|
|
تاريخ موجز للجبهة الشعبية – دروس من الحكومة اليسارية الفرنسية 1936/1937
حازم كويي
الحوار المتمدن-العدد: 8731 - 2026 / 6 / 9 - 15:32
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
برنارد شميدت(*) ترجمة :حازم كويي
تحدث الأحداث التاريخية دائماً مرتين: مرة كمأساة، ومرة كمهزلة – هذه هي الأطروحة التي يطرحها كارل ماركس في عمله “الثامن عشر من برومير للويس بونابرت”. وتقوم خلفية هذه الفكرة على توقع أن جميع الفاعلين يمتلكون تصوراً عن مجرى حدث سابق، وبالتالي يستعدون لاحتمال تكراره. لكن بما أن أحداً لا يقع في نفس الحفرة مرتين على التوالي، فإن التكرار لا يكون مطابقاً، بل أقرب إلى محاكاة لما حدث سابقًاً من هذا المنظور، أُثير منذ عام 2024 في فرنسا سؤال حول ما إذا كانت التاريخ يعيد نفسه في شكل التحالف اليساري الذي كان قد شكّل مصير البلاد في السنوات التي سبقت الحرب العالمية الثانية، لكن هذه المرة كمهزلة.
مأساة أم مهزلة كان التحالف في ثلاثينيات القرن العشرين يُعرف باسم: (تجمع الناس البسطاء من أجل الخبز والسلام والحرية)، ثم أُطلق عليه لاحقاً اسم الجبهة الشعبية (ويعني هذا المصطلح حرفياً: “جبهة الناس البسطاء”، وليس “جبهة الشعب” بمعناها الواسع كما توحي الترجمة الألمانية الشائعة، لأن كلمة" peupl" في هذا السياق لا تعني الشعب كله بل الفئات الشعبية الدنيا. (فـ quartier populaire في الفرنسية مثلاً لا تعني “حي الشعب”، بل حيّ الطبقات العاملة أو الأحياء الفقيرة). وبشكل مفاجئ وسريع، وكتفاعل مع حلّ الجمعية الوطنية من قبل الرئيس إيمانويل ماكرون في 9 حزيران 2024، توحّدت الأحزاب اليسارية الفرنسية خلال الأيام التي تلت قرار الحل في تحالف انتخابي جديد. وقد أُطلق على هذا التحالف اسم “الجبهة الشعبية الجديدة” (Nouveau Front Populaire – NFP).. وقد طُرح سؤال: هل تمثل هذه العودة تكراراً للتاريخ، أي عودة “المأساة” السابقة بشكل “مهزلة”؟ هذا ما ادّعاه بعض خصومها من التيار البرجوازي. لكن في الواقع، لا يمكن قبول هذا الادعاء، لأن تجربة الجبهة الشعبية الفرنسية في ثلاثينيات القرن العشرين لم تكن مأساة بالأساس. إضافة إلى ذلك، فإن الفوارق بين الوضع آنذاك وتجربة تحالف NFP القصير تبدو واضحة: ففي عام 1936 فاز التحالف اليساري آنذاك في انتخابات البرلمان يومي 26 أبريل و3 مايو بأغلبية كبيرة بلغت 57.8% من الأصوات، ثم تمكن لاحقاً من تنفيذ سلسلة من الإصلاحات الاجتماعية التقدمية. في المقابل، ورغم أن التحالف الانتخابي NFP أصبح القوة الأولى في البرلمان المشتت بعد الانتخابات المبكرة للجمعية الوطنية في 30 يونيو و7 يوليو 2024، وطالب بعدها الرئيس إيمانويل ماكرون بتكليفه بتشكيل الحكومة – وهو ما لم يمنحه إياه – فإنه بقي بعيداً جداً عن الحصول على أغلبية مطلقة، إذ حصل على 28.8% من الأصوات في الجولة الأولى و26.7% في الجولة الثانية. وبالتالي لم يتمكن تحالف NFP من فرض نفسه داخل البرلمان. والأسوأ من ذلك أنه سرعان ما دخل في صراعات داخلية، بسبب التباين الكبير في التصورات السياسية، خصوصاً بين الحزب الاشتراكي (Parti Socialiste) الذي حكم بين 2012 و2017، وبين منصة فرنسا الأبية (La France insoumise) التي توصف بأنها تتراوح بين اليسار الاشتراكي الراديكالي والشعبوي. وقد أدت قضايا السياسة الدولية، ومن بينها ما يُسمى بالصراع في الشرق الأوسط، إلى تبادل الاتهامات بين أطراف التحالف.
