مشروع القرار الأمريكي بشأن مستقبل غزة والموقف الفلسطيني منه
زهير الخويلدي
الحوار المتمدن
-
العدد: 8529 - 2025 / 11 / 17 - 22:47
المحور:
القضية الفلسطينية
مقدمة
"حريتنا غير مكتملة بلا حرية الفلسطينيين" نيلسون مانديلا
في سياق الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي الذي يمتد لأكثر من عقدين، أصبحت غزة محوراً للتوترات الدبلوماسية العالمية، خاصة مع تصاعد الجهود الدولية لإنهاء الحرب التي اندلعت في أكتوبر 2023 واستمرت حتى وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025. يُمثِّل مشروع القرار الأمريكي بشأن مستقبل غزة، الذي أُعلن في سبتمبر 2025 كـ«خطة ترامب 20 نقطة» ، محاولةً أمريكية لإعادة تشكيل الواقع في القطاع بعد وقف القتال. هذه الخطة، التي تُقدَّم اليوم (17 نوفمبر 2025) للتصويت في مجلس الأمن الدولي، تُثير جدلاً واسعاً حول مصير 2.3 مليون فلسطيني في غزة، وتُعيد طرح قضايا السيادة، الإعادة الإعمار، والدولة الفلسطينية.
تُبرز هذه الدراسة أن الخطة الأمريكية، رغم طموحها في إنهاء الصراع، تُعاني من نقص في التفاصيل التشغيلية وتُعزِّز الدور الأمريكي-الإسرائيلي في حساب السيادة الفلسطينية، مما يُفسَّر كامتداد للسياسة الاستعمارية. أما الموقف الفلسطيني، فيعكس انقساماً داخلياً بين السلطة الوطنية الفلسطينية التي تُرحِّب جزئياً، وحركة حماس التي ترفضها كمحاولة للتهجير والاحتلال المقنَّع. تنقسم الدراسة إلى ثلاثة محاور رئيسية: ماهي خلفية ومحتوى مشروع القرار الأمريكي؟ كيف تراوح الموقف الفلسطيني بين الترحيب والرفض؟ ماهي التداعيات الدبلوماسية وهل يمكن تقديم الاقتراحات البناءة للخروج من الورطة؟
تهدف الدراسة إلى إثبات أن نجاح أي حل يتطلب مشاركة فلسطينية كاملة وآلية دولية محايدة، بعيداً عن الهيمنة الأمريكية.
المحور الأول: خلفية ومحتوى مشروع القرار الأمريكي
1. السياق التاريخي والدبلوماسي
اندلعت الحرب في غزة في 7 أكتوبر 2023 بعد هجوم حماس على إسرائيل، مما أسفر عن مقتل آلاف وتشريد مئات الآلاف. أدَّى وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 إلى انقسام غزة إلى «خط أصفر» يفصل الشرق المحتل إسرائيلياً عن الغرب الخاضع لحماس، مع إدخال مساعدات محدودة.
في هذا السياق، أُعلن عن خطة ترامب في 29 سبتمبر 2025، مدعومة من أكثر من 20 دولة في قمة شرم الشيخ (13 أكتوبر 2025)، كمحاولة لتحويل الوقف إلى سلام دائم.
الخطة تُقدَّم اليوم كمشروع قرار في مجلس الأمن، بعد تعديلات لإدراج إشارة إلى «مسار موثوق للدولة الفلسطينية» تحت ضغط عربي.
2. المحتوى الرئيسي للخطة (20 نقطة رئيسية)
تُركِّز الخطة على أربعة محاور أساسية:
الأمن والتخلص من الإرهاب: غزة كـ«منطقة خالية من الإرهاب»، مع نزع سلاح حماس وتفكيك بنيتها العسكرية. يُقترح قوة استقرار دولية مؤقتة (20 ألف جندي) برئاسة أمريكية، بالتشاور مع إسرائيل ومصر، للنشر في الشرق مع قوات إسرائيلية.
الإعادة الإعمار والتنمية: إعادة بناء غزة كـ«ريفييرا الشرق الأوسط»، مع لوحة سلام دولية برئاسة ترامب وتوني بلير، لإشراف على لجنة فلسطينية تقنية. تشمل إدخال مساعدات فورية (مياه، كهرباء، مستشفيات) عبر الأمم المتحدة والأهلة الحمراء، وفتح معبر رفح.
الحكم الانتقالي: لجنة فلسطينية تقنية غير سياسية لإدارة اليوميات، مع إصلاحات في السلطة الفلسطينية (انتخابات ديمقراطية خلال عام).
لا دور فوري للسلطة أو حماس، مع ضمانات لعدم الاحتلال الإسرائيلي الدائم.
المسار السياسي: إشارة إلى «دولة فلسطينية» بعد إصلاحات، مع تشجيع البقاء في غزة (لا تهجير قسري، لكن تسهيلات للراغبين في العودة).
رغم الطموح، تُنتقد الخطة لعدم تحديد الجدول الزمني أو مصادر التمويل (53 مليار دولار)، واعتمادها على قوة غير مدعومة بعد (إندونيسيا، تركيا، مصر محتاطة).
