أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية - عزالدين بوغانمي - اليسار التونسي وجذور الفشل















المزيد.....

اليسار التونسي وجذور الفشل


عزالدين بوغانمي
الحوار المتمدن-العدد: 5921 - 2018 / 7 / 2 - 00:57
المحور: العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية
    


من حين إلى آخر أقرأ بعض التعاليق الجبانة التي تفهم نقدنا اللاذع لقيادة الجبهة بشكل سطحي وغبي. ويبدو أن هذه الرسالة التي أوجهها للجميع بالغة الأهمية في هذا الظرف بالذات.
لماذا نقول ونكرر بإصرار شديد على انصهار مكونات الجبهة في حزب واحد؟
ولماذا كل هذا النقد اللاذع للقيادة ؟
اليسار في تونس عمره قرن على الأقل. منذ عام 1920 وأجيال اليسار المتلاحقة تدفع فواتير التضحيات، وفواتير الأخطاء القاتلة. ومن وراء ذلك تدفع تونس سنيننا من عمرها وتخسر أجيالا من شبابها ولا تتحرك إلى الأمام، بل تتراجع إلى الخلف.
من المعلوم أن الحزب الشيوعي هو أقدم حزب سياسي تونسي إذ تأسس عام 1920. أول خطأ يعادل الكارثة هو بقاء الحزب الشيوعي خلال الفترة الأولى من الكفاح ضد المستعمر تحت وصاية الفيدرالية الأممية الشيوعية، ونظرا لمكانة الفرنسيين داخل الأممية ظل لسنوات قبل صعود الشيوعيين التونسيون لقيادة حزبهم، فرعا من فروع الحزب الشيوعي الفرنسي، إذ تورط في الدفاع عن شعار "الاتحاد الفرنسي" المناهض للاستقلال.
بعد ذلك نجحت القيادة في تصحيح مسار الحزب الذي التحق بالحركة الوطنية، وطالب بالاستقلال متخليا عن موقفه السابق المشين. وبسبب ذلك الخطأ، لم يتمكن الحزب الشيوعي من الإشعاع؛ ولم يتحول إلى حزب جماهيري أبدا، رغم كل المجهودات التي قام بها لتأصيل وجوده في البيئة التونسية. ففي مطلع الستينات نجح في ربط صلات نضالية متينة بالاتحاد، وبدأ ينتعش وينفتح ببطء على الطبقة العاملة. ولكن النظام أصدر قراراً بتجميد نشاطه عام 1963. وشنت عليه حملة ممنهجة فاتهم بموالاته لفرنسا الاستعمارية، كما أنه تضرر كثيراً من ارتباطه بالاتحاد السوفييتي ودفاعه عن سياسته الخاطئة، كالمساومتة بقضايا الشعوب، وأهمها الموقف من قضية فلسطين، الذي نجم عنه موقف أعمى ولا وطني يتحدث عن خرافة "تحالف البروليتاريا اليهودية والبروليتارية العربية ضد رأس المال" على اعتبار أن جوهر الصراع في فلسطين هو صراع طبقي وليس وطنيا. وهذا ما عزل الحزب الشيوعي وأفقده القدرة على التوسع واحتلال مكانة لائقة في المجتمع.
في أواسط الستينات، وبعد قرار نظام الحكم بمنع نشاط الحزب الشيوعي، وفي إطار الصراع التاريخي بين التروتسكيين والأحزاب الموالية لموسكو، حاول التروتسكيون سحب البساط من تحته واحتلال مكانه خصوصا في الحركة الشبابية. ولكن تلك المحاولة لم تخلف أثرا يذكر أو يوثر بشكل مباشر في ما سيأتي من أحداث.