نظرة بلا غضب لكن هذا الوضع لا يشوّه النظرة إلى سنوات 1936، حين كانت اليسار الفرنسي موحداً، وحقق انتصاراً انتخابياً مؤقتاً، وتمكن لاحقاً من تنفيذ بعض التغييرات (بينما فشل في أخرى)، لكنه مع ذلك لا يزال يمثل مرجعاً تاريخياً مهماً، وليس فقط لدى أنصار اليسار. حتى برنامج تلفزيوني مطوّل بُث في 19 مايو 2026 على قناة الخدمة العامة الفرنسية France 3 تحت عنوان: “6193 الجبهة الشعبية بين الفرح والغضب” خلص إلى أن تلك المرحلة كانت ذات أهمية تاريخية عميقة وإيجابية في المجمل. وأشار البرنامج في نهايته إلى أن حكومة 1936 كانت تخطط لإدخال نظام تأمين صحي وتقاعدي شامل، والذي لم يُنفذ إلا لاحقاً عام 1945 – بعد الانتصار على ألمانيا النازية – في شكل نظام الضمان الاجتماعي (Sécurité sociale) الذي لا يزال قائماً حتى اليوم، وقد تم ذلك بمشاركة القوى السياسية نفسها. ومن الصعب الاعتراض على هذا التقييم في جوهره. فحتى لو أن تحالف اليسار في ذلك الوقت بقيادة ليون بلوم لم يستمر سوى عام واحد، وحتى لو أن “المأساة” الحقيقية جاءت لاحقاً في شكل الهزيمة العسكرية لفرنسا أمام ألمانيا النازية والاحتلال الذي استمر أربع سنوات، فإن هذه المأساة لم تكن نتيجة لحكومة اليسار، بل كانت تعبيراً عن انتصار خصومها. تُسهِم الهزيمة السريعة أمام أدولف هتلر في عامي 1939/1940 في الداخل الفرنسي، بحسب هذا التحليل، في الصراعات السياسية الطويلة الأمد ضد قوى اليسار الفرنسي، أي القوى اليمينية السياسية ومنظمات أرباب العمل، الذين كانوا قبل حتى الاستسلام عام 1940 يتبنون شعاراً مفاده: «أفضل هتلر على الجبهة الشعبية!» (Plutôt Hitler que le Front populaire!)
الشرارة في 6 فبراير 1934 حاولت قوى اليمين الفرنسي – والتي كانت تضم جمعيات من قدامى المحاربين في الحرب العالمية الأولى، إضافة إلى متعاطفين مع نظام موسوليني في روما، متحالفة مع الحركة الملكية القومية المعادية للسامية Action française بقيادة شارل موراس – اقتحام الجمعية الوطنية في باريس، بهدف إسقاط الجمهورية، مستندين إلى فضائح فساد جارية. تم إحباط هذه المحاولة، لكنها أسفرت عن 17 قتيلاً و2300 جريح. وقد أحدثت الأخبار الواردة من ساحة Place de la Concorde في باريس صدمة سياسية كبيرة.
رد الفعل الرسمي جاء رد قيادة الحزب الشيوعي الفرنسي (PCF) متوافقاً مع عقيدة “الفاشية الاجتماعية” التي كانت سائدة في تلك المرحلة داخل الأممية الشيوعية. وقد صرّح زعيم الحزب الشيوعي الفرنسي موريس توريز في البرلمان قائلاً: “إنكم جميعاً، حكاماً ونواباً من اليمين أو اليسار، تقودون البلاد نحو الفاشية. وتُثبت التجربة الدولية أنه لا يوجد فرق جوهري بين الديمقراطية البرجوازية والفاشية.”
