الناصر بن رمضان
الحوار المتمدن-العدد: 8715 - 2026 / 5 / 24 - 02:33
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الوضع النقابي على مشارف عيد الشغل
يأتي العيد العالمي للعمال في تونس هذه السنة في سياق سياسي وإجتماعي إستثنائي شديد التأزم والإختناق ، تتقاطع فيه أزمة نقابية داخلية متراكمة مع أزمة سياسية حادة ومتصاعدة تمارسها سلطة شعبوية استبدادية قطعت أشواطا في تهميش الفعل الجماعي المنظم وإضعاف أدوات المقاومة الاجتماعية والسياسية . فبعد المؤتمر الوطني الأخير للإتحاد العام التونسي للشغل في 25 مارس 2026 وجدت القيادة النقابية الجديدة نفسها أمام تركة مثقلة بالملفات الحارقة والمتراكمة : عجز مالي خانق لم يحسمه المؤتمر، هياكل منهكة من جراء الصراعات الداخلية الحادة ، ثقة قاعدية مهتزة بالقيادات ، مفاوضات إجتماعية مجمّدة خلف الأبواب الموصدة لسلطات القرار، ،بطالة مستفحلة بلغت أرقاما قياسية وتدهور مريب للقدرة الشرائية وإلتهاب جنوني للأسعار ، تراجع كبير للنضالات القطاعية يقابله شعور باليأس وإستبطان للخوف من جراء توسع دائرة إرهاب المحاكمات العشوائية الجائرة وخوف متنامي على مستقبل بلاد تسير بخطى حثيثة نحو هاوية لا قرار لها ، ومنظمة نقابية عتيدة لكن مأزومة تسير نحو التهميش والمحاصرة عزمت سلطة الحاكم بأمره على إحالتها على الموت السريري. لذلك كان طبيعيا أن تنكبّ القيادة النقابية المنتخبة على البدء بترتيب البيت الداخلي عبر سلسلة اجتماعات الأقسام التسييرية للمنظمة والمجاميع المهنية وصولا إلى الهيئة الإدارية الوطنية في محاولة واعدة لإعادة الحد الأدنى من الانسجام والوحدة القيادية وضخ بعض الجرعات الديمقراطية في شرايين المنظمة أهمها العودة للتداول على المسؤوليات القيادية وحصر عهدة الإتحادات الجهوية والجامعات .غير أن هذه المعالجة التنظيمية السريعة - على أهميتها - لا يمكن أن تُخفي عمق أزمة منظمة وطنية ضاربة في التاريخ وفي الوجدان الجمعي لكل التونسيين لكنها تفقد شيئا فشيئا موقعها الريادي الإجتماعي والديمقراطي .
في هذا المناخ العام المحتقن داخليا وخارجيا، يحيي النقابيون مع شغيلة العالم هذا العيد العالمي للعمال وهم يستحضرون أمجاد الطبقة العاملة العالمية وإنجازاتها ومكاسبها ، لكنهم ينظرون بعين التوجس والتخوف على مستقبل الطبقة العاملة التونسية المحفوف بالمخاطر الشعبوية ، وفي نفس الوقت مصممون على المضي قدما في المواجهة كلفهم ذلك ما كلفهم من التضحيات الجسيمة.
1) في مسؤولية السلطة الإستبدادية :
إن الأرقام وحدها تفضح الخطاب الرسمي أكثر من أي تحليل ، ذلك أن معدل التضخم في تونس يُخفي واقعًا شديد القساوة : تضخم المواد الغذائية، الذي يمسّ مباشرة الفئات الشعبية، تجاوز في عدة أشهر 11% و12%.أما أسعار اللحوم والخضر والزيوت والحبوب فقد واصلت ارتفاعها بنسب مضاعفة، في حين لا تتجاوز الزيادات المرتقبة في الأجور— في أفضل الحالات — 5% في الوظيفة العمومية، وأقل من ذلك في القطاع الخاص وبالتالي فالفجوة واضحة: الأجر الحقيقي يتآكل سنويًا بنسبة قد تصل إلى 3% أو 4%.