في آواخر الستينات التقى مجموعة من الشباب: شيوعيين وقوميين ومستقلين توانسة في باريس، وكونوا "تجمع الدراسات والعمل الاشتراكي التونسي"، وأصدروا مجلة "آفاق"، وكان الهدف من هذا التجمع الذي سرعان ما التحق به مئات الطلبة في البداية، ثم عمال مهاجرون، هو بناء يسار جديد على أنقاض الحزب الشيوعي الذي انسحب قادته وانصاره من السياسة، وركزوا جهودهم في الجبهة الثقافية وفي التعليم. ولعل هذا ما يفسر الدور المركزي لليسار التونسي في المسرح والسينيما والأدب والشعر، و أيضا في النخبة الجامعية. نقول هذا دون أن ننسى تأثير التيار اليساري داخل حزب الدستور نفسه. ويكفي الرجوع لمداخلات النواب في المجلس التأسيسي الأول التي ولد منها دستور 1959 حتى نقف على الحضور القوي لهذا التيار، ودوره في بناء الدولة الجديدة بعد الاستقلال.
"تجمع الدراسات والعمل الاشتراكي التونسي" أدى في النهاية إلى تأسيس حركة آفاق، الحركة اليسارية الأكثر تصميم وهي الحركة التي قدمت من التضحيات والسجون والمنافي و الآغتيالات ما لم تشهد له تونس مثيلا في تاريخها. هذه الحركة كان بإمكانها التحول إلى قطب وطني صلب يضم في صفوفه هذا التيار اليساري العريق الراسخ في شرايين تونس الحديثة قبل بناء الدولة، منذ الثلاثينات حيث ولدت النقابات التونسية المستقلة.
كان بإمكان آفاق أن تتجه إلى الطبقة العاملة كأولوية و أن تركز الجهد في صفوف الشعب وجيوب الفقر والأحياء الشعبية و الأرياف. كان بإمكانها أن تستند إلى اتحاد الشغل، الجمل الذي لا يهزم.
فماذا حدث بدل كل هذا؟
في تلك الفترة، كان الصراع بين أجنحة الحكم في ذروته، وقد انفجر البيت الدستوري في انقلاب موتمر المستير والتصدع الأكبر الذي شهده نظام الحكم، بين الجناح المتطرف الذي يمثله الهادي نويرة- عبد الله فرحات- ومحمد الصياح، والجناح الليبيرالي بقيادة وزير الداخلية أحمد المستيري وحسيب بن عمار والباجي قائد السبسي والصادق جمعة ... وآخرون. هولاء الذين سيطردون من الحزب ومن الدولة وسيبعثون جريدة الرأي، وسيحاولون استخدام اتحاد الشغل فيستخدمهم ... وهكذا ...
في ذلك الجو، تم استدراج حركة آفاق وتوظيفها في صراع الأجنحة. ففي فيفري 1971 نشطت حركة آفاق بكل ما لديها من جهد وأسهمت في افتكاك اتحاد الطلبة من الدساترة، وقد رد النظام على نتائج الآنتخابات بإفساد الموتمر، وما رافق ذلك من عنف واعتقالات واسعة النطاق، كان الهدف منها القضاء على الشيوعيين وتطهير الجامعة من وجودهم. ولقد مهد ذلك العنف إلى اندلاع الانتفاضة الطلابية الشهيرة التي عبّرت عنها "حركة أكتوبر 1972".
فماذا كانت النتيجة؟
اعتقال كل الكوادر اليسارية الفاعلة، ورميهم في حبس الكاف وحبس برج الرومي، ومن نجا منهم أكلته المنافي. وهكذا دخل اليسار في مرحلة تشرذم وضياع لأكثر من ثلاثة عشرة سنة، ظل فيها وراء أسوار الجامعة. ولقد تسبب ذلك العجز إلى اندلاع صراعات فكرية غريبة عجيبة حول قضايا الخلاف في الحركة الشيوعية العالمية. وحول تفاصيل فلسفية نادرا ما ينتبه لها حتى الفلاسفة أنفسهم. وحول بعض المواقف الثانوية التي وردت في سياق نصوص كارل ماركس بصدد الجزائر أو الهند. وحول بعض التفاصيل الخلافية داخل الحزب الإشتراكي الروسي ومفهوم لينين لخطتي الاشتراكية الديمقراطية في الثورة ...