الوحدة من القاعدة لكن على مستوى القواعد الشعبية للأحزاب اليسارية، بما في ذلك الحزب الشيوعي والحزب الاشتراكي الديمقراطي SFIO, تشكّلت وحدة مناهضة للفاشية بشكل تلقائي تقريباً ومن دون قرار قيادي مباشر. فعندما خرجت في باريس في 12 فبراير من ذلك العام مسيرتان منفصلتان احتجاجاً على محاولة الانقلاب اليميني – واحدة اشتراكية وأخرى شيوعية – التقتا بشكل عفوي، وبدأ المتظاهرون يهتفون: “الوحدة! الوحدة!” وقد شارك في تلك المظاهرة نحو 150 ألف متظاهر.تحت ضغط قوي من القاعدة الشيوعية في فرنسا وفي الدول المجاورة، وكذلك تحت تأثير تجربة الهزيمة الثقيلة للحزب الشيوعي الألماني أمام النازية في ألمانيا، بدأت الأممية الشيوعية في التحضير لتغيير في الخط السياسي. ابتداءاً من هذه المرحلة، بدأت القيادة في موسكو تطلب من الأحزاب الشيوعية الوطنية المختلفة أن تسعى إلى الوحدة ضد الفاشية، وأن تدخل في تحالفات مع الاشتراكيين الديمقراطيين، بل وحتى مع أحزاب الوسط البرجوازي في الديمقراطيات الغربية الإمبريالية، مع اعتماد خطاب وطني أيضاً. وبناءاً على ذلك، بدأ الحزب الشيوعي الفرنسي (PCF) في تنظيم فعالياته بحيث يُنشَد فيها، إلى جانب نشيد الأممية، النشيد الوطني الفرنسي “لا مارسييز” (La Marseillaise) ، كما رُفعت الألوان الوطنية الأزرق والأبيض والأحمر. لكن في هذه المرحلة كانت هناك مقاومة شديدة من القاعدة الحزبية؛ إذ قام العديد من الأعضاء بلف العلم الفرنسي حول سارية العلم بطريقة لا يظهر منها إلا اللون الأحمر. في 27 يوليو 1934، وقّع الحزب الشيوعي الفرنسي (PCF) والحزب الاشتراكي الديمقراطي (SFIO)“ميثاق وحدة العمل”. وبعد عام، وفي 14 يوليو 1935، وهو اليوم الوطني الفرنسي، تم التوصل – استعداداً لانتخابات البرلمان التي ستجري في أبريل ومايو 1936 على جولتين – إلى تشكيل تحالف انتخابي، انضمت إليه لاحقاً أيضاً أحزاب الراديكاليين. وغالباً ما تُترجم هذه التسمية في الصحافة الألمانية بشكل خاطئ إلى “الراديكاليين اليساريين”، لكن هذا توصيف مضلل؛ فـ“الراديكاليون” في فرنسا منذ القرن التاسع عشر هم ليبراليون معادون لسلطة الكنيسة، وهم يمثلون أحزاب الطبقة الوسطى. والمقابل الأقرب لكلمة *radical* في السياق الألماني التاريخي هو “ليبراليون أحرار”. انتخابات البرلمان 1936: انتصار ضد التحريض اليميني ايضاً. فاز التحالف اليساري في الانتخابات التشريعية. ويُعتبر هذا أيضاً انتصاراً سياسياً وأيديولوجياً مهماً ضد الصحافة اليمينية المتطرفة المؤثرة في ذلك الوقت، وكذلك ضد المنظمات القتالية ذات الطابع الفاشي المعروفة باسم “الروابط” (Ligues) ، والتي تم حظرها وحلّها في يونيو 1936 عندما أصبح السياسي اليهودي ليون بلوم رئيساً للحكومة. قبل ذلك، كانت هناك ضده حملة كراهية معادية للسامية شديدة. فقد كانت صحافة اليمين المتطرف، التي كانت تصدر حينها بملايين النسخ، تهاجم بلوم بوصفه “يهودياً متجولاً بلا جذور، و“طاغية من عِرق آخر”، و“الآسيوي”. كما نشرت شائعات مظلمة، مثل أن اسم ليون بلوم الحقيقي هو “كارفانكلشتاين”، وأنه ليس فرنسياً أصلاً، بل يأتي من بيسارابيا (مولدوفا حالياً)، وأنه يملك ثروة سرية من الألماس. لكن تأثير هذه الحملة لم ينجح في إضعافه؛ إذ وقفت أغلبية اليسار خلف بلوم بقوة. أما اليمين القومي فبقي في موقف معارضة جذري لشخصه ووجوده السياسي. وعند توليه المنصب، عنونت صحيفة L’Action française: “المسألة اليهودية في البرلمان” ورغم ذلك، وبسبب الإصلاحات التي تلت ذلك، بقي ليون بلوم في الذاكرة التاريخية لجزء كبير من المجتمع الفرنسي مرجعاً سياسياً محبوباً.
