أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ازهر عبدالله طوالبه - أنحنُ أمامَ جنونٍ ترامبيّ أميركي في التعاطي مع العالم؟!














المزيد.....

أنحنُ أمامَ جنونٍ ترامبيّ أميركي في التعاطي مع العالم؟!


ازهر عبدالله طوالبه

الحوار المتمدن-العدد: 8644 - 2026 / 3 / 12 - 04:51
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليس ثمة ما هو عبثي أو فوضوي في السياسة، حتى عندما تتخذ أشكالًا صادمة أو "مجنونة" بحسب وصف المتابعين. خلف كل قرار يبدو غير مألوف، تختفي عادةً "إرادة سياسية" نقية، تسعى إلى إعادة تشكيل بنية الدولة ومؤسساتها وفق رؤية أيديولوجية محددة. ما يشهده المشهد العالمي في التعاطي مع السياسة الخارجية منذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض ليس نوبة جنون عابرة، ولا هو مجرد تخبط إداري، بل هو مشروع سياسي متكامل يهدف إلى إعادة تعريف العلاقة بين أميركا والعالم، وإخضاع الحقيقة ذاتها لمنطق البراغماتية المتوحشة والأيديولوجيا المحافظة. لفهم "لماذا هذا الجنون؟"، علينا أن نفكك شيفرته السياسية العميقة، وأن نقرأ ما وراء أكوام القرارات التنفيذية التي أشعلت الساحات الدولية.

منذ اللحظة الأولى لعودة الإدارة الجمهورية، لم تتعامل واشنطن مع العالم كمسرح للقوة الناعمة أو كبنية تحتية استراتيجية للتحالفات توجب حمايتها، بل تعاملت معه ك"حقل ألغام أيديولوجي" يجب تطهيره. تجلى ذلك بوضوح في الحملة المنظمة ضد المؤسسات الدولية والتعددية، حيث لم تكن العملية مجرد انسحاب من اتفاقيات، بل كانت بمثابة عملية "تطهير جيوسياسي" للعلاقات الأميركية من التزاماتها التاريخية ومناهجها الدبلوماسية الراسخة. هذا المسار يستند إلى فرضية مركزية تقول إن النخبة الدولية والعالمية استحوذت على قرار الدولة وصاغت سياساتها بما يخدم أجندة كونية بعيدة عن مصالح "المواطن الأميركي العادي" ومصالح الأمن القومي بالمعنى التقليدي. هنا، يتحول العالم من مسرح للتعاون الموضوعي إلى ساحة صراع سياسي، ويصبح الحلفاء ليسوا سوى "فاعلين تابعين" يجب إخضاعهم أو استبدالهم.

اللافت في ولاية ترامب الثانية هو الانتقال من سياسة "الانسحاب الأحادي" إلى سياسة "إعادة الهيكلة القسرية" للنظام العالمي وفق رؤية مركزية. لم تعد الغاية هي تقليل الالتزامات فقط، بل إعادة تشكيل أولويات التحالفات ذاتها. مشروع "أميركا أولًا" الذي تتبناه الإدارة يبدو في ظاهره دعوةً للسيادة الوطنية ومكافحة الاستغلال، لكنه في جوهره يحمل تحولًا جوهريًا: نقل سلطة تقييم المصالح من المؤسسات متعددة الأطراف إلى سلطة الصفقات التجارية الثنائية والمعينين السياسيين. هنا يكمن عمق المأساة السياسية. ف"السيادة" تحولت إلى أداة في يد السلطة التنفيذية ل"نزع الشرعية" عن أي التزام دولي لا يتوافق مع رؤيتها للعالم، سواء تعلق الأمر بتغير المناخ أو التجارة الحرة أو الأمن الجماعي. هذا ليس إصلاحً دبلوماسيًا، بل هو "انقلاب أبيض" على أسس النظام الدولي الذي بنته أميركا نفسها بعد الحرب العالمية الثانية. إذ أصبح بإمكان صفقة عقارية أن تقرر أي حليف "مربح" وأيها "عبء"، متجاوزًا بذلك عقودًامن الدبلوماسية المتراكمة.

من ناحية أخرى، يكشف هذا "الجنون" عن بعد جيوسياسي عميق في إعادة تعريف العلاقة مع القوى الصاعدة. فالتفكيك المنهجي للتحالفات التقليدية مع أوروبا واستبدالها بعلاقات براغماتية مع القوى الاستبدادية، يقرأه المحللون الاستراتيجيون على أنه "إعادة تموضع" في سباق الهيمنة العالمية. فبينما تتجه الولايات المتحدة نحو تقليص دورها في قيادة العالم الحر، تتجه الصين وروسيا لاستقطاب الحلفاء الخائبين وملء الفراغ الجيوسياسي. هذا الانسحاب الأميركي من ريادة النظام العالمي ليس ضعفًا، بل هو تحول في مفهوم "القوة" ذاتها. فالإدارة الحالية تبدو مقتنعة بأن التفوق لم يعد يأتي بالضرورة من قيادة التحالفات، بل من الصفقات التجارية الثنائية (بيع الأسلحة، صفقات الطاقة) ومن التحرر من القيود الأخلاقية والسياسية التي تعيق حرية الحركة في عالم متوحش. العالم هنا يُضحى به على مذبح "الرأسمالية المتوحشة" والمنافسة مع الصين، حيث يُنظر إلى حقوق الإنسان كعائق أمام الصفقات، وإلى الديمقراطية كرفاهية لا حاجة لها في عالم القوة.