تخيلوا، اليسار في تونس انقسم إلى عدة مجموعات بسبب الآختلاف في تأويل مقررات الموتمر السادس للأممية الشيوعية الثالثة الذي انعقد في صيف 1928 في موسكو.
رجاء، لا تقلقوا، فأنا لا أسرد التاريخ مجانا. بل لأجيب عن السوال الذي طرحته أعلاه.
لقائل أن يقول : شنو ها المقررات التي قسمتنا ؟
هي عبارة عن جملة من التعليمات الصارمة والسياسات الدقيقة التي رسمها الكومنترن للأحزاب الشيوعية، بحيث ابتدع مفهوم إيديولوجي جديد يقسم التاريخ الحديث إلى ثلاث فترات:
"الفترة الأولى" التي تلت الحرب العالمية الأولى وشهدت طفرة الطبقة العاملة الثورية وهزيمتها.
"الفترة الثانية" هي توطيد الرأسمالية في معظم عقد العشرينات.
"الفترة الثالثة"، كان الشيوعيون يعتقدون أنها لحظات الموت الأخيرة للرأسمالية. وتبدأ "الفترة الثالثة" من عام 1928 فصاعدا، سيما وقد بدت بوادر أزمة 29 تظهر في الكساد الاقتصادي في الدول الغربية وفي المجاعة التي طالت عددا من المستعمرات آنذاك. فسموها "حقبة الانهيار الاقتصادي الواسع، وتجذّر جماهير الطبقة العاملة الذي سيؤدي إلى نضوج الأوضاع وحدوث الثورة البروليتارية فيما إذا تمسكت الأحزاب الشيوعية ب"التشدد""، وقد ركزت توصيات الكومنرتن على العداء الشديد للإصلاح السياسي والمنظمات السياسية الإصلاحية التي تطالب بالحريات السياسية مثلا، إذ اعتبرت تلك السياسات عائقا أمام الثورة البروليتارية. ففي النقابات مثلا، تم إنشاء "نقابات جذرية" تحت سيطرة الحزب الشيوعي بدلا من تجذير النقابات من الداخل.
المضحك في الموضوع هو أن هذه "النظرية" التي أدت إلى انقسامات اليسار المتتالية والتي نعاني منها إلى يوم الناس هذا، سقطت بعد خمسة سنوات. فهي في حقيقة الأمر فصل من فصول سياسة الآتحاد السوفياتي الخارجية في إطار الصراع الدولي على النفوذ في العالم. فإثر صعود الحزب النازي إلى السلطة في ألمانيا عام 1933 والإبادة التي تعرضت لها الحركة الشيوعية الألمانية، أجبر الروس الأممية الثالثة على إعادة تقييم تكتيكات "الفترة الثالثة"، بحيث بدأ النقاش عام 1934، وانتهى بالتخلي عن "التشدد". لتحل محله سياسة "الجبهة الشعبية" التي اعتمدت كسياسة في مؤتمر الأممية السابع عام 1935. وخلاصة هذا التكتيك الجديد هي أن يسعى الحزب الشيوعي في جميع بلدان العالم إلى بناء جبهة شعبية واسعة شرط أن يكون هو قائدها. وفي ذلك المناخ وبناء على تلك التوصيات وصلت الجبهة الشعبية الفرنسية للحكم سنة 1936. وخاضت أختها الإسبانية الحرب الشنيعة ضد قوات فرنكو ... وهكذا.
حول هذه المسائل العرضية في التاريخ، والتي لا علاقة لها بواقع تونس انقسم اليسار في الجامعة التونسية سليل حركة آفاق الشبابية المغامرة، إلى تيارين رئيسيين: العامل التونسي، التي سيرثه حمة الهمامي ومحمد الكيلاني، ويوسسان "حزب العمال الشيوعي التونسي"، دون التشاور مع رفاقهم وقادتهم في العامل التونسي، ولاحقا سينشق الحزب إلى شقين بسبب خلاف بين الرفيقين لا غير..