محفّز للصراعات الاجتماعية إن الانتصار الانتخابي لقوى اليسار عام 1936 أطلق في تلك الفترة حركة جماهيرية عفوية، عبرت من خلالها الضغوط الاجتماعية المتراكمة منذ سنوات. فمنذ أن بدأت تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية التي اندلعت في الولايات المتحدة في أكتوبر 1929 بالوصول إلى فرنسا ابتداءاً من عام 1931، كانت الحركة العمالية قد تلقت سلسلة من الضربات والهزائم. كان السبب المباشر لاندلاع موجة النضال العمالي هو فصل عدد من العمال الذين لم يحضروا إلى العمل في الأول من مايو من ذلك العام – وهو تاريخ لم يكن يوم عطلة رسمية آنذاك – ولذلك تم طردهم. ابتداءاً من 7 مايو 1936 بدأت أولى المواجهات، وبين 11 و13 مايو اندلعت الإضرابات في مصنعين للطائرات: في مصانع Bréguet في لوهافر، وLatécoère في تولوز. هذه الإضرابات المحلية الأولى أدت إلى إطلاق حركة إضرابات واسعة بدأت تتسع بسرعة، ثم تلتها موجة ثانية مرتبطة بالمطالبة بزيادة الأجور. وفي ذروة هذه الحركة بين 9 و11 يونيو 1936، كان نحو مليون ونصف عامل مضربين عن العمل.وقد قام العمال المحتجون باحتلال مصانعهم وأماكن عملهم.أما موظفوا القطاع العام، وخاصة العاملون في قطاع النقل المنظمين نقابياً بشكل قوي، فقد امتنعوا عن المشاركة في الإضراب في مايو 1936، وذلك تحت ضغط قيادة الحزب الشيوعي والقيادة المتحالفة معه في أكبر اتحاد نقابي وهو CGT. وقد كتب المؤرخ المتخصص في التاريخ المعاصر جان-بول برونيه في مجلة" Historia" أن هذه القيادات كانت تخشى اتساع الحركة وخروجها عن السيطرة، وقدّرت أن الكتلة العمالية غير المنظمة قد تتجاوز “حدود المعقول”. وبعد أربعة أيام من الاتفاق مع النقابات في 7 يونيو 1936، بدأت حركة الإضرابات العامة بالانحسار تدريجيًاً ومع ذلك، كان هذا الإضراب تحديداً هو الذي فتح الطريق أمام تحقيق بعض الإصلاحات الأساسية التي قدمتها حكومة الجبهة الشعبية.
