظام الأسد وحده، وكأن سوريا كانت جنة ديمقراطية قبل وصوله إلى السلطة، وكأن المجتمع لم يكن مستعداً للقبول بالطغيان؟ هل يمكن حقاً الحديث عن الاستبداد دون التطرق إلى الذين غذّوه، استفادوا منه، تماهوا معه، وحموه؟ هل الطغاة يُصنعون في الفراغ، أم أنهم انعكاس لمجتمع يطلب الاستبداد حتى وهو يدّعي الثورة عليه؟

لا أحد يحب أن يعترف بأن المشكلة ليست فقط في عائلة الأسد التي حكمت البلاد، وإنما في البيئة التي سمحت لها بالبقاء. لا أحد يريد مواجهة الحقيقة القبيحة بأن المخابرات الجوية لم تهبط من كوكب آخر، وأن الفرقة الرابعة لم تُستورد من سوق الخردة، وأن الفاسدين والمخبرين وأبواق النظام لم يولدوا نتيجة طفرة جينية. هؤلاء جميعاً سوريون، نشأوا في هذا المجتمع، تعلموا في مدارسه، ترعرعوا في ثقافته، استوعبوا قيمه، ثم قرروا أن يكونوا أدوات الطغيان لأن هذا كان الخيار الأسهل، لأن الولاء للنظام كان دائماً أقصر طريق إلى الثروة، إلى الحماية، إلى النفوذ، إلى البقاء.

حافظ الأسد لم يكن بحاجة إلى أن يكون عبقرياً لينجح في إحكام قبضته على سوريا، لأنه ببساطة واجه شعباً مستعداً للاستبداد، مستعداً لأن يعيش في كذبة، مستعداً لأن يصدق أن الديكتاتور هو "القائد الضرورة"، وأن المخابرات تحمي "الأمن الوطني"، وأن التصفيق هو الضمان الوحيد للبقاء. الموظف العادي الذي كتب التقارير الأمنية عن زميله، والتاجر الذي دفع الرشاوى ليحصل على احتكار السوق، ورجل الدين الذي أغلق فمه مقابل أن يُترك له منبره، والمثقف الذي حوّل قلمه إلى أداة تبرير للطغيان… هؤلاء ليسوا ضحايا، إنهم شركاء في بناء هذا المستنقع. المجتمع الذي سار في مسيرات البيعة لعقود، وصفّق لخطابات الأسد الأب والابن، وانتشى بالأغاني الوطنية، كان جزءاً من المسرحية، ولا يمكن تبرأته واعتبار أنه كان مجرد متفرجاً مغلوب على أمره.

جاءت الثورة، وسقطت كل الأقنعة، وظهرت الحقيقة العارية: السوريون لم يكونوا جاهزين للحرية. خرجوا لإسقاط الأسد، لكنهم لم يكونوا قادرين على إسقاط العقلية التي صنعت الأسد. انتقلوا من تمجيد "القائد الخالد" إلى تمجيد زعماء الفصائل، من عبادة الجيش العربي السوري إلى عبادة أي ميليشيا ترتدي ثوب الثورة، من تخوين كل معارض للنظام إلى تخوين كل معارض لزعيمهم الجديد. لم يكن الاستبداد هو المشكلة، بل أن الاستبداد لم يكن يخدم الجميع بالتساوي. لهذا، بمجرد أن سقط النظام في بعض المناطق، ظهرت نسخ مشوهة منه، بأسماء مختلفة، لكن بالذهنيات ذاتها: قائد ملهم، طاعة عمياء، سحق للمخالفين، شعارات جوفاء، وتبرير لا ينتهي للقمع. وهكذا، وجد السوري نفسه أمام معضلة لم يكن يتوقعها: الأسد لم يسقط لأن البديل عنه كان نسخة جديدة منه، فقط براية أخرى.

المشكلة لم تكن يوماً في النظام وحده، بل في المجتمع الذي قبله، في العقول التي تربّت على عبادة الفرد، على الولاء المطلق، على البحث عن الحاكم العادل بدل البحث عن النظام العادل. السوري، منذ عقود، لم يكن يبحث عن الحرية، بل كان يبحث عن سيد جديد. ولهذا، بمجرد أن سقط الأسد في بعض المناطق، خرجت جوقة جديدة تبحث عن خليفة، عن "المنقذ"، عن "الرجل القوي" الذي سيعيد الأمور إلى نصابها، حتى لو كان ذلك يعني إعادة إنتاج الديكتاتورية بحلة أخرى. لم تكن الثورة ضد الاستبداد، بل ضد الاستبداد الذي لم يكن يخدم جميع السوريين بالتساوي. لهذا، بدلاً من أن ينتج السوريون مشروعاً وطنياً، أنتجوا ميليشيات، بدلاً من أن يؤسسوا لدولة مدنية، أسسوا لإقطاعيات عسكرية، بدلاً من أن يكسروا عقلية الطاعة، استبدلوا المستبد القديم بآخر جديد.