والتيار الثاني هو "الوطنيون الديمقراطيون" و الذي سيشهد هو الآخر انقسامات بلا أي مبرر معقول باستثناء الزعامتية الفاضحة والولاءات الأشبه بالولاءات القبلية.
هذان التياران اللذان يشكلان "ركيزتي" الجبهة الشعبية نظريا اليوم، عاشا صراعات و أحقادا على امتداد ثلاثين عاما. وطوال كل هذه المدة قلة قليلة جدا من الجانبين كافحت كفاحا مريرا من أجل ترسيخ تقاليد العمل المشترك في مجالي العمل النقابي، و الحقوق والحريات، واعترضت باستمرار وبشدة على قضايا الخلاف المفتعلة. وحاولت عدة مرات الالتقاء حول مهام معينة يفرضها الوضع. منها تجربة "اليسار النقابي المناضل" على إثر أزمة الآتحاد الأخيرة (1985). ومنها معركة الحق النقابي، وفق الحصار على الحقوقيين والسياسيين في ظل الانغلاق السياسي القاتل الذي فرضه نظام بن علي بعد أن ضمن تحالف واسع بين الحزب الحاكم وجميع المعارضات الكرتونية واتحاد الشغل والبيروقراطية النقابية خلال العشرية السوداء. كذلك تجربة بيان 1 ماي 2000 وقوس الكرامة ... وباستثناء تلك الأقلية التي كابدت من أجل تشكيل جبهة نضال وطني ديمقراطي على الأقل في المنظمات الجماهيرية، استمرت الأغلبية الساحقة، بما في ذلك القائمين على الجبهة اليوم، بكل ما لديهم من الجهد في تغذية تلك الخلافات، وتعميق الجراح بين المناضلين في الجهات. ولم يستفد من ذلك إلا نظام الحكم. ولعل مسيرة الآتحاد العام لطلبة تونس والصراعات والفضائح منذ عام 1988 تشهد على ما أقول. ومن بين نقاط الخلاف الجوهرية بين الطيارين هي "طبيعة الثورة"، و-"كيفية التغير السياسي"، هل يسقط النظام بالانتفاضة الشعبية مسنودة بالإضراب العام؟ أو يتم التغيير بالنضال من أجل الحريات السياسية ومراكمة عزل النظام؟
ماذا كانت نتيجة تلك الصراعات المريرة التي لا مبرر لها ولا محتوى ولا سبب مقنع سوى مرض الإنعزالية وضيق الأفق؟
اندلعت الثورة في ظل ذلك التشرذم وذلك الإرث الثقيل من الكراهية والتنافر. وبالرغم من ذلك كان أبناء اليسار وبناته في قلب الآحتجاجات الشعبية التي كان للاتحاد الدور المركزي في احتضانها ومحاولة تأطيرها هنا والتحكم فيها هناك. وهم الذين قادوا الثورة وزودوها بشعاراتها السياسية الأكثر راديكالية وأهمها "الشعب يريد إسقاط النظام". ولكن على المستوى السياسي وجدت الأحزاب والتنظيمات اليسارية في ذيل حركة الشارع، لأنها كانت أضعف بكثير تنظيميا وسياسيا وبشريا من قوة الشارع الجارفة.
والغريب أنه حتى بعد الثورة وسقوط بن علي وحل البرلمان و حل حزب التجمع الحاكم، وحل مجلس المستشارين، وحل جهاز البوليس السياسي، استمر انقسام اليسار على بعضه. وفشلنا في إقناعهم بالتوحد فورا في جبهة ديمقراطية شعبية واسعة تملأ الفراغ السياسي الحاصل، و واجهناهم صراحة بكون الثورة التي كنتم تختلفون على طبيعتها حدثت ولم يعد هنالك ما يبرر الأنقسام. ولكنهم استمروا بنفس المنهجية الغبية، ولذلك السبب، دخلت الأحزاب اليسارية في انتخابات المجلس التأسيسي متفرقة كالعادة، فكانت النتيجة الهزيمة القاسية التي صدمت الجميع، وهي في حقيقة الأمر الثمرة المرة الطبيعية لما تراكم من الأخطاء على امتداد العقود الثلاثة الماضية..