أهم الإصلاحات الاجتماعية كان البرنامج الانتخابي لتلك الحكومة قد وعد فقط بشكل عام بـ“تقليص أسبوع العمل دون خفض الأجور”. لكن لم يظهر بشكل واضح اقتراح تحديد ساعات العمل بـ40 ساعة أسبوعياً بدل 48 ساعة إلا في يونيو 1936، أي بعد موجة الإضرابات. أما مطلب الإجازة المدفوعة الأجر فلم يكن مطروحاً بشكل صريح من قبل أحزاب اليسار قبل موجة الإضرابات، رغم أنه كان موجوداً بالفعل في ألمانيا والنمسا والدول الإسكندنافية. بل إن بعض أوساط الحزب الشيوعي الفرنسي (KPF) كانت في البداية معادية له بشدة، إذ كانت ترى أن هذا المطلب “يُقلل من قيمة الطبقة العاملة” لأنه يصوّر العمال كأشخاص محبين للكسل بدلاً من كونهم منتجين فخورين. وفي الإضرابات السابقة، مثل 1925 و1933 في مصانع سيتروين ((Citroën، حاول الحزب الشيوعي حتى إزالة مطلب الإجازة المدفوعة من قائمة المطالب، كما أن كوادر الحزب كانت في تلك الفترة متأثرة أيضاً بأخلاقيات العمل التي كانت تُروَّج في الاتحاد السوفييتي في عهد ستالين. أما الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SFIO) فقد قام بمحاولات برلمانية متكررة ولكن مترددة لوضع أساس قانوني للإجازة المدفوعة الأجر، لكنها كانت تفشل في مسار المفاوضات داخل البرلمان، رغم مشاركة الحزب في حكومات مختلفة. وفي هذا السياق جاءت موجة الإضرابات في مايو ويونيو 1936 لتُحدث التحول الحاسم. في ليلة 8 إلى 9 يونيو 1936، كتب مدير ديوان وزارة العمل شارل بيكينار بسرعة مشروع قانون بشأن الإجازة المدفوعة الأجر، وتم تقديمه فوراً إلى البرلمان. وتحت تأثير موجة الإضرابات، حتى النواب اليمينيون وافقوا على هذا الإصلاح، رغم أن اليمين السياسي كان يعارض عادة مثل هذه القوانين بحجة أنها “تشجع الكسل لدى الطبقات الدنيا”. وفي 11 يونيو 1936، تم التصويت بالإجماع على قانون منح أسبوعين من الإجازة المدفوعة الأجر: إذ صوّت جميع النواب الـ592 الحاضرين لصالحه، ولم يعارضه أحد (باستثناء بعض النواب الذين امتنعوا عن الحضور كنوع من الاحتجاج السلبي).
الأسابيع الأولى من حكومة الجبهة الشعبية جلبت الأسابيع الأولى من حكم الجبهة الشعبية أيضاً موجة إصلاحات متسارعة على نحو لافت: ففي غضون 73 يوماً فقط تم إقرار 133 قانوناً. وقد تناولت أهم هذه القوانين: تحديد أسبوع العمل بـ40 ساعة الإجازة السنوية المدفوعة الأجر المذكورة سابقاً، والتي أدت إلى أن كثيرين شاهدوا البحر لأول مرة في حياتهم خلال صيف 1936 زيادات كبيرة في الأجور، خصوصاً عبر تحديد حد أدنى للأجور وضع أساس قانوني لاتفاقيات العمل الجماعية (وهي ما يقابل تقريباً اتفاقيات الأجور الجماعية/ في ألمانيا) كما استفادت الفلاحات والفلاحون، الذين كانوا يشكلون آنذاك نحو 30% من القوة العاملة، من إجراء مهم: تم إنشاء “مكتب القمح”، وهو ابتكار أساسي، إذ تولّت الدولة من خلاله ضمان شراء الحبوب بأسعار دنيا ثابتة. وقد خفّف ذلك بشكل كبير من المخاطر الاقتصادية التي كانت تهدد المنتجين الزراعيين في كثير من الأحيان، وجعل دخلهم أكثر استقراراً.