النتيجة ليست مجرد “صعوبات ظرفية”، بل عملية نهب منظّمة للقيمة المنتَجة من طرف العمال. إذ عندما ترتفع الأسعار بوتيرة عالية تفوق الأجور، فإن الفارق يتحول إلى تحويل مباشر للثروة من العمل إلى رأس المال. وتؤكد المعطيات الاجتماعية أن نسبة الفقر في تونس تُقدّر اليوم بما يفوق 16%، مع توسّع دائرة الهشاشة لتشمل قرابة ثلث السكان، بينما تتآكل " الطبقة الوسطى " بشكل متسارع. نحن إذن لا نعيش أزمة عابرة، بل إعادة تشكيل طبقي عنيف تُدفع كلفته من عرق الأجراء.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد ، إذ تواصلت سياسات تقليص الدعم ورفع أسعار المواد الأساسية بشكل حاد، تحت ضغط الدائنين الدوليين. هكذا تُدفع الفئات الشعبية ثمن التوازنات المالية: مرة عبر الأسعار، ومرة ثانية عبر الضرائب غير المباشرة، ومرة ثالثة عبر تدهور الخدمات العمومية. إنها دائرة مغلقة من الإفقار الممنهج .
إن السلطة الشعبوية التي سيجت المجتمع وقضت على الفضاءات الوسيطة ودجنت الإعلام والقضاء وزجت بعشرات المعارضين في السجون وأعادت هندسة المشهد العام على قاعدة الحكم الفردي المطلق وسعرت الحرب الإجتماعية والسياسية على الجميع تتحمل بالتالي المسؤولية الرئيسية في ما آلت إليه الأوضاع السياسية والنقابية منها بالخصوص. إذ أن رفضها المتعنت للتفاوض الاجتماعي يسعى إلى القضاء على دور المنظمات المدنية وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل، وتحويلها إلى فاعل إجتماعي منزوع التأثير والمواجهة. بهذا المعنى، يصبح غلق باب المفاوضات حول الأجور، ورفض الاستجابة لمطالب تحسين القدرة الشرائية، جزءا من سياسة أوسع تهدف إلى إعادة ضبط موازين القوى لصالح الطبقات السائدة على حساب الطبقة الشغيلة : أي تحميل كلفة الأزمة للعمال والأجراء، مقابل حماية مصالح رأس المال المحلي المرتبط بالدوائر الإستعمارية.
2) هل إستبداد السلطة يعفي البيروقراطية من المسؤولية ؟ :
لكن تحميل السلطة كامل المسؤولية لا يجب أن يحجب عنّا الدور الذي لعبته القيادة البيروقراطية النقابية السابقة في الوصول إلى هذا المأزق. فسنوات بل عقود من التسيير المركزي المشط ، وتغليب منطق التوازنات الداخلية على حساب الكفاحية والنضالية، والانخراط في مساومات " التسخين والتبريد " السياسية أضعفت باستمرار استقلالية القرار النقابي ، وهي كلها عوامل ساهمت في تآكل مكاسب الديمقراطية النقابية والنضالية . لقد تحولت المنظمة من إطار تعبوي مناضل إلى جهاز بيروقراطي يشتغل بمنطق المحافظة على المواقع أكثر من الاشتباك الفعلي مع قضايا الشغالين. كما أن سوء إدارة الملف المالي وعدم تطوير بدائل مالية عصرية ناجعة، كشف هشاشة المنظمة أمام الإجراآت العقابية للسلطة الشعبوية. ووجد الاتحاد نفسه أمام تحدي إعادة بناء قاعدة انخراطاته بشكل طوعي ومباشر، وهو ما يتطلب عملا تنظيميا وتواصليا عميقا لم يكن جاهزا له بما يكفي.
3) الرهانات والإستحقاقات القادمة :
وبناء على ما سبق فإن المطروح على القيادة النقابية الجديدة اليوم وعلى عموم النقابيين هو رهان مزدوج : على المستوى الداخلي إعادة بناء الداخل النقابي على أسس ديمقراطية شفافة إذ لا يكفي عودة الهياكل التسييرية وعقد الإجتماعات الدورية للأطر وإصدار البيانات ، بل المطلوب هو إرساء قطيعة فعلية مع ممارسات البيروقراطية السابقة، عبر توسيع مشاركة القواعد في صنع القرار، وضمان شفافية مالية حقيقية بفصل الإدارة والمالية عن المكتب التنفيذي وربط المسؤولية بالمحاسبة داخل كل الهياكل. إن استعادة ثقة القواعد لن تتم بالشعارات، بل بإثبات ملموس أن المنظمة أصبحت تعبر فعلا عن مصالحهم، وتدافع عنها بجدية واستقلالية. وهذا يمر بالضرورة عبر إعادة الاعتبار للعمل النقابي الميداني، داخل المؤسسات والقطاعات، بدل الاكتفاء بالمستوى المركزي للقاءات الأطر والندوات النقابية الفوقية .
