صلاح يوسف
الحوار المتمدن-العدد: 4709 - 2015 / 2 / 3 - 21:35
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
-قال العلماء : لا يجوز تحريق الأعداء بعد القدرة عليهم ، وأما قبل ذلك وفي أثناء المعركة فقد اختلفوا في التحريق على أقوال :
1- فكره ذلك عمر وابن عباس وغيرهما مطلقًا سواء كان ذلك بسبب كفر أو في حال مقاتلة أو كان قصاصاً ([1]) ، ويروى عن مالك ([2]) . قال ابن قدامة : (أما العدو إذا قدر عليه فلا يجوز تحريقه بالنار بغير خلاف نعلمه ، وقد كان أبو بكر الصديق –رضي الله عنه- يأمر بتحريق أهل الردة ، وفعل ذلك خالد بن الوليد بأمره ، فأما اليوم فلا أعلم فيه بين الناس خلافاً ([3]) ... فأما حرقهم قبل أخذهم بالنار فإن أمكن أخذهم بدونها لم يجز رميهم بها ، لأنهم في معنى المقدور عليه ، وأما عند العجز عنهم بغيرها فجائز في قول أكثر أهل العلم) ثم ذكر قول عبد الله بن قيس : لم يزل أمر الناس على هذا ([4]) .
2- وأجاز ذلك سفيان الثوري ([5]) ، وأجازه علي ، وخالد بن الوليد ، وغيرهما ([6]) .
3- وقال بعضهم : إن ابتدأ العدو بذلك جاز وإلا فلا ([7]) .
أدلة المحرمين :
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال " بعثنا رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- في بعث فقال: إن وجدتم فلانًا وفلانًا لرجلين فأحرقوهما بالنار ، ثم قال حين أردنا الخروج : إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانًا وفلانًا ، وإن النار لا يعذب بها إلا اللّه ، فإن وجدتموهما فاقتلوهما" ([8]) ، وهو خبر بمعنى النهي ([9]) .
المناقشة : قال ابن حجر ([10]) : " قال المهلب : ليس هذا النهي على التحريم بل على سبيل التواضع ، ويدل على جواز التحريق فعل الصحابة ، وقد سمل النبي -صلى الله عليه وسلم- أعين العرنيين بالحديد المحمي ، وقد حرق أبو بكر البغاة بالنار بحضرة الصحابة ، وحرق خالد بن الوليد بالنار ناسا من أهل الردة " .
أدلة المجوزين :
1- قوله تعالى {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} ولم يستثن قتلا من قتل ([11]) .
ويجاب بأن هذا العموم مخصوص بحديث أبي هريرة في النهي عن التعذيب بالنار
2- حديث العرنيين ، وسيأتي في القصاص ، فالكفار المحاربين من باب أولى .
وأجيب بأن قصة العرنيين كانت قصاصا أو منسوخة ([12]) .
3- قياسا على فعل الصحابة مع المرتدين ، وستأتي مناقشته في تحريق المرتد .
أدلة من قال بالتفصيل : قول الله تعالى : (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عُوقبتم به) [13].
والراجح جواز فعل ذلك بهم إن فعلوه بالمسلمين معاملة بالمثل للآية ، وقياسا على القصاص كما سيأتي .
تحريق أموالهم :
وأما تحريق أموالهم وذلك في المباني والحيوان والنبات فإنهم اختلفوا في ذلك :
1- فذهب الجمهور إلى جواز التحريق والتخريب في بلاد العدو ([14]) . وأجاز مالك قطع الشجر والثمار وتخريب العامر ، ولم يجز قتل المواشي ولا تحريق النحل ([15]) .
2- وكره الأوزاعي قطع الشجر المثمر ، وتخريب العامر كنيسة كان أو غير ذلك ، وكرهه الليث وأبو ثور ([16]) . قال الترمذي ([17]) : قال الأوْزَاعِيّ : ونَهَى أبو بَكْرٍ الصّدّيقُ يزيد أنْ يقْطَعَ شجراً مُثْمِراً ، أو يُخَرّبَ عامراً ، وعمِلَ بذلكَ المُسْلِمُونَ بعدَه .
3- وقال الشافعي : تحرق البيوت والشجر إذا كانت لهم معاقل ، وكره تخريب البيوت وقطع الشجر إذا لم يكن لهم معاقل . قال الترمذي : وقال أحمدُ : وقد تكُونُ في مَوَاضِعَ لا يَجِدُونَ مِنْهُ بُدّا ، فأما بالعَبثِ فلا تُحَرّقُ . وقال إسحاقُ : التّحْرِيقُ سُنّةٌ إذا كانَ أنْكَى فيهِم . وذكر ابن قدامة أنه ينقسم إلى ما تدعوا الحاجة إلى إتلافه فجائز ، وما يتضرر المسلمون بقطعه فلا يجوز ، وما عدا هذين القسمين ففيه روايتان ([18])
دليل القائلين بالجواز :
1- أنه ثبت "أنه عليه الصلاة والسلام حرق نخل بني النضير" ([19]) . وليس قول أحد ولا فعله حجة عليه .
المناقشة : أن ذلك كان خاصا ببني النضير لغزوهم .