بعد هزيمة 23 أكتوبر، وبعد جهد جهيد ونقاشات ومراسلات واستقالات واحتجاجات دامت قرابة العام، ولدت الجبهة الشعبية.
بطبيعة الحال اليساريون من كل المشارب والمدارس في تونس خارج الأحزاب يعدون بمئات الآلاف، فاليسار كما ذكرت في بداية المقال عمره أكثر من مئة عام. وله وجود في كل قرية وكل دوار بكامل تراب تونس. وكانت ولادة الجبهة الشعبية بمثابة حلم كل تلك الأجيال المتعاقبة، ولذلك هب الناس من كل حدب وصوب لحضور اجتماع إعلان الجبهة نساء ورجالا وشبابا وشيوخا. وكانت الدموع شاهدة على منسوب الأمل في أن الخلاصة النوعية لتجربة اليسار التونسي على امتداد مئة سنة تتحقق في جبهة واحدة متراصة الصفوف ستحمل المشروع الوطني في استكمال السيادة الوطنية وتحقيق الديمقراطية الآجتماعية و السياسية..
لا شك، ولا يخفى على أحد أن الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، وكذلك المناضل الكبير خير ألدين الصوابني ومعه سيد أحمد الصديق، كان لهم الدور المركزي في توحيد اليسار من جهة، وتوحيد هذا الأخير بجزء هام من التيار القومي العروبي بجناحيه الناصري والبعثي. ولكن الذي يجهله البعض أن رفاقنا في حزب العمال لم يكن في برنامجهم ولو للحظة واحدة الذهاب بالجبهة أبعد من أن تكون مجالا وفرصة لتقوية حزبهم. وهذا خطأ آخر جوهري وفاضح من أخطاء اليسار التاريخية التي أدت به على الدوام إلى الهزائم القاسية. وهذا سبب رئيسي في منع الجبهة الشعبية من التطور والتحول إلى فعلا إلى الخلاصة النوعية لنضال أجيال متلاحقة.
وبالمناسبة، رفاقنا في حزب العمال مازالوا مقتنعين بتوصيات الموتمر السابع للأممية الشيوعية الثالث الذي انعقد في أوت 1935 حيث رفع شعار "الجبهة الشعبية المعادية للامبريالية بقيادة حزب الطبقة العاملة". وبما أن الرفيق حمة يعتقد أن البوكت هو حزب الطبقة العاملة، فإن دوره ليس بناء جبهة شعبية مرشحة لحكم البلاد، بل قيادتها إلى حيث هو يريد. و بسبب تلك الخلافات القديمة، وبسبب ذلك التردد في بناء الجبهة، انتهز رئيس الحكومة المتخلي آنذاك الأستاذ الباجي قائد السبسي فرصة الفراغ وأنشأ حزب نداء تونس الذي بناه وقاده يساريون مكانهم الطبيعي في الجبهة الشعبية.
على كل حال، ولدت الجبهة الشعبية برغم كل العلل. وللتاريخ، يجب أن نسجل أن الوطنيين الديمقراطيين، برغم هناتهم العديدة، نجحوا -بقيادة الشهيد شكري بلعيد والراحل سنان العزابي والأمين العام الحالي زياد لخضر وبعض الأسماء الأخرى الموثرة-، في ثلاثة نجاحات مهمة تصب جميعها في إنهاء تشرذم اليسار، أفزعت الرجعية محليا وإقليميا وربما دوليا. بحيث استطاعوا في ظرف قياسي تجميع الوطنيين الديمقراطيين في حزب واحد. ثم نجحوا في إقناع حمة الهمامي بقيادة الجبهة الشعبية. وبعد ذلك خاضوا نقاشا عسيرا مع الناصريين والبعثيين للالتحاق بالجبهة. والحقيقة أن هذا يعود إلى طبيعة النواة المتقدمة للوطنيين الديمقراطيين التي تميزت بسعة الثقافة ورحابة الحلم، مما سهل عليها إمكانيات الآنفتاح على الآخر المختلف بلا قيود ايديولوجية صنمية كالتي يعاني منها بقية اليسار المتحجر. وهي ذات القيود والأمراض الموروثة التي مازالت تعطل تطور الجبهة.