أما على المستوى الخارجي، فإن التحدي الأكبر يكمن في فرض العودة إلى طاولة التفاوض الاجتماعي، رغم رفض السلطة الديكتاتورية واستعادة الدور الخارجي كفاعل وطني واجتماعي لا يمكن تجاوزه. وهذا يقتضي بناء ميزان قوى جديد، لا يعتمد فقط على الخطاب ، بل على القدرة التعبوية الجماهيرية. فالسلطة، بطبيعتها، لا تتنازل إلا تحت الضغط، وهذا الضغط لا يمكن أن يكون فعالا دون تعبئة واسعة ومنظمة للطبقة العاملة، والإنخراط الفعلي النشيط في بناء تحالفات مع بقية مكونات المجتمع المدني المتضررة من نفس السياسات الشعبوية المدمرة. في هذا الإطار، يمكن للاتحاد أن يستعيد جزءا من دوره التاريخي كقوة اقتراح وضغط في آن واحد .إن المطروح على القيادة الجديدة هو تقديم بدائل اقتصادية واجتماعية منحازة بوضوح للفئات الشعبية تربط بين المسألة الاجتماعية والمسألة الديمقراطية باعتبارهما وجهين لنفس الصراع.
غير أن هذا المسار لن يكون سهلا أو مرتجلا أو خاضعا لتقلبات الأمزجة القيادية . فالأزمة التي يعيشها الاتحاد اليوم لا يمكن تجاوزها بسهولة وبقرارات ظرفية خصوصا وأن السياق السياسي العام لا يزال في حاجة إلى مزيد التشبيك الديمقراطي وتوحيد القوى التقدمية الرافضة للإنقلاب . ومع ذلك، يبقى الأمل قائما في أن تتمكن القيادة الجديدة من تحويل هذه الأزمة إلى لحظة إعادة تأسيس، تستعيد فيها المنظمة روحها الكفاحية ودورها التاريخي. إن نجاحها في ذلك لن يكون انتصارا نقابيا فحسب، بل سيكون أيضا مكسبا ديمقراطيا ووطنيا لكل التونسيين الذين يحتاجون إلى توازنات اجتماعية وسياسية أكثر عدلا.
4) خاتمة :
إن الأول من ماي في تونس اليوم ليس مناسبة احتفالية، بل لحظة تقييم ومراجعة حاسمة في صراع مفتوح. السلطة اختارت أن تحمّل العمال كلفة الأزمة، والبيروقراطية السابقة كشفت حدودها. يبقى الرهان على ما إذا كانت القيادة الجديدة ستنحاز فعليًا إلى خط ديمقراطي مستقل ومناضل، أم ستعيد إنتاج نفس السياسات بشكل جديد.
وهل ستنجح في تحويل هذا الغضب الاجتماعي المتراكم إلى قوة منظمة وتتمكن من إعادة بناء ميزان قوى يفرض على السلطة فتح باب التفاوض؟ أم سنشهد دورة جديدة من الإحباط، تُعمّق أزمة الثقة وتُضعف أكثر فأكثر موقع الشغّالين؟
إن الخروج من هذا المأزق لا يكون بالتردد أو الإنتظارية ، بل بالقطع مع الشعبوية التي تُخدّر الجماهير، وكذلك القطع مع البيروقراطية التي تُفرغ النضال من محتواه. البديل إذن واضح في خطوطه الكبرى: عمل نقابي مستقل ومكافح، متجذر في القواعد، يُراكم القوة عبر النضال، ويتمسك بثلاثية لا تقبل المساومة : الاستقلالية، الديمقراطية، والنضالية.
إذ في زمن تتصاعد وتستعر فيه كلفة العيش وتُقمع فيه أصوات العمال، لا يكفي أن تكون النقابة موجودة… بل يجب أن تكون في موقع المواجهة.
إن العيد العالمي للعمال ليس ذكرى تاريخية فقط ، بل موعد متجدد مع الصراع. ومن لا يختار موقعه فيه، يُفرض عليه. إنها معركة مفتوحة، عنوانها الحقيقي: من يملك القرار في هذا البلد؟ ومن يحدد وجهته الاقتصادية والاجتماعية؟ وفي قلب هذه المعركة، تقف الطبقة العاملة، بين خيارين لا ثالث لهما: إما استعادة زمام المبادرة، أو القبول بمزيد من التهميش.
والتاريخ، كما علّمنا، لا يرحم المترددين ، فإلى التظاهر في الساحات والميادين إحتجاجا على الأوضاع المعيشية المزرية وتنديدا بضرب الحق النقابي وغلق باب التفاوض والدفاع عن الحريات العامة والفردية .
#الناصر_بن_رمضان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