وأجاب الطبري بأن النهي محمول على القصد لذلك ، بخلاف ما إذا أصابوا ذلك في حال القتال كما وقع في نصب المنجنيق على الطائف ([20]) ، وهو نحو مما أجاب به في النهي عن قتل النساء الصبيان ، وبهذا قال أكثر أهل العلم ([21]) . وقيل إن قصة الحصون والمراكب مقيدة بالضرورة إلى ذلك إذا تعين طريقا للظفر بالعدو ، ومنهم من قيده بأن لا يكون معهم نساء ولا صبيان ([22]) .
2- أنه عليه الصلاة والسلام أمر أسامة بن زيد - رضي الله عنه - بأن يحرِّق ([23]) .
دليل المحرمين : ثبت عن أبي بكر أنه قال في وصيته ليزيد بن أبي سفيان : لا تقطعوا شجرا مثمراً ، ولا تخربوا عامرا ، ولا تذبحوا بعيراً ولا بقرة إلا لمأكل ، ولا تغرقوا نحلاً ولا تحرقوه ([24]) .
وفعل أبي بكر هذا إنما كان لمكان علمه بنسخ ذلك الفعل منه -صلى الله عليه وسلم- إذ لا يجوز على أبي بكر أن يخالفه مع علمه بفعله .
الجواب : لا يخفى أن ما وقع من أبي بكر لا يصلح لمعارضة ما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما تقرر من عدم حجية قول الصحابي ([25]) . وقيل : إنما نهى أبو بكر عن ذلك لأنه قد علم أن تلك البلاد تفتح فأراد بقاءها على المسلمين ([26]) .
وأما مالك فإنما فرق بين الحيوان والشجر لأن قتل الحيوان مثلة وقد نهى عن المثلة ، ولم يأت عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قتل حيوانا .
والراجح عدم جواز تحريق وقطع الأشجار إلا للضرورة ، كأن تكون لهم معاقل ، جمعا بين الأدلة ، والأمر في تحريق الحيوانات أشد .
تحريق المرتدين :
أدلة الجواز
1- فعل علي (رضي الله عنه) فعن عكرمة قال : أُتي أمير المؤمنين علي –رضي الله عنه- بزنادقة فأحرقهم فبلغ ذلك ابن عباس فقال : لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله e قال : لا تعذبوا بعذاب الله ، ولقتلتهم لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : من بّدل دينه فاقتلوه ، رواه البخاري ([27]) .
ونوقش بأن تجويز الصحابي معارض بمنع صحابي آخر ([28]) ، فإن ابن عباس لم يوافقه ([29]) .
2- أن أبا بكر أمر بتحريق المرتدين بالنار ، وحرق الفجاءة من بني سليم بالنار جمعت يداه إلى قفاه وألقي في النار ([30]) ، وفعل ذلك خالد بن الوليد بأمره ([31]) .
المناقشة : يمكن أن يجاب بأنه ربما لم يبلغه النهي ، لكن هذا الجواب لا يستقيم إذ لم يرد أن غيره خالفه ، ويمكن أن يجاب بأنه فعل ذلك قصاصا وهو جائز فيه لكن هذا يحتاج إلى العلم بأن الأعراب فعلوا ذلك بالمسلمين ، وقد ذكر ابن كثير أنهم قتلوا المسلمين الذين كانوا بين أظهرهم ، وأن أبا بكر فعل بهم ذلك ثأرا منهم ، ولإخافة الأعراب الآخرين . أو نقول أن ذاك ظرف استثنائي فلا يقاس عليه ، لأن أبا بكر لما حدثت الردة خشي على بيضة الإسلام فرأى التنكيل بهم ([32]) ، ويدل عليه كلام ابن قدامة السابق حيث ذكر أنه لا خلاف الآن في عدم الجواز .
أدلة التحريم :
أنا من الفريق القائل بأن داعش لا تفعل شيء مخالف للشرع، فماذا مع حرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة حياً ؟؟؟؟ تعالوا نشوف !
الأدلة في النهي عن التعذيب بالنار ، وقد سبق بعضها .
الترجيح : الراجح عدم الجواز لكن يبقى الإشكال في فعل أبي بكر ، فيحمل على أنه فعله استثناء للضرورة .
تحريق البغاة وأموالهم
قال العلماء : لا يجوز تحريقهم وأموالهم ، جاء في مغني المحتاج ([33]) : ولا يقاتلون بعظيم كنار ومنجنيق " وإرسال سيل وأسود وحيات ونحوها من المهلكات ، لأن المقصود من حالهم ردهم إلى الطاعة كما مر ، وقد يرجعون فلا يجدون للنجاة سبيلا ، وفي الحديث الصحيح لا يعذب بالنار إلا ربها ... ولا يجوز عقر خيولهم إلا إذا قاتلوا عليها ، ولا قطع أشجارهم وزروعهم .
التحريق في حد اللواط :
اختلف العلماء في الحد في اللواط على أقوال :
1- فقيل : الرجم بكرا كان أو ثيباً . وقال ابن عباس : يُلقى من أعلى بناء في البلد ([34]) .
2- وروي عن أبي بكر أنه أمر بتحريق اللوطي ، وهو قول ابن الزبير ([35]) ، قال المنذري : حرق اللوطية بالنار أربعة من الخلفاء : أبو بكر ، وعلي ، وعبد اللّه بن الزبير ، وهشام بن عبد الملك ([36]) .
#صلاح_يوسف (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