أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمود عباس - عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الثالثة















المزيد.....

عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الثالثة


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8731 - 2026 / 6 / 9 - 09:43
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


فعلى هذا المنطق السطحي نفسه، منطق خزعل الماجدي، ينبغي أن يُحرم العرب من الانتساب إلى الخلافات الأموية والعباسية والفاطمية، لأنها لم تقم باسم “الإمبراطورية العربية” بالمعنى القومي الحديث، بل باسم الخلافة، والدولة الإسلامية، والأمة الدينية. فإذا جاز لبعض المؤرخين العرب والمستعربين نفي صلة الكورد بالإمبراطورية الميدية أو الميتانية أو الدولة الأيوبية بحجة اختلاف الأسماء التاريخية، فبالمنطق ذاته يمكن نفي الصفة العربية عن الإمبراطوريات الإسلامية؛ فالأمويون عُرفوا باسم بني أمية، والعباسيون باسم بني العباس، والفاطميون باسم الفاطميين، والعثمانيون باسم آل عثمان، لا باسم القومية العربية أو التركية كما تُفهم اليوم. وكذلك لا يمكن اختزال الصفويين أو القجاريين أو حتى الساسانيين في قومية واحدة بالمعنى الحديث؛ فهذه كلها تكوينات سلطوية وسلالية وإمبراطورية، تعددت فيها الشعوب واللغات والمناطق، ولم تكن دولًا قومية كما يتصورها خطاب اليوم.
ومن هنا يمكن أن نقارن الإمبراطورية الميدية بالإمبراطورية الأموية، والإمبراطورية الميتانية بالإمبراطورية العباسية، والدولة الأيوبية بالخلافة الفاطمية أو العثمانية؛ فهذه الكيانات جميعها عُرفت بأسماء سلالات أو بيوت حاكمة أو عناوين دينية–سياسية، لا بأسماء قوميات حديثة. فإذا كان اختلاف الاسم كافيًا لنفي امتداد الكورد إلى تلك التكوينات القديمة، فإن المعيار نفسه يسقط حقهم في احتكار الإمبراطوريات الإسلامية وإلباسها ثوبًا عربيًا خالصًا.
بل إن ما حفظ لتلك الإمبراطوريات صفة الامتداد الرمزي لم يكن العرق العربي، بل سلطة لغة النص القرآني، وهيمنة العربية بوصفها لغة الدين والإدارة والفقه والسلطة. ولولا هذه السلطة الرمزية والدينية، لربما ذابت أسماء تلك الإمبراطوريات في ذاكرة سياسية أوسع كما ذابت أسماء سلالات وإمبراطوريات أخرى. كما أن الدول العربية الحديثة نفسها لم تظهر بصيغتها الراهنة إلا بعد انهيار الدولة العثمانية، وتدخل الاستعمارين الفرنسي والبريطاني في رسم حدود المنطقة وفق مصالحهما، لا وفق إرادة شعوبها أو امتدادها التاريخي الطبيعي.
أما ما ازدهر داخل تلك الإمبراطوريات من علم وفلسفة وترجمة وإدارة، فلم يكن نتاجًا عربيًا صرفًا، بل ثمرة فضاء واسع شاركت فيه شعوب آرامية، وسريانية، وفارسية، وكوردية، وقبطية، وبربرية، وتركمانية، وهندية، وغيرها. بل إن كثيرًا من ذلك النهوض قام فوق ركام حضارات سابقة ابتلعتها الغزوات العربية–الإسلامية، ثم أعادت توظيف بقاياها تحت اسم الدين والسلطة.
وهنا تتضح المفارقة الفاضحة: حين يتعلق الأمر بالكورد يصبح تغيّر الاسم أو تعدد المراحل التاريخية ذريعة لنفي الامتداد الحضاري؛ وحين يتعلق الأمر بالعرب يتحول اختلاف الأسماء إلى تفصيل عابر، وتُستعار إنجازات الإمبراطوريات الدينية–السياسية لتُقدَّم بوصفها تاريخًا عربيًا خالصًا. فهم يرفضون ربط الكورد بالميديين، والحوريين، والميتانيين، والساسانيين، بحجة اختلاف الأسماء أو تعقّد الامتداد التاريخي، لكنهم في الوقت نفسه يربطون العرب بكل ما سبق الإسلام وما بعده، من الأراميين والكلدانيين والبابليين إلى الأمويين والعباسيين والفاطميين، وكأن التاريخ كله وُلد ليصبّ في النهر العروبي. وهذه ليست منهجية علمية، بل انتقاء أيديولوجي يقطع السلسلة حين تخدم الكورد، ويمدّها بلا حدود حين تخدم العروبة.
إن الأمة ليست اسمًا جامدًا يتكرر بحرفيته عبر آلاف السنين، بل تراكم جغرافي ولغوي وثقافي وسكاني. والكورد، بهذا المعنى، لا يحتاجون إلى إذن من مؤرخ مأزوم ليثبتوا علاقتهم بجغرافية زاغروس وميزوبوتاميا العليا، ولا إلى شهادة من قومي عروبي ينكر على الآخرين ما يمنحه لنفسه بلا دليل. فوجود الشعب الكوردي أقدم من الدولة الحديثة، وأعمق من الخرائط التي رسمها الاستعماران الفرنسي والبريطاني، وأرسخ من محاولات الذين يريدون قياس التاريخ كله بمسطرة الاسم السياسي الحديث.
وعلى منهج هؤلاء، لن يبقى هناك وجود للعرب بعد الإسلام إلى قبل الدول العربية الحديثة التي تشكلت بعد انهيار الدولة العثمانية وتدخل الاستعمارين الفرنسي والبريطاني في رسم الحدود. أما قبل ذلك، فهناك قبائل عربية، وخلافات إسلامية، وسلطات دينية–سياسية، وفضاء حضاري متعدد الشعوب، لا يحق لأحد اختزاله في قومية واحدة. فإذا كان هذا المنهج يُطبَّق على الكورد، فليُطبَّق على الجميع؛ وعندها سنكتشف أن أكثر ما يتبجحون به ليس تاريخًا عربيًا خالصًا، بل تاريخ شعوب كثيرة صودر باسم العروبة بعد أن كان قد صودر من قبل باسم الخلافة.
ومن السذاجة المنهجية ذاتها ما يفعله بعض المتطفلين على التاريخ، حين يتعاملون مع خرائط الجغرافيين المسلمين كما لو كانت خرائط طبوغرافية حديثة، مرسومة بإحداثيات دقيقة وحدود سياسية ثابتة. فقد خرج الدكتور محمد بهجت القبيسي، الذي يُقال إنه مختص في التاريخ والصوتيات، في حوار تلفزيوني بعنوان: «أصل الأكراد وموطنهم الأصلي»، متحدثًا عن كتاب يزعم أنه كتبه قبل خمس عشرة سنة ولم ينشره، ثم اضطر، كما يقول، إلى نشره اليوم لأن الكورد “احتلوا الأراضي العربية”. ومنذ هذه العبارة وحدها تتكشف الخلفية الأيديولوجية التي تحكم خطابه؛ فهو لا يدخل التاريخ باحثًا عن الحقيقة، بل يدخل إليه محمّلًا بحكم مسبق، يريد إثباته ولو على حساب المنهج والمعرفة والمنطق.
لقد قدّم في ذلك الحوار خليطًا من المعلومات المهترئة، والمفاهيم الساذجة، والتأويلات التي لا يجرؤ حتى المبتدئون في كتابة التاريخ على إطلاقها بهذه الخفة. تحدّث عن أصل الشعب الكوردي، وعن زمن ظهوره، وعن التقسيمات القبلية، وعن الجغرافيا، بطريقة تكشف إما ضحالة معرفية مؤلمة، أو تعمّدًا في إنتاج الضحالة لخدمة غرض سياسي. وما يثير الغرابة ليس أن يصدر مثل هذا الكلام من شخص عابر، بل أن يصدر ممن يقدّم نفسه بصفة “دكتور” في التاريخ والصوتيات، ثم يتعامل مع اسم شعب، وجغرافيا عميقة، وتاريخ متراكم، كما لو أنه يعالج حاشية لغوية في هامش كتاب.