المحور الثاني: الموقف الفلسطيني من المشروع – بين الترحيب الاستراتيجي والرفض الجذري
1. موقف السلطة الوطنية الفلسطينية
تُرحِّب السلطة جزئياً بالخطة كـ«خطوة نحو السلام»، معتبرةً إياها تأكيداً لحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والدولة المستقلة، وفق القانون الدولي.
في بيانها (14 نوفمبر 2025)، أكدت السلطة استعدادها لتحمُّل مسؤولياتها في غزة ضمن «وحدة الأرض والشعب والمؤسسات»، مع الإشارة إلى خطة فرنسية-سعودية لإصلاحاتها (انتخابات خلال عام، دستور فلسطيني).
ومع ذلك، تُنتقد الخطة لتهميش دورها الحالي، حيث تُقدَّم كـ«مُشروطة بإصلاحات» دون ضمانات فورية، مما يُعزِّز الشعور بالضغط الأمريكي.
رئيس الوزراء محمد مصطفى أكَّد أن السلطة ليست مجرَّد «مراقب»، بل يجب أن تكون الجهة الرئيسية للحكم.
2. موقف حركة حماس وفصائل المقاومة
يُرفض المشروع جذرياً كـ«محاولة للتهجير والاحتلال المقنَّع»، معتبراً إياه «خريطة للإفقار» تُقصِي الفلسطينيين من صنع مصيرهم.
في 3 أكتوبر 2025، قَبِلَتْ حماس بعض العناصر (التخلِّي عن السلطة، إطلاق الرهائن)، لكنها طالبت بـ«موقف فلسطيني موحَّد» يعتمد القانون الدولي، رافضةً نزع السلاح دون ضمانات سيادية.
كما دَعَتْ فصائل المقاومة الجزائر (عضو في مجلس الأمن) للرفض، معتبرةً القوة الدولية «احتلالاً جديداً».
يُرى في الخطة امتداداً لاقتراح ترامب الأولي (فبراير 2025) بـ«السيطرة الأمريكية» على غزة، مما يُثير مخاوف من «تطهير عرقي».
3. التوحُّد الفلسطيني والدعم العربي
رغم الانقسام، يدعم العرب (مصر، الأردن، قطر، السعودية) خطة بديلة تُؤكِّد دور السلطة ووحدة غزة-الضفة، رافضين التهجير.
هذا الدعم يُعزِّز موقف السلطة، لكنه يُبرز ضعف التمثيل الفلسطيني في الخطة الأمريكية.
المحور الثالث: التداعيات الدبلوماسية والاقتراحات للخروج من الورطة
1. التداعيات على المشهد الدولي
يُثير المشروع توتراً في مجلس الأمن: روسيا والصين يقدَّمان «مقترحاً مضادّاً» يُؤكِّد السيادة الفلسطينية دون هيمنة أمريكية.
إسرائيل تُضغط لإزالة إشارة الدولة الفلسطينية، معتبرةً إياها «خطاً أحمر».
أما الأوروبيون والعرب، فيطالبون بتفاصيل عملية للـقوة غير المدعومة والتمويل، محذِّرين من «سلام غير مستدام» يُعيد الصراع.
النتيجة المحتملة: فشل في التصويت، مما يُطيح بالوقف ويُعرِّض غزة لمزيد من الدمار.
2. الاقتراحات لتعزيز السلام
تعزيز الدور الفلسطيني: إدراج ممثِّلين فلسطينيين في لوحة السلام، مع ضمانات لانتخابات موحَّدة.
آلية دولية محايدة: نشر قوة غير مدعومة تحت قيادة الأمم المتحدة، لا أمريكية، مع تمويل عربي-أوروبي.
مسار سياسي واضح: ربط الإعادة الإعمار بإنهاء الاحتلال في الضفة، وفق قرارات مجلس الأمن (242، 338).
حوار فلسطيني داخلي: عقد مؤتمر وطني لتوحيد الموقف، مدعوماً عربياً.
خاتمة
مشروع القرار الأمريكي بشأن مستقبل غزة يُمثِّل فرصةً للإعادة الإعمار، لكنه يُعاني من هيمنة أمريكية-إسرائيلية تُقصِي الصوت الفلسطيني، مما يجعله «صفقة غير متوازنة». ان الموقف الفلسطيني، بترحيب السلطة الاستراتيجي ورفض حماس الجذري، يُبرز الحاجة إلى توحيد داخلي لفرض شروط السيادة. في النهاية، السلام الحقيقي لن يأتي من قرار أمريكي، بل من اعتراف دولي بفلسطين كدولة، وإنهاء الاحتلال كشرط أساسي. يظل قطاع غزة جزء لا يتجزَّأ من فلسطين، ويبقى التحدِّي في تحويل هذا الجزء إلى واقع سياسي مستقل. أليس من حق الفلسطينيين في اقامة دولة ذات سيادة مثل بقية الشعوب؟
كاتب فلسفي