لا يمكن فهم هذه السياسة بمعزل عن تحول في بنية الدولة العميقة ذاتها. ما نشهده هو صراع بين نموذجين لعلاقة أميركا بالعالم: الدولة الليبرالية الدولية التي تحكمها المؤسسات والمعايير المشتركة، والدولة الشعبوية السيادية التي تحكمها "الإرادة الشعبية" كما تعبر عنها شخصية القائد. العالم، بادعائه القيم المشتركة والمعايير الموضوعية، يشكل تحديًا وجوديًا للسياسة الشعبوية التي تريد أن تبقى الحقيقة حكرًا على الخطاب السياسي المباشر. لذلك، فإن الانسحاب من مجلس حقوق الإنسان، وإنهاء الاتفاق النووي مع إيران، والتهديد الدائم بحلف الناتو، والحَرب على إيران، في بُعدٍ من أبعادها، هي ممارسات تهدف إلى "تفريغ العلاقات الدولية من محتواها المعياري" وإحلال منطق القوة المجردة محله. إنها عملية "إعادة برمجة" للجهاز الدبلوماسي ليكون خادمًا مطيعًا للسلطة، وليس رقيبًا عليها أو مصدرًا لإحراجها بحقائق لا تتوافق مع أجندتها.

أخيرًا، يقودنا هذا التحليل إلى استنتاج مفاده أن "الجنون" الظاهر هو في الحقيقة "عقلانية سياسية باردة" تسعى إلى تفكيك العقد الاجتماعي الدولي الذي جعل من أميركا قائدة للعالم الحر بعد الحرب العالمية الثانية. مشروع "بروجكت 2025" الذي خطط لهذه التحولات لم يكن مجرد وثيقة حزبية، بل كان إعلان حرب على "سلطة المؤسسات الدولية" لصالح "سلطة الشعب" كما ترسمها الإدارة. النتيجة المتوقعة هي عالم إما أن يخضع لمنطق الغابة والمضاربة، أو أن يعيد تشكيل تحالفات جديدة بدون أميركا. المستقبل الذي ترسمه هذه السياسة هو مستقبل تصبح فيه العلاقات الدولية سلعة خاضعة للمزاد العلني، وتتحول فيه أميركا من "قائدة العالم الحر" إلى "دولة منعزلة" تجرب نموذجًا سياسيًا جديدًا، قد ينتصر على المدى القصير، لكنه يخسر على المدى البعيد معركة الهيمنة الجيوسياسية التي لا تقل شراسة عن المعارك العسكرية.

إن ما نراه ليس جنونًا، بل هو مشروع سياسي بامتياز، يحمل رؤية واضحة لمستقبل العالم: إما أن يكون خادمًا للسيادة والأيديولوجيا الأميركية الجديدة، أو ألّا يكون.



#ازهر_عبدالله_طوالبه (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بتولي -مجتبئ خامنئي-.. هل تحوّل المشروع الإيرانيّ من ولاية ا ...
- وقفةٌ مَع آية..
- إشكاليّة بدء شهر رمضان..
- الضفة الغربيّة ومصالح الأُردن فبها..
- مفاوضات مسقط وزيارة نتنياهو: وجهان لمسارٍ واحد.
- مفاوضات مسقط وزيارة نتنياهو: وجهان لمسارٍ واحد
- لدكتور محمد الحمّوري: غياب الصوت القانونيّ المُستقِل.
- تغيّر كُلّ شيء في سوريا، إلّا أنّها ما زالَت -ساحة نفوذ-...
- دافوس هذا العام أعلن تفكّك الكُتلة الغربية.
- حين يُباع النّناقُض على أنّه دين، ويتحكَّم بتشكيلِ وعي الأتب ...
- عل نحنُ أمامَ إعادة -تحالُف مُحيط إسرائيل-..؟!
- هل ستُحدّد انتخابات حركَة حماس الخيار الذي ستسلُكه..؟!
- ماذا يحدُث في حلَب..؟!
- هل نحن في مرحلة ما بعد القانون الدّولي..؟!
- هل ستقود الاحتجاجات إلى مفاوضات مُباشرة..
- ماذا يعني الاعتراف ب-أرض الصومال-.
- الكريسماس: الصراع الموسميّ
- القرار الأميركي تجاه المنطقة: هندسة ما بعد الحرب وضبط حضور ا ...
- ممداني وترامب: من التراشُق إلى التفاهُم.
- قرار مجس الأمن (2803): تثبيت الواقِع وتغييب الدّولة الفلسطين ...


المزيد.....




- الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تشلّ آسيا.. ذعر الطاقة ...
- وكالة الطاقة: حرب إيران تسبب -أكبر اضطراب في إمدادات النفط- ...
- DW تتحقق: تضليل وتزييف في حرب إيران
- من يربح من نار الحرب؟ أسرار المال خلف الصراع مع إيران
- توقف تصدير الأسمدة .. حرب إيران ترفع أسعار المواد الغذائية
- هجمات إيرانية مستمرة على الخليج.. هل تحمي القواعد الأمريكية ...
- مراسل فرانس24 بالعراق: ارتفاع حصيلة ضحايا الهجمات على مقرات ...
- هجوم أوكراني على محطة نفط روسية ولقاء مرتقب بين زيلينسكي وما ...
- هل يدفع الغرب الثمن الأكبر لحرب إيران؟
- -نقض الغزل-.. كيف يحذرنا القرآن من إبطال العمل بعد إتقانه


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ازهر عبدالله طوالبه - أنحنُ أمامَ جنونٍ ترامبيّ أميركي في التعاطي مع العالم؟!