يجب أن نقول على وجه اليقين أن تأسيس الجبهة الشعبية، التي تنادي بتغيير منوال التنمية، و بخروج البلد من تحت وصاية الصناديق الدولية، وبمحاربة الفقر وتوزيع الثروات بالعدل بين الجهات، قد شكل خطرا ما بعض خطر على كل الفئات البرجوازية الرثة المتمعشة من السمسرة وقواعد النظام القديم. وبنفس القدر شكل ذلك خطرا على أنظمة الخليج العشائرية التي لا تتحمل نموذج دولة وطنية عصرية في جوارها العربي الإسلامي. والتي تسعى إلى إقامة دول متخلفة على شاكلتها. أما دول المركز الإمبريالي، فإن ما يثير حفيظتها هو النموذج الإستقلالي في ظل أزمات النظام الرأسمالي المتفاقمة والتي تهدد بانفجارات طبقية هنا في أوروبا والولايات المتحدة.
ولذلك كان لولادة الجبهة الشعبية العسيرة ثمنا وخسارة لا تعوض ألا وهي اغتيال الشهيدين شكري والبراهمي. وعلينا أن نعترف أن من خطط واختار الضحايا يدرك بشكل دقيق دور الرجلين والآفاق التي فتحت أمام البلد بوجود جبهة شعبية متحدة ومنظمة تتمتع بكل عناصر القوة الشعبية والعراقة القيمية التقدمية والثقل النضالي الرمزي. فالجبهة بهذا المعنى هي خلاصة حركة الإصلاح التي انطلقت في النصف الثاني للقرن الثامن عشر. فهي تختزن رصيد الحركة العمالية من محمد علي الحامي إلى حشاد إلى قادة المنظمة اليوم. وتختزن مجلة الأحوال الشخصية والمرأة التونسية المتحررة والعصية على التدجين الظلامي. وهي تختزن كل الثقافة التقدمية التي حفرها المسرح والأدب والشعر. وهي تختزن العدد المهول من القادر العلمي والأكاديمي في الجامعة التونسية. وهي الحاضرة بقوة في المحاماة ذلك القطاع النوعي في البلاد.
وهذا يعني في نهاية التحليل أن كل الظروف مهيأة تماما، فيما لو توفرت إرادة الرجال والنساء الذين يحترمون شعبهم وبلادهم ودماء شهدائهم، لانصهار كل مكونات الجبهة في "حزب الجبهة الشعبية الموحد" المتراص الصفوف الحديث الثري بتنوعه والمنفتح على محيطه الطبيعي في مجالات العلم والمعرفة والثقافة والفنون، موظفا كل عناصر قوته التي ذكرت لإخراج تونس من أزمتها، بل من الهاوية التي سقطت فيها.
سارع الأعداء في ضرب الجبهة في مقتل، حين اغتالوا الشهيدين، وسرعان ما عادت الإنعزالية، وعاد التشظي، وعادت تلك الصراعات القديمة إلى صفوف الجبهة، وعادت تلك التربية الحقيرة لشبيبة الجامعات. وبدأ التدهور. وبدأ المستقلون - الذين هم اليسار الشعبي الحقيقي- ينفضون من حول الجبهة. وبعد أن كانت الجبهة القوة الثالثة في البلد، ومرشحة لتكون القوة الأولى بعد تجربة الحكم الأخيرة الناجمة عن انتخابات 2014 ، صارت تتوسل التحالف مع احزاب أصغر منها بكثير على كل المستويات .