قوة رأس المال يقول المؤرخ برونيه، في تلخيصه، إن “العقيدة الاقتصادية لليون بلوم لم تكن اشتراكية في جوهرها، بل كان مخطط بلوم يقوم على فكرة نمو الاستهلاك الداخلي، وعلى افتراض أن ذلك سيؤدي إلى زيادة أرباح القطاع الخاص، وبالتالي تشجيع المستثمرين على القيام باستثمارات جديدة”. أي إن الأمر كان أقرب إلى برنامج "كينزي" منه إلى برنامج اشتراكي. لكن الطبقة البرجوازية فضّلت في تلك الفترة سحب رؤوس أموالها و“إبعادها عن الخطر”، خصوصاً نحو سويسرا. ونتيجة للمضاربات على العملة، بدأ الفرنك الفرنسي يفقد قيمته تدريجياً. في البداية، رفض ليون بلوم اتخاذ قرار واضح، مثل تخفيض قيمة العملة طوعاً (وهو ما كان سيجعل الواردات أغلى والصادرات أرخص، لكنه في الوقت نفسه كان سيهدد صورة “الاستقرار” المالي لفرنسا). لكن في النهاية اضطر إلى قبول تخفيض غير طوعي لقيمة الفرنك فرضته الظروف الخارجية. في 25 أكتوبر 1936، وقّعت باريس اتفاقاً مع لندن وواشنطن بشأن سعر الصرف، وبموجبه فقد الفرنك ما بين 25 و35% من قيمته. ورغم أن لهذا الإجراء بعض الآثار الإيجابية (مثل جعل الإنتاج والصادرات أرخص)، إلا أن تأثيره سرعان ما تلاشى بسبب استمرار هروب رؤوس الأموال والمضاربات. أما الآثار السلبية – مثل ارتفاع أسعار الواردات وهروب رأس المال المضارِب الذي كان قد استثمر في الفرنك بحثاً عن الربح – فقد ظهرت بسرعة. وبذلك ارتفع التضخم نتيجة زيادة أسعار العديد من السلع بنسبة وصلت إلى 70% خلال اثني عشر شهراً، مما هدد المكاسب التي حصل عليها العمال من زيادات الأجور. وهكذا “استعاد رأس المال ما كان قد أُجبر على التخلي عنه في البداية”. في 13 فبراير 1937، أعلن ليون بلوم في خطاب إذاعي ضرورة “توقف مؤقت” للإصلاحات. فقد أصبح ضغط رأس المال الخاص، الذي ظل محتفظاً بسلطته الاقتصادية الأساسية، أكبر من قدرة الحكومة على مواجهته. وفي 15 يونيو، حاول بلوم الحصول على صلاحيات شاملة من البرلمان في الشؤون الاقتصادية لفرض إجراءات تقشفية، من بينها: إنهاء التعديل التلقائي للأجور مع ارتفاع الأسعار فرض ضرائب إضافية بقيمة خمسة مليارات فرنك رفع كبير لأسعار التبغ، والبريد، والسكك الحديدية وفي المقابل، فرض رقابة على المضاربات المالية وحركات رأس المال بينما انتقد الحزب الشيوعي (PCF) الإجراءات الأولى، غضبت البرجوازية من الإجراءات الثانية. وفي النهاية صوّت الحزب الشيوعي لصالح الحزمة الكاملة “من أجل إنقاذ الجبهة الشعبية”. لكن حزب الراديكاليين (Radicaux) لعب دوراً مزدوجاً: ففي الجمعية الوطنية (مجلس النواب) صوّت لصالح بلوم، بينما في مجلس الشيوخ صوّت ضده. وفي ليلة 21 إلى 22 يونيو 1937، قدّم ليون بلوم استقالته من رئاسة الحكومة. ورغم أن نفس الجمعية الوطنية استمرت حتى الهزيمة الفرنسية في يونيو 1940، فإن السلطة أصبحت عملياً بيد الراديكاليين، الذين قطعوا مع اليسار وبحثوا عن تحالفات مع قوى برجوازية أخرى تحت شعار “وقف الإصلاحات”.
برنارد شميدت(*)، المولود عام 1971 في جنوب ألمانيا، يعيش في باريس. يعمل كمحامٍ في مجال قانون العمل، كما يعمل بشكل مستقل كصحفي وكاتب. منذ عام 1990 يكتب حول حزب الجبهة الوطنية (Front National) وقضايا أخرى مثل النقابات والحركات الاجتماعية في فرنسا وشمال إفريقيا.
المراجع.
* مجلة Historia، العدد 593 (يونيو 1996): *“الجبهة الشعبية، موضوع لا يزال مثيرًا للجدل” ، وبشكل خاص: جان- بول برونيه: “اليمين المتطرف يشن حملة ضد ليون بلوم”*، ص. 43–47.
لوديفين بانتينيي: “المال أو الحياة. الجبهة الشعبية، تاريخ من أجل اليوم”*، باريس 2026.