كل هذا لا يعني أن النظام لم يكن مجرماً، ولا أن الأسد لم يكن قاتلاً، لكن لا يمكن اختزال القصة كلها في عائلة حكمت البلاد. الاستبداد لا يعيش في الفراغ، يحتاج إلى بيئة تحميه، إلى مجتمع يتواطأ معه، إلى أناس يخدمونه، إلى جيل يرضع أفكاره ويعيد إنتاجها دون وعي. الأسد لم يحكم سوريا خمسين عاماً لأنه كان قوياً، بل لأن هناك مجتمعاً بأكمله كان مستعداً للعبودية، كان مستعداً للتضحية بحريته مقابل الشعور بالأمان، كان مستعداً للتصفيق لكل من يرفع شعارات القوة والاستقرار، حتى لو كان ذلك يعني سحقه شخصياً. لا أحد يحب أن يسمع هذا الكلام، لأن الاعتراف بهذه الحقيقة يعني أن المشكلة لم تكن استثناءً سياسياً، بل كانت قاعدة اجتماعية راسخة.

السوري لن يكون حراً إذا لم يبدأ بمواجهة نفسه. لن يخرج من هذه الدوامة إذا لم يسأل نفسه: لماذا كنا مستعدين للعيش تحت الاستبداد؟ لماذا نبحث عن زعيم جديد في كل مرحلة؟ لماذا نعيد إنتاج الطغيان كلما سنحت لنا الفرصة؟ الثورة الحقيقية لن تكون فقط في إسقاط الأسد، الثورة تتم وتنجز عند إسقاط كل الذهنيات التي جعلت حكمه ممكناً. حتى يحدث ذلك، لا معنى للسؤال: لماذا لم تنجح الثورة؟ لماذا لم يسقط النظام؟ لماذا ما زلنا في هذه الدوامة؟ الإجابة واضحة، لكنها قاسية: لأن المشكلة لم تكن في النظام وحده، بل في الذين صنعوه، في الذين حمَوه، في الذين استفادوا منه، في الذين أعادوا إنتاجه عندما سقط، في الذين يعيشون بعقلية العبد، ثم يتساءلون لماذا ما زال السيد يحكمهم.



#شادي_أبو_كرم (هاشتاغ)       Shadi_Abou_Karam#          



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- شتم 3 مسلمات -يصلين بموقف سيارات-.. تداول فيديو لطليق نائب أ ...
- ارتفاع عدد قتلى زلزال ميانمار إلى 3354 شخصا
- شاهد عيان: العسكريون الأوكرانيون في كوراخوفو يتركون جثث قتلا ...
- الحوثيون يعلنون استهداف موقع عسكري في يافا وإسقاط طائرة استط ...
- ناشطون مؤيدون للفلسطينيين مهددون بالإبعاد عن ألمانيا
- فضيحة تهز هوليوود.. جان كلود فان دام متهم بالاستغلال الجنسي ...
- دعوات لاحتجاجات ضد ترامب وماسك في مختلف أنحاء الولايات المتح ...
- إسبانيا.. دعوات لاحتجاجات عارمة ضد أزمة السكن وارتفاع الإيجا ...
- العثور على رخويات غير معروفة للعلم في المحيط الهادئ
- واشنطن تضاعف الضغط على بكين


المزيد.....

- المسألة الإسرائيلية كمسألة عربية / ياسين الحاج صالح
- قيم الحرية والتعددية في الشرق العربي / رائد قاسم
- اللّاحرّية: العرب كبروليتاريا سياسية مثلّثة التبعية / ياسين الحاج صالح
- جدل ألوطنية والشيوعية في العراق / لبيب سلطان
- حل الدولتين..بحث في القوى والمصالح المانعة والممانعة / لبيب سلطان
- موقع الماركسية والماركسيين العرب اليوم حوار نقدي / لبيب سلطان
- الاغتراب في الثقافة العربية المعاصرة : قراءة في المظاهر الثق ... / علي أسعد وطفة
- في نقد العقلية العربية / علي أسعد وطفة
- نظام الانفعالات وتاريخية الأفكار / ياسين الحاج صالح
- في العنف: نظرات في أوجه العنف وأشكاله في سورية خلال عقد / ياسين الحاج صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - شادي أبو كرم - الطغاة لا يولدون من العدم: كيف صنع السوريون استبدادهم وحموه؟