لكل هذه الأسباب التي يفيض بها قلبي وقلوب الآلاف من الوطنيين، انتقد قيادة الجبهة وبقسوة شديدة. وأنادي بأعلى صوتي أن كفوا عن الإقامة في بسائط الأمور. كفوا عن ترديد أوهام الخلافات الإيديولوجية. توحدوا في حزب واحد من أجل بلادكم وشعبكم. فليس هنالك ما يفرقنا سوى ضعف الوطنية وقلة المسوولية.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,099,710,189
- تونس تحتاج تفاهم أبنائها حول قضايا الإجماع الداخلي.
- ثقافة الإستبداد وعوائق إصلاح الجبهة الشعبية
- النخبة السياسية التونسية: ثنائية الطمع والجهل..
- خائف عليها من الحمقى!
- التدين الماركسي
- الإسلام ومأساة العقل
- بين دولة الاستقلال والكيان الاعتباطي
- رسالة إلى شباب تونس بشأن دروس المصالحة الوطنية بجنوب إفريقيا ...
- حول طبيعة الثورات ومآلاتها
- تجدد النظام القديم وتعمق أزمة تونس.
- الجمود العقائدي والحرب على التقدم.
- حين يستولي الفساد على السّلطة
- نُخب الاستبداد ومستقبل الديمقراطية
- الإسلام السّياسي إعاقة حضارية.
- حِين يُقْطع رأس الثّورة
- شكري بلعيد المثقف العضوي والثوري المختلف ..
- وطن الوحشة والألم: كلمات على وسادة الغربة.
- الألم الوطني وقسوة الحرف.
- انقسام معسكر الرّجعية العالمية، وغياب الجبهة الوطنيّة الدّيم ...
- غزة الأبية ليست لوحدها // تعقيبا على مقال الشيخ راشد الغنوش


المزيد.....




- #إلى_الشارع الأحد المقبل
- #إلى_الشارع من أجل تصحيح الأجور بالقطاع الخاص
- #إلى_الشارع صناديقكم ومجالسكم وجمعياتكم الوهمية ومدارسكم -ال ...
- #إلى_الشارع
- #إلى_الشارع
- مواجهات ليلية بين الشرطة المجرية وبين متظاهرين ضد "قانو ...
- الشرطة العراقية تفتح النار على المتظاهرين بالبصرة
- مواجهات ليلية بين الشرطة المجرية وبين متظاهرين ضد "قانو ...
- الشرطة العراقية تفتح النار على المتظاهرين بالبصرة
- مزارعو الحمضيات قطعوا الطريق في العبدة وطالبوا بتعويضهم


المزيد.....

- التحالفات الطائفية ومخاطرها على الوحدة الوطنية / فلاح علي
- الانعطافة المفاجئة من “تحالف القوى الديمقراطية المدنية” الى ... / حسان عاكف
- ما هي مساهمات كوريا الشمالية في قضية الاستقلالية ضد الإمبريا ... / الصوت الشيوعي
- كيف ساعدت كوريا الشمالية الشعب الفيتنامي في حربه الثورية؟ / الصوت الشيوعي
- كيف ساعدت كوريا الشمالية الثورة الكوبية؟ / الصوت الشيوعي
- كيف ساعدت كوريا الشمالية البلدان العربية في فترة حرب اكتوبر ... / الصوت الشيوعي
- عبدالخالق محجوب - ندوة جامعة الخرطوم / يسرا أحمد بن إدريس
- مشروع تحالف - وحدة اليسار العراقي إلى أين؟ حوار مفتوح مع الر ... / رزكار عقراوي
- وحدة قوى اليسار العراقي، الأطر والآليات والآفاق!. / رزكار عقراوي
- حوار حول مسألة “عمل الجبهات” وتوحيد اليسار / حمة الهمامي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية - عزالدين بوغانمي - اليسار التونسي وجذور الفشل