يتبع ...
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
1/6/2026 م



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الث ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الأ ...
- توماس باراك وإعادة تركيب المشرق
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- لماذا يدفن ترامب دور الخارجية بتوماس باراك؟
- هل أنهت إسرائيل دور توماس باراك بعد فشله في سوريا ولبنان؟
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- الانتحار الكوردي البطيء - 3
- الانتحار الكوردي البطيء - 2
- الانتحار الكوردي البطيء - 1
- بين سنةٍ تغادرني وقريةٍ لا تعود
- نظام الملالي بين صبر الإمبراطوريات ولحظة الاجتثاث
- الدولة التي تسرق قمح الفلاح تكسر اقتصاد الوطن - 3/3
- الدولة التي تسرق قمح الفلاح تكسر اقتصاد الوطن - 2/3
- الدولة التي تسرق قمح الفلاح تكسر اقتصاد الوطن - 1/3
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- اللغة الكوردية ذاكرة أمة لا تُمحى
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...


المزيد.....




- الدببة -تطرق أبواب- طوكيو.. واليابان تغلق 100 مدرسة فجأة
- حبيبة غزة بعد عام على نجاتها من الموت.. ابتسامة تكاد تُنسيك ...
- هل يُعرقل التصعيد الإسرائيلي في لبنان جهود التوصل إلى اتفاق ...
- سقوط أباتشي قرب مضيق هرمز والجيش الأمريكي ينقذ اثنين من جنود ...
- حلم يتلاشى - لماذا لم تعد الهجرة إلى أمريكا وكندا جذّابة للأ ...
- فرنسا وألمانيا تتخلّيان عن مشروع مشترك لتطوير طائرة مقاتلة
- من يجسد سيرة مصطفى محمود؟.. -بين الشك واليقين- يكشف عن وجه م ...
- شات جي بي تي يتحول إلى تطبيق خارق.. ما القصة؟
- وزيرة خارجية بريطانيا: عقوباتنا ستشمل كل من يسهل عنف المستوط ...
- من يتحكم في من؟.. اختبار قاس للعلاقة بين ترمب ونتنياهو


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمود عباس - عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الثالثة