جان-بول برونيه: *“تاريخ الجبهة الشعبية (1934–1948)”*، باريس 1991.
* ستيفان كورتوا ومارك لازار: *“الحزب الشيوعي الفرنسي”*، باريس 1995، خاصة الصفحات 117–127، 140، 154.
* دانيال غيران: *“الجبهة الشعبية، ثورة فاشلة”*، باريس 2013 (الطبعة الأصلية 1963).
* جان فيغرو: *“تاريخ الجبهة الشعبية: 1936، الانطلاقة المبهرة”*، باريس 2016 (طبعة جديدة 2022).
#حازم_كويي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
اليسار يفتقد إلى منظور عالمي بديل
-
الاحتجاجات تتصاعد ضد التوسع في مراكز البيانات والذكاء الاصطن
...
-
كيف نكبح سلطة الشركات الرقمية العملاقة؟
-
عندما مالَ برج بيزا الإيطالي إلى اليسار
-
ستون عاماً على الثورة الثقافية الصينية: تاريخ تجربة فاشلة
-
بين الأستقلالية والتسلسل الهرمي.جزء 2
-
صعود الفاشية: تاريخٌ مُقلق
-
بين الأستقلالية والتسلسل الهرمي
-
طرق نحو الاشتراكية البلدية في مدينة نيويورك
-
الإمبريالية بلا أقنعة
-
مئة يوم من رئاسة ممداني: حصيلة مرحلية إيجابية
-
الأمل واليأس في زمن رأسمالية الكوارث
-
ترامب يضع كوبا في حالة تأهّب
-
تاريخ الثورة العالمية للرأسمالية
-
الاشتراكية في الولايات المتحدة الحزب الاشتراكي القديم و-الاش
...
-
-المناضلة الشيوعية التي أُقصيت من الحزب الشيوعي الإيطالي-
-
الوفاء بالوعود الانتخابية يتطلّب سلطة شعبية: لماذا يحتاج زهر
...
-
الاشتراكية في الولايات المتحدة(4)
-
الاشتراكية في الولايات المتحدة (3)
-
مجزرة عيد الميلاد المنسيّة في أمريكا
المزيد.....
-
Visiting Time Past: What is to be Undone?
-
What the Democratic Party Has Become: From Utopian Dreams to
...
-
Lebanon, Netanyahu’s Nightmare and Opportunity
-
FIFA Counts Goals, Mexicans Count the Disappeared
-
إضراب لـ 3 أيام دفاعاً عن الأجور والحوار الاجتماعي
-
تجديد حبس المخرج عمر مرعي وتجاهل طلبات علاجه
-
كوبا على حافة المجهول.. هل يسقط نظام فيدل كاسترو أخيرا؟
-
بعد تجاوز -عقدة السلاح-.. الفصائل الفلسطينية تقترب من الحل
-
الرئيس بزشكيان: -كلنا مسؤولون- وحماية البيئة على عاتق الجميع
...
-
بيان تضامني لقطاع المحاماة لحزب التقدم والاشتراكية مع المحام
...
المزيد.....
-
كراسات شيوعية[84 Manual no]:فصل من كتاب(وجهة نظر البروليتاري
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
كراسات شيوعية [81Manual no]:فصل من كتاب(التشيؤ ووعي الطبقة ا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية
/ رزكار عقراوي
-
مقدمة في الاقتصاد الماركسي - حلقة دراسية للاتجاه البلشفي الأ
...
/ كوران عبد الله
-
أفكار حول مقال رزكار عقراوي عن الذكاء الاصطناعي
/ ك كابس
-
روسيا: قوة إمبريالية أم “إمبراطورية غير مهيمنة في طور التكوي
...
/ بول هوبترل
-
بعض المفاهيم الخاطئة حول الإمبريالية المعاصرة
/ كلاوديو كاتز
-
فلسفة التمرد- نقد الايديولوجيا اليسارية الراديكالية
/ ادوارد باتالوف
-
كراسات شيوعية :تقرير عن الأزمة الاقتصادية العالمية والمهام ا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الثورة التحريريّة - التوجّه الإستراتيجي و البرنامج الأساسي -
...
/ شادي الشماوي
المزيد